محمد النبي الوفي الإنسان (صلى الله عليه وسلم) للشيخ عبدالناصر بليح




الحمد لله رب العالمين ..  وأشهد أن لا إله إلا الله وحده  لا شريك  له في سلطانه .. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله القائل :"مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ؛ فَلَا يَحُلَّنَّ عُقْدَةً وَلَا يَشُدَّهَا حَتَّى يَمْضِيَ أَمَدُهُ، أَوْ يَنْبِذَ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ" (أبو داود والترمذي). وَلمّا قَدِمَ على النبيِّ  صلي الله عليه وسلم  رَسُولا مسيْلمةَ الكذَّابِ، فتكُلَّما بما قَالَا. قَالَ "لَوْلَا أَنَّ الرُّسَلَ لَا تُقْتَلُ, لضَرَبْتُ أَعْنَاقَكُمَا" فَجَرت سنتُه أَلا يُقْتَل رَسُولٌ".(أبوداود).اللهم صلاة وسلاما عليك يا سيدي يا رسول الله وعلي آلك وصحبك وسلم .
أما بعد فيا جماعة الإسلام
الإسْلَامُ دِينُ الوَفاءِ واحْتِرامِ العُهودِ والعُقُودِ والموَاثِيقِ قَالَ تَعَالَى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ(المائدة/1)، وَقَالَ تَعَالَى:" "وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا"(الإسراء/ 34). وَقَالَ: "الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ"(الرعد/20).
 ونحن في شهر مولده صلي الله عليه وسلم  لابد لنا أن نتأسى بأخلاقه فهو الأسوة والقدوة وما أحوجنا لأن نتخلق بأخلاق الرسول صلي الله عليه وسلم ونقتدي به فهو خير أسوة وخير قدوة - يقول الله تعالي : "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا "(الأحزاب / 21).
 وقد امتدحه المولي عزوجل بقوله :" وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ"(القلم /4). وقال عن نفسه :"إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" (مسند البزار). وقال :"إنما أنا رحمة مهداه ". (الحاكم ). وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما: (أن هشام بن حكيم سأل عائشة -رضي الله عنها- عن خلق رسول الله صلي الله عليه وسلم فقالت: "خلقه القرآن"( متفق عليه).
والناظر في سيرة رسول الله صلي الله عليه وسلم يجدها مثلاً حيًّا لحسن الخلق، حيث لخص رسول الله الهدف من بعثته في قوله: "إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق"( البخاري في الأدب المفرد، والحاكم في المستدرك، والبيهقي). ولما سأله أبو بكر الصديق :”ما كل هذا الأدب الجم يا سول الله قال :"أدبني ربي فأحسن تأديبي "(السخاوي). فكان يدعو إلى الله بأخلاقه، كما يدعو إليه بأقواله.
ولو تحدثنا اليوم عن خلق واحد من أخلاقه صلي الله عليه وسلم ماكفانا وقت .. وهو خلق الوفاء والإنسانية  فقد ضرب لنا رسول الله صلي الله عليه وسلم أروع الأمثلة في هذا الخلق.. ففي تعامله مع ربه كان صلى الله عليه وسلم وفياً أميناً ، فقام بالطاعة والعبادة خير قيام ، وقام بتبليغ رسالة ربه بكل أمانة ووفاء ، فبيّن للناس دين الله القويم ، وهداهم إلى صراطه المستقيم ، وفق ما جاءه من الله ، وأمره به ، قال تعالى: "وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون" ( النحل /44 ) . فقد كان وفياً لربه عزوجل فكان لا يعمل عملاً ولا فعلاً ولا قولاً إلا لله فما كان لله دام واتصل وما كان لغير الله انقطع وانفصل وكان كل دعوته من أجل الله ولله وما غضب لنفسه مرة فما غضب إلا لله فكان دائماً يقول من أحب لله وأبغض لله وأعطي لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان " ورسولنا صلي الله عليه وسلم  مثل يُحتذى به في الوفاء، وهو من صفات الأنبياء - عليهم السلام - كما جاء في حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - وفيه قال: أخبرَني أبو سفيان أن هِرقلَ قال له: سألتُك ماذا يأمركم؟ فزعَمتَ أنه يأمر بالصلاة والصِّدق، والعفاف والوفاء بالعهد، قال هرقل: وهذه صفة النبي...(البخاري ومسلم). وحثَّ على الوفاء بقوله: "المسلمون عند شروطهم"(أبوداود). وكان صلي الله عليه وسلم  مثلاً يُحتذى به في أقوالٍ ناصعة، وأعمال مُضيئة، منها:
وفاؤه لبلده :
لما خرج رسول الله صلي الله عليه وسل مهاجراً من مكة إلى المدينة كما روي عنه :وقف علي الحزورة(سوق) ونظر إلى البيت وقال :والله انك لأحب أرض الله إلي وانك لأحب أرض الله إلى الله ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت منك”(الترمذي والنسائي –زادالمعاد1/8). ورغم فساد أهلها وظلمهم له ومحاربتهم لدعوته ولكن الرسول صلي الله عليه وسلم يعطينا درساً في الانتماء فيقول في رواية أخري :” ما أطيبك من بلد وأحبك إلي ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك – قاله لمكة . (صحيح).  وهذا يشير إلى مدي حب رسول الله صلي الله عليه وسلم لبلده مكة المكرمة موطن ولادته ونشأته وفيها البيت الحرام ولأنها منزل الوحي ولأن بها الأهل والأقربين ولأن بها مآثر إبراهيم.(خاتم النبيين2/5) . والرسول صلي الله عليه وسلم كان حين يذكر أحد الصحابة مكة أمامه تذرف عيناه بالدمع ويقول له :”دع القلوب تقر”ولا عجب فحب الوطن من الإيمان.. -
وفاؤه لأمه :
فقد كان رسول الله صلي الله عليه وسلم وفياً لأمه فعن  أبي هريرة قال : زار النبي - صلى الله عليه وسلم - قبر أمه فبكى وأبكى من حوله ، فقال : " استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي ، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي ، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت " ( مسلم ).
وفاؤه لزوجاته :
 وفاء النبي لأهله قال رسول الله : "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي"(الترمذي في سننه، وصححه الألباني). وكان من كريم أخلاقه في تعامله مع أهله وزوجه أنه كان يُحسن إليهم ويرأف بهم ويتلطّف إليهم ويتودّد إليهم، فكان يمازح أهله ويلاطفهم ويداعبهم،وكان يقول : "أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا "(الترمذي عن أبي هريرةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ).
  وكان وفياً لأقاربه ، فلم ينس مواقف عمه أبي طالب من تربيته وهو في الثامنة من عمره ، ورعايته له ، فكان حريصاً على هدايته قبل موته ، ويستغفر له بعد موته حتى نهي عن ذلك
وفاؤه العظيم لزوجه خديجةَ - رضي الله عنها - كانت للسيدة "خديجة" منزلة خاصة في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي عاقلة، جليلة، دينه، مصونة، كريمة، من أهل الجنة، فقد أمر الله تعالى رسوله أن يبشرها في الجنة ببيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب.. وحتى بعد وفاتها...وزواج رسول الله من غيرها من امهات المؤمنين...لم تستطع أي واحدة منهن أن تزحزح " خديجة " عن مكانتها في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك الوفاء الذي لازَمه وأقام في فؤاده - فحفظ لخديجة رضي الله عنها مواقفها العظيمة ، وبذلها السخي ، وعقلها الراجح ، وتضحياتها المتعددة ، حتى إنه لم يتزوج عليها في حياتها ، وكان يذكرها بالخير بعد وفاتها ، ويصل أقرباءها ، ويحسن إلى صديقاتها ، وهذا كله وفاءاً لها رضي الله عنها . - ثم أظهَره وعبَّر عنه في مناسبات كثيرة، نذكر منها:
ما حدَث يوم بعَث أهل مكة في فداء أَسراهم، فبعثَتْ زينبُ - رضي الله عنها - بنتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في فداء أبي العاص (زوجها)، وبعثَتْ فيه بقِلادة لها كانت عند خديجة - رضي الله عنها - (أُمها)، أدخلتْها بها على أبي العاص، قالت: فلمَّا رآها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رقَّ لها رِقةً شديدة، وقال – صلي الله عليه  وسلم  -: "إن رأيتُم أن تُطلقوا لها أسيرها وتردُّوا عليها الذي لها"، فقالوا: نعم"(أبوداود).كان يذكر لخديجة مواقفها العظيمة، وذلك بعد موتها؛ حتى إنه كان ليَذبح الشاة، ثم يُهدي خُلَّتها منها"(البخاري).
وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كان تأتيه عجوز، فقال: "كيف أنتم؟ كيف حالُكم؟ كيف كنتم بعدنا؟"، فسألتُه: مَن هذه العجوز التي تُقبل عليها؟ قال:"كانت تأتي زمان خديجة ...، وإن حُسن العهد من الإيمان"(الحاكم). وقالت عائشة رضي الله عنها : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة فيحسن الثناء عليها، فذكر خديجة يوما من الأيام فأدركتني الغيرة , فقلت هل كانت إلا عجوزاً فأبدلك الله خيراً منها، فغضب حتى اهتز مقدم شعره من الغضب ثم قال:" لا والله ما أبدلني الله خيراً منها , آمنت بي حين كفر الناس , وصدقتني إذ كذبني الناس , و واستني بمالها إذ حرمني الناس , ورزقني منها الله الولد دون غيرها من النساء "ً...فقالت السيدة عائشة..رضي الله عنها.." يا رسول الله , اعف عنى , ولا تسمعني أذكر "خديجة" بعد هذا اليوم بشئ تكرهه "
وقبل ذلك , لم تكن السيدة عائشة تكف عن الكلام عنها..فقد قالت السيدة عائشة رضي الله عنها.." ما غرت على احد من نساء النبي  صلي اله عليه وسلم  ما غرت على خديجة . وما رأيتها , ولكن كان النبي  صلي الله عليه وسلم  : كأن لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة . فيقول : إنها كانت و كانت , وكان لي منها ولد..." وحتى في يوم فتح مكة , وقد مضى على وفاة "خديجة" أكثر من عشر سنين حافلة بأجل الأحداث , أختار رسول الله صلي الله عليه وسلم  مكاناً بجوار قبر السيدة "خديجة" أم المؤمنين الأولى , ليشرف منه على فتح مكة (ابن كثير ).
وفاؤه لعائشة :
وكان من شأنه أن يرقّق اسم عائشة -رضي الله عنها- كأن يقول لها: (يا عائشة، ويقول لها: (يا حميراء)، ويُكرمها بأن يناديها باسم أبيها بأن يقول لها:"يا ابنة الصديق ، وما ذلك إلا توددًا وتقربًا وتلطفًا إليها واحترامًا وتقديرًا لأهلها . وكان يعين أهله ويساعدهم في أمورهم ويكون في حاجتهم، وكانت عائشة تغتسل معه من إناءٍ واحد، فيقول لها: "دعي لي. وتقول له: دع لي"(مسلم). وعن الأسود قال: سألت عائشة ما كان النبي يصنع في بيته؟ قالت: "كان يكون في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة يتوضأ ويخرج إلى الصلاة"(البخاري). وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كان يخيط ثوبه، ويخصف نعله، ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم"(أحمد في مسنده، والبخاري في الأدب المفرد،  ).
وفاؤه لزوجته صفية بنت حيي بن أخطب:
وقعت السيدة صفية في سهم بعض المسلمين في غزوة خيبر فقال: أهل الرأي والمشورة: هذه سيدة بني قريظة لا تصلح إلا لرسول الله عليه الصلاة والسلام فعرضوا الأمر على الرسول فدعاها وخيرها بين أمرين: إما يعتقها ويتزوجها فتكون زوجة له أو أن يطلق سراحها فتلحق بأهلها فاختارت- رضي الله عنها- أن يعتقها وتكون زوجة له . فأسلمت على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكرمها رسول الله بعد أن أسلمت لجبر خاطرها في قتل أبيها وأخيها وزوجها وأنقذ شرفها من الأسر فقدمت إخلاصها وحبها لهذا النبي الأمين, فاوكل رسول الله صفيه إلى أم سليم تصنُعها له وتهيئُها وتعتد (تكمل العدة) في بيتها ".
وقد ذكر ابن سعد من طريق عطاء بن يسار, قال: "لما قدمت صفية من خيبر, أنزلت في بيت الحارث بن نعمان، فسمع نساء الأنصار, فجئن ينظرن إلى جمالها، وجاءت عائشة متنقبة، فلما خرجت, خرج النبي صلي الله عليه وسلم  على أثرها, فقال لها: كيف رأيت يا عائشة؟ قالت : رأيت يهودية، فقال صلي الله عليه وسلم : "لا تقول ذلك، فإنها أسلمت، وحسن إسلامها"
فمرة بلغها عن حفصة وعائشة كلام، فذكرت ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام، يعني آلمها قول حفصة وعائشة فيها، فقال عليه الصلاة والسلام: "ألا قلت لهما:" وكيف تكونان خيراً مني, وزوجي محمد، وأبي هارون، وعمي موسى؟ فنزل قول النبي صلي الله عليه وسلم  برداً وسلاماً على قلبها"
وكان لها من رسول الله صلى الله عليه وسلم رعاية خاصة, حيث يشعر بغربة صفية ، يعني بقية نساؤه قرشيات بين قومهن، أما هي فغريبة، ولأنها غريبة, فلها معاملة خاصة، ولها عطف خاص، ولها رعاية خاصة، وهذا أيضاً من حسن السياسة، ومن الحكمة في التعامل .
وفاؤه لأبنائه :
 كان صلي الله عليه وسلم باراً بأبنائه وبناته وفياً لهم رحيماً رفيقاً بهم فلم مات ابنه إبراهيم حمله وبكي ويسأله أحد الصحابة أتبكي يارسول الله فيقول :"إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون ولا نقول إلا ما يرضي الرب "(البخاري).
ومن شدة انتماء الرسول صلي الله عليه وسلم لأبنائه أنه زوج فاطمة لعلي وأوصاه بحسن صحبتها فعن حجر بن قيس قال : خطب علي رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فاطمة رضي الله عنها فقال : هي لك على أن تحسن صحبتها . وأخرجه البزار بلفظ : هي لك يا علي لست بدجال .
 ومعنى قوله لست بدجال : يدل على أنه قد كان وعده فقال : إني لا أخلف الوعد ) ( صحيح ) وكان يقول : "فاطمة بضعة مني يقبضني ما يقبضها ويبسطني ما يبسطها وإن الأنساب يوم القيامة تنقطع غير نسبي وسببي وصهري ". ( صحيح ) . وأخرجه البخاري مختصرا بلفظ : فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني .
ولما أراد علي أن يتزوج عليها من ابنة أبي جهل .. فصعد صلي الله عليه وسلم المنبر فحمد الله وأثني عليه ثم قال :” إن فاطمة بضعة مني وأنا أتخوف أن تفتن في دينها وإني لست أحرم حلالا ولا أحل حراما ولكن والله لا تجتمع ابنة رسول الله وابنة عم عدو الله مكانا واحدا أبدا – وفي رواية : عند رجل واحد أبدا” (صحيح ).
روى أبو إسحاق عن عائشة رضي الله عنها قالت :" لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم، بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلَّم في فداء أبي العاص بن الربيع بمالٍ، وبعثت فيه بقلادةٍ لها, كانت خديجة رضي الله عنها أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى بها، قالت: فلما رآها النبي عليه الصلاة والسلام رقَّ لها رِقَّةً شديدةً وبكى, وَقَالَ: إِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُطْلِقُوا لَهَا أَسِيرَهَا, وَتَرُدُّوا عَلَيْهَا الَّذِي لَهَا, فَقَالُوا: نَعَمْ"(أبوداود في سننه).
أي إذا شئتم, ترك أمر ابنته لأصحابه، ترك أمر فداء صهره لأصحابه، هذا منتهى التواضع، منتهى الشعور أنه واحدٌ من أصحابه، والرأي رأي الجميع، قال:"إِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُطْلِقُوا لَهَا أَسِيرَهَا, وَتَرُدُّوا عَلَيْهَا الَّذِي لَهَا, قالوا: نعم يا رسول الله، فأطلقوه, وردوا عليه الذي لها"
وكان عليه الصلاة والسلام قد أخذ عليه عهداً أن يُخَلِّي سبيل زينب إليه, لأنه هو كافر بقي على كفره، ونزل التشريع أنه لا يجوز لامرأةٍ مسلمة أن تكون تحت كافر, أخذ عليه العهد أن يخلي سبيل زينب إليه .
وفاؤه لأصحابه :
وكان من وفائه لأصحابه موقفه مع حاطب بن أبي بلتعة مع ما بدر منه حين أفشى سر الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام في أشد المواقف خطورة ، حيث كتب إلى قريش يخبرها بمقدم رسول الله وجيشه، فعفى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم ، وفاءاً لأهل بدر ، وقال : "إنه قد شهد بدراً ، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر ، فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"(البخاري و مسلم).  
وفاؤه صلي الله عليه وسلم لخدمه ومواليه  .
عن أنس قال: "خدمت النبي عشر سنين، والله ما قال أف قط، ولا قال لشيء لم فعلت كذا، وهلا فعلت كذا"( متفق عليه ). وعن عائشة -رضي الله تعالى- عنها قالت: (ما ضرب رسول الله خادمًا له، ولا امرأة، ولا ضرب بيده شيئًا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله"( مسلم).

الخطبة الثانية :
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي أشرف المرسلين .. أما بعد فيا جماعة الإسلام:   لازلنا بصد الحديث عن محمد الإنسان عن إنسانية محمد ووفائه فقد كان متسامحاً عفواً لا يقابل السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويصفح وهذا ما ميزه علي جميع البشر فلقد جاء وصف النبي صلي الله عليه وسلم في التوراة  عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلي الله عليه وسلم في التوراة، فقال: "أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا" وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يُقيم به الملة والعوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح به أعينًا عُميًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبًا غُلفًا"( البخاري).

وفاؤه صلي الله عليه وسلم مع الأعداء:
- ولم يقف وفاؤه صلي الله عليه وسلم عند حدود الآل والصَّحب، بل تجاوزَهم إلى الأعداء؛ كما ظهر ذلك في هذا الموقف الجليل الذي يَحكيه لنا حذيفةُ بن اليَمان - رضي الله عنه - قال: ما منَعني أن أشهد بدرًا، إلا أني خرجت أنا وأبي حُسيلٌ، قال: فأخَذَنا كفار قريش، قالوا: إنكم تريدون محمدًا، فقلنا: ما نريده، ما نريد إلا المدينة، فأخَذوا منا عهدَ الله وميثاقه، لنَنصَرِفَنَّ إلى المدينة ولا نُقاتل معه، فأتينا رسول الله صلي الله عليه وسلم فأخبرْناه الخبر، فقال: "انصَرفا، نَفي لهم بعهْدهم، ونستعين الله عليهم"(مسلم). انظر إلى هذا الخُلق العظيم، فالنبي صلي الله عليه وسلم مُقبل على حرب، ومعه القليل من الجند، وأحوج ما يكون إلى الرجال، إلا أنه يَلتزم بالوفاء بالعهد.  
وَمِنْ أَمثِلة وَفَاءِ النبيِّ صلي الله عليه وسلم  بالعهْدِ مَعَ الكَفَّارِ مَا جَاء فِي قصَّةِ الحديْبيةِ، وَفِي ذَلِكَ الصُّلْحِ الَّذي أبْرَمَه النبيُّ صلي الله عليه وسلم  مَعَ مَنْدُوبِ قُريْشٍ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرِو، وَكَانَ مِنْ بُنودِ هَذَا الصُّلْحِ أَنَّ أيَّ رَجُلٍ يأْتِي إِلَى النبيِّ صلي الله عليه وسلم  مِنْ قُريشٍ خِلالَ مُدَّةِ هَذَا الصُّلْحِ يَردُّه إِليْهِمْ وَإنْ كَانَ مُسْلمًا، وَبَينما هُمْ بِصَددِ كِتابةِ بَقيَّةِ بُنودِ هَذا الصُّلْحِ إِذْ جَاء أَبُو جَنْدَل بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو يَرْسُفُ فِي قُيودِه، قَدْ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ حَتَّى رَمى بنفْسِه بَينَ ظُهُورِ المسْلِمينَ. فَقَالَ سُهيلٌ: هَذَا يَا محمَّدُ أَوَّلُ مَا أُقَاضِيكَ عَلَيْهِ أَنْ تَردَّه إليَّ. فَقَال النبيُّ (صلى الله عليه وسلم): "إِنَّا لَمْ نَقْضِ الْكِتَابَ بَعْدُ" فَقَالَ: إِذًا لَا أُصالحُكَ عَلَى شيءٍ أَبدًا. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "فَأَجِزْهُ لِي" قَال: مَا أنا بِمُجِيزِه لَكَ. قَالَ النبيُّ صلي الله عليه وسلم  :"بَلَى فَافْعَل" قَالَ: مَا أَنَا بفَاعلٍ. فَجعلَ أَبُو جَنْدَلٍ يَصْرُخ بأعْلَى صَوْتِه: يَا مَعْشَر المسْلِمينَ! أأُردُّ إِلى المشْرِكينَ يفْتِنُونِي فِي دِيني وَقَدْ جئْتُ مُسْلِمًا؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم): "يَا أَبَا جَنْدَلٍ! اصْبِرْ وَاحْتَسِبْ، فَإِنَّ اللهَّ جَاعِلٌ لَكَ وَلِمنْ مَعَكَ مِن المسْتَضْعَفِينَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا، إِنَّا قَدْ عَقَدْنَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ صُلْحًا، وَأَعْطَيِنَاهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَأَعْطُونَا عَهْدَ اللهِ، فَلا نَغْدِرُ بِهِمْ" [رواه البخاريُّ]، وَكَذِلِكَ هَرَبَ أَبُو بَصِيرٍ وَهُوَ رَجلٌ مِنْ ثَقيفٍ حَليفٌ لقريْشٍ، فَذَهبَ إِلَى النَّبيِّ (صلى الله عليه وسلم), فأرْسلتْ قُريْشٌ فِي طلبِه رَجُليْنِ, فَرَدَّه النبيُّ صلي الله عليه وسلم  بمُوجب اتِّفاقِيَّةِ صُلحِ الحديْبيةِ. وَفِي هَذا دليلٌ عَلى كَمالِ وَفَاءِ النَّبِيِّ صلي الله عليه وسلم  واحْتِرامِه للعُهودِ والموَاثِيقِ، حَتَّى وَلَوْ كَانَ فِي ظَاهِرِ هَذَا العَهْدِ إِجْحَافٌ بحقِّ المسْلِمينَ.
وَمِنَ الأَدلَّةِ عَلَى وَفَاءِ النبيِّ صلي الله عليه وسلم  للكفَّارِ بِالعَهْدِ مَا رَواهُ البَرَاءُ أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لَما أَرادَ أَنْ يَعْتَمِرَ أَرْسَل إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ يَستأْذِنُهُمْ ليدْخُلَ مَكَّةَ، فاشْتَرطُوا عَليْهِ أَلَّا يُقِيمَ بِها إِلَّا ثَلَاثَ لَيالٍ، وَلَا يدْخُلَها إِلا بجُلُبَّانِ السِّلَاحِ، وَلَا يدْعُو منْهم أَحدًا.
قَالَ: فأخَذَ يكْتُبُ الشَّرطَ بَينَهُمْ عَليّ بْنُ أَبِي طالبٍ، فَكَتَبَ: هَذَا مَا قَاضَى عليْهِ محمدٌ رَسولُ اللهِ. فَقَالُوا: لَو علِمْنَا أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ لم نمْنَعْك وَلتابعْنَاك, ولكنِ اكْتُبْ: هَذَا ما قاضَى عَلَيْهِ محمدُ بْنُ عبدِاللهِ. فقالَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"أَنَا  واللهِ مُحمَّدُ بْنُ عبْدِاللهِ، وَأَنَاواللهِ – لَرَسُولُ اللهِ" فقال لعلي: "امْحُ رَسولُ اللهِ" فَقَالَ عليٌّ: واللهِ لا أَمْحاه أَبدًا.قَالَ: "فَأَرِنِيهِ" فَأراه إيَّاه، فمَحاه النبيُّ صلي الله عليه وسلم  بيدِه فلمَّا دَخَلَ ومضَتْ الأيامُ أَتوا عليًّا فقَالوا: مُرْ صاحِبك فلْيرْحَل، فذكر ذلِك عليٌّ لِرسُولِ اللهِ صلي الله عليه وسلم  فَقَالَ: "نَعَمْ" فَارْتَحل "(متفق عليه).
وَفِيه أَنَّ النبيَّ صلي الله عليه وسلم  وفَّى لهمْ بِما عاهَدهُمْ عَلَيْهِ وَلِمَ يَزِدْ عَلَى الثَّلاَثِ. وَقَالَ صلي الله عليه وسلم  مُحذِّرًا مِنَ الغَدْرِ وَعَدمِ الوَفاءِ بالوَعْدِ: "مَنْ أَمَّنَ رَجُلاً عَلَى نَفْسِهِ فَقَتَلَهُ، فَأَنَا بريءٌ مِنَ القَاتِلِ, وَإِنْ كَانَ المقْتُولُ كَافِرًا" ( النسائي ). وَقَالَ صلي الله عليه وسلم"مَا نَقَضَ قَوْمٌ العَهْدَ إِلَّا كَانَ الْقَتْلُ بَيْنَهُمْ" ( الحاكم).  وَاسْتعاذَ النبيُّ صلي الله عليه وسلم  مِنَ الخِيانَةِ وَهِيَ ضِدُّ الوَفَاءِ فَقَالَ: "... وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الخِيَانَةِ فَإِنَّها بِئْسَتِ البِطَانَةُ" ( أبوداود والنسائي ).  وَحرَّمَ النبيُّ صلي الله عليه وسلم  الغَدْرَ والخِيانَةَ فَقَالَ: "لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ القِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ" [متفق عليه]. وَبَيَّنَ صلي الله عليه وسلم  أَنَّه لَا يَنْقُض عَهْدًا فقالَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: "إِنِّي لَا أَخِيْسُ بِالْعَهْدِ"(أحمد وأبوداود ).
التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات