فقه الإسلام في التعامل مع المُسِنّين د/ عادل هندي




الحمد لله ربّ العالمين، الحمد لله حمدًا يليق بجلاله وكماله، الحمد لله حمدًا يرفع به قدرنا ويثبّت به أقدامنا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، هو عزّ كل ذليل، وهو قوّة كل ضعيف، وهو غوث كل ملهوف، وهو ناصر كل مظلوم، قال وقوله الحقّ: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا} [الإسراء: 70]، وأشهد أن سيّدنا وحبيبنا محمدًا عبدالله ورسوله، أعلى الناس خُلُقًا، وأرقّهم فؤادًا، وأرقاهم سلوكًا، وألطفهم عطاءً وكرمًا..
يا من هُديتم بالنبيّ محمدٍ  *** سيروا بهدي نَبِيّكُم تَعظِيما
وإذا سمِعتُم ذِكْرَه في مجلسٍ *** صلُّوا عليه وسلموا تسليمـا
اللهم صلّ وسلّم وزِد وبارك على نبيّنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعــد:
فلقد شاء الله تعالى أن يجعل رسالته لخلقه ملاذًا للحائرين، وهدايةً للضالّين، ورحمةً للعالمين.. قال تعالى في وصف رسالة نبيه وحبيبه المصطفى e: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، فرسالة الإسلام ترتقي بالإنسان روحًا ومعنى، تحضّ على مكارم الأخلاق وسمات الرقي الإنساني في الاعتناء بالإنسان -أيّ إنساناحترامًا وتقديرًا لشأنه.
ولقد شاءت إرادة الله كذلك في هذه الدنيا أن لا تبقى أحوال الإنسان على حالة واحدة ثابتة؛ فالصغير سيصبح شابًّا، والشاب سيصبح رجلاً، والرجلُ سيصبحُ كهلاً، هذا إنْ أرادَ لهم الله طول العمر، وطول الحياة، وكل مرحلة من مراحل الحياة لها خصوصيتها، وميزاتها، وهي بحاجة إلى معاملة خاصة، وتحديدًا مرحلة الشيخوخة.... ولقد اهتمّ الإسلام اهتمامًا بالغًا بمرحلة الشيخوخة (الضعف والشيبة).. كما قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ} [الروم: 54].. فتعالوْا بنا لنقف مع (فقه الإسلام في التعامل مع المسنين)، عبر العناصر التالية:
أولالماذا الحديث عن المُسنين؟
ثانيًامن مظاهر عناية الإسلام بالمسنين.
ثالثًاكيف نوظف طاقات المسنين في الواقع المُعاصِر؟
أولا: لماذا الحديث عن المسنين؟
تنبع أهمية الحديث عن تلك المرحلة العمرية من حياة الإنسان من عِظم الدوْر الذي بذله الإنسان في شبابه خدمة لدينه ووطنه وأمّته ونفسه والناسِ مِن حوله.. ولذا يأتي الحديث عن تلك المرحلة للأسباب التالية:
1.   لأن المسنّين قوة الماضي وحكمة الحاضر، وهم جزء أصيل من نسيج المجتمع الإنساني.
2.   لأنّ وجودهم في حياتنا سبب من أسباب استجابة الدّعاء؛ فقد ورد في الحديثالذي أخرجه البخاري في صحيحه عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَرَأَى سَعْدٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ لَهُ فَضْلًا عَلَى مَنْ دُونَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلا بِضُعَفَائِكُمْ».
3.   لأنّ الاعتناء بهم سبب من أسباب تفريج الكروب لا سيما الأبوين؛ فقد ورد في حديث الثلاثة الذين آووا إلى الغار، وفيهم واحد منهم دعا الله فقال: ((اللَّهُمَّ إِنِّي كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَرْعَى، ثُمَّ أَجِيءُ فَأَحْلُبُ فَأَجِيءُ بِالحِلاَبِ، فَآتِي بِهِ أَبَوَيَّ فَيَشْرَبَانِ، ثُمَّ أَسْقِي الصِّبْيَةَ وَأَهْلِي وَامْرَأَتِي، فَاحْتَبَسْتُ لَيْلَةً، فَجِئْتُ فَإِذَا هُمَا نَائِمَانِ، قَالَفَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُمَا، وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمَا، حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ عَنَّا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، قَالَفَفُرِجَ عَنْهُمْ)) فمجرد العناية بالكبار الأكابر يضمن النجاة من الكروب والشدائد.
4.   تنفيذًا لأمر الرسول e الذي أمرَ فيه بإجلال ذي الشيبة المسلم؛ ففي الحديث الذي أخرجه أبو داود في سُننه من حديث أبي موسى الأشعري قالقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إن من إجلالِ الله إكرامَ ذي الشيبَةِ المسلمِ، وحاملِ القُرآنِ غيرِ الغالي فيه والجافي عنه، وإكرَامَ ذي السُّلطَانِ المُقْسِطِ)). فإكرامهم دليل على إجلال الله ذاته.... وقد تميّزت حضارتنا بنماذج وقصص لإكرام ورعاية المسنين من المسلمين وغير المسلمين، مما يزيدنا افتخارًا بالانتساب لهذا الدين العظيم وحضارته الراقية.
5.   لأنّ المقصّر في حقّهم منفيّ عنه كمال الإيمان؛ فقد ورد في الحديث: ((لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا , وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا , وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ)) فنفي النسبة إلى الأُمّة نفي لكمال الإيمان الذي تميّز به أتباع النبي محمد المخلصين الصادقين.
6.   لكثرة العقوق الواقع ضدّهم من قِبَل أبنائهم والمجتمع، ومعلوم خطورة العقوق على الإنسان في الدنيا والآخرة،، بينما أمر الله تعالى بالبر والإحسان إليهم، وأكّد على ذلك حتمًا عند كبر السنّ، كما قال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 23، 24].. ومن هنا يظهر أهمية حديثنا اليوم عن المسنّين، ومظاهر رعاية الإسلام والاعتناء بهم..
%%%

ثانيًا: من مظاهر عناية الإسلام بالمُسِنّين:
لقد جاءت شرائع الإسلام متناسبة متناسقة مع الإنسان كإنسان؛ ففي كل تشريع رحمة، وفي كل أمر عناية وحماية، وفي كل نهي حكمة وحراسة.. ولم لا؟ وكتاب ربنا يسطّر القانون الإلهي العظيم: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]. ومن هنا فقد تعدَّدت مظاهر الاعتناء بالمسنين كشريحة مجتمعية تعيش بيننا ونعيش معهم في هذه الحياة، ومن بين تلك المظاهر ما يأتي:
1.   الإجلال والتقدير للمُسِن الكبير (مسلمًا أو غير مسلمٍ)؛ فقد وردت توجيهات كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلّم في هذه النقطة خاصة؛ ومن بينها ما ورد في قوله: ((أَمَرَنِي جِبْرِيلُ أَنْ أُقَدِّمَ الْأَكَابِرَ)) وفي حديث آخر يقول: ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُوَقِّرِ الْكَبِيرَ وَيَرْحَمِ الصَّغِيرَ وَيَأْمُر بِالْمَعْرُوفِ وينه عَن الْمُنكر))..
*      وفي موقف تطبيقي عجيب يظهر لنا مدى الاحترام والتقدير الذي تعامل به الرسول القدوة مع المسنين؛ ففي السّنّة -كما عند أحمد في مسندهأنّه لَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ، وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، أَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ بِأَبِيهِ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «هَلَّا تَرَكْتَ الشَّيْخَ فِي بَيْتِهِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا آتِيهِ فِيهِ» . قَالَ أَبُو بَكْرٍيَا رَسُولَ اللَّهِ، هُوَ أَحَقُّ أَنْ يَمْشِيَ إِلَيْكَ مِنْ أَنْ تَمْشِيَ أَنْتَ إِلَيْهِ، قَالَفَأَجْلَسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ مَسَحَ صَدْرَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: «أَسْلِمْ».. فَأَسْلَم... والشّاهِـد أنّ النبي قال لأبي بكر: (هلّا تركت الشيخ في بيته وأنا آتيهوهذا من باب الإجلال للكبير والمُسِنّ.
2.   اعتبار القيام بحق الأبوين -الطاعنين في السن- جهادًا؛ وأنه باب من أبواب الخير والبر والإحسان؛ وقد ثبت عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ -رضي الله عنهقَالَ: (مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلمرَجُلٌ، فَرَأَى أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم - مِنْ جَلَدِهِ وَنَشَاطِهِ مَا أَعْجَبَهُمْ، فَقَالُوايَا رَسُولَ اللهِ , لَوْ كَانَ هَذَا فِي سَبِيلِ اللهِ؟) (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-:  وَمَا سَبِيلُ اللهِ إِلَّا مَنْ قَتَلَ؟)  (إِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى وَلَدِهِ صِغَارًافَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِفَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَإِنْ كَانَ يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ يُعِفُّهَا , فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى رِيَاءً وَتَفَاخُرًا , فَهُوَ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ).. وقد اعتبر الإسلام أن برّ الوالدين من أفضل العبادات بعد أداء الصلوات على أوقاتها.
بل واعتبار أنّ إكرام صديقهما بعد موتهما، أو إنفاذ عهدهما، أو صلة الرحم التي لا توصل إلا بهما هو من الدين والبرّ الواجب لهما بعد الموت؛ حيث لا تنقطع علاقة الابن بأبيه بمجرد الموت، ولا تُبتَر الصلة بمغادرة الحياة أبدًا فكما في الحديث الذي أخرجه ابن ماجه في سننه، والحاكم في المستدرك من حديث أبي أُسَيْدٍ مَالِكَ بْنَ رَبِيعَةَ السَّاعِدِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالبَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ فَقَالَيَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِمَا؟ قَالَ: «نَعَمُ، الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا وَإِنْفَاذُ عُهُودِهِمَا وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّذِي لَا رَحِمَ لَكَ إِلَّا مِنْ قِبَلِهِمَا»..
3.   الإحسان إلى المسنين وتقديم العون والمساعدة لهم حتى لو انعدمت الصلةفإن الإسلام يخاطب الإنسان باعتبار ضميره المكنون، وفطرته المركوزة في نفسه فيوجهه إلى الخير ويصـرفه عن الشـّر، ويربط ذلك بالثواب من الله والمنفعة الأخروية، فكما ثبت عن النبي الحبيب (كُلّ معروف صدقةوفي رواية: ((صَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السَّوْءِ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي الْعُمْرِوَكُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ، وَأَهْلُ الْمَعْرُوفِ فِي الدُّنْيَا , هُمْ أَهْلُ الْمَعْرُوفِ فِي الْآخِرَةِ،  وَأَهْلُ الْمُنْكَرِ فِي الدُّنْيَاهُمْ أَهْلُ الْمُنْكَرِ فِي الْآخِرَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَهْلُ الْمَعْرُوفِ)).. ولذا فقد تبع الخلفاء الراشدون والأمراء y رسولَ الله e في الاهتمام والإجلال للكبير المُسِن؛ فمثلا كان أبو بكر t يتعاقب على امرأة عجوز في المدينة يقوم بخدمتها ومعاونتها والوقوف بجوارها في حاجاتها، وكذا عمر بن الخطاب قد أجلَّ وأكرمَ رجلا مُسِنًّا من أهل الكتاب؛ رفع عنه الجزية التي يدفعها كرامةً لسِنِّهوقد ثبت أن أبا بكر وعمر بُعَيْدَ وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلّمقد ذهبَا لزيارة أمّ أيمن -كبيرة السنّإكرامًا لها ووفاء بالرسول الحبيب.
4.   مراعاة المشاعر النفسية لكبير السنّفالإنسان الكبير في السن هو إنسانٌ تزداد حساسية نفسه، وقد تؤذي مشاعره أية كلمة قد يقولها له الشخص ولا يُلقي لها بالاً، لذلك تجب مراعاة مشاعرهم من خلال كلامنا معهم، وعدم تذكيرهم دائماً بكبرهم، أوْ ضعفِهم، وبأن المنيّة قد اقتربت، بل يجب دائماً تحفيزهم، ودعمهم معنوياً، حتى يعيشوا كل لحظة من حياتهم بسعادة وراحة بال؛ فقد ورد في الحديث أنّ النبي ذهب لزيارة رجلٍ كبُر سنّه ورقّ عظمه واشتدت به الحمّى، ودعا له بالشفاء والعافية، غير أنّ الرجل بنظرته السوداوية آثر الهلكة المعنوية والمادية على السّواءففي صحيح البخاري من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَاأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِيٍّ يَعُودُهُ، قَالَوَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ عَلَى مَرِيضٍ يَعُودُهُ قَالَ: «لاَ بَأْسَ، طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» فَقَالَ لَهُ: «لاَ بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» قَالَقُلْتُطَهُورٌ؟ كَلَّا، بَلْ هِيَ حُمَّى تَفُورُ، أَوْ تَثُورُ، عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ، تُزِيرُهُ القُبُورَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَنَعَمْ إِذًا».... وكما حدث بين الرسول e وعتبة بن ربيعة وكان شيخًا كبيرًا في السّن، ورغم أنّه جاء ليساوم النبي أوّل الدعوة على دينه الذي جاء به، إلا أنّ النبي استمع له، واحترم سنّه، وقال له: (أفرغت يا أبا الوليد) وفي رواية: (أفرغت يا عمّ)؟.. وبسبب أدب الرسول معه ومراعاة المشاعر له، خرج وليس في قلبه ويقينه إلا أنّ النبيّ صادق فيما يقول وينقله عن ربّه.
5.   الترخيص التشريعي بالتخفيف عن المسنين في أمور العباداتكمثل توجيه الأئمة إلى تخفيف الصلوات لوجود كبار السن؛ ففي الحديث كما عند البخاري: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ، فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ مِنْهُمُ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالكَبِيرَ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ».. والمقصود أن يتخفف بلا خلل في الصلاة وأركانها والاطمئنان فيها... وكمثل الترخيص لهم بالفطر في رمضان أو عند صيام الفريضة لكبر السنّ، كما قال الله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184]، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي هذه الآية  يُطِيقُونَهُيُكَلَّفُونَهُ، فِدْيَةٌطَعَامُ مِسْكِينٍ وَاحِدٍ، فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا طَعَامُ مِسْكِينٍ آخَرَ لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ، وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ، ((لَا يُرَخَّصُ فِي هَذَا إِلَّا لِلَّذِي لَا يُطِيقُ الصِّيَامَ أَوْ مَرِيضٍ لَا يُشْفَى)).. وكمثل الرّخصة في الحج من جواز وكالة أحد يرمي عنهم الجمرات أو يبيت عنهم وفقًا لما قررته الشريعة من أنّ (المشقّة تجلب التيسير). وكل ذلك تحقيقًا للمقصد الشـرعي الذي عناه الله U بقوله: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْـرَ} [البقرة: 185]، وقوله تعالى: { يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28].
6.   الدعوة إلى حسن الأدب والذوق الإنساني مع المسنينفقد ورد في السنّة ما يبين ذلك في مواطن متعددة، ومن بين الآداب الإنسانية التي تأكّدت في السنّة والسيرة، ما يأتي:
*      القيام له عند الدخول أو الخروج، لا سيما إن كان عالمًا أو فقهيًا.
*      مبادرة المُسِنّ بالتحية والسّلام والمصافحة؛ ترحيبًا وإِشعارًا له بالأهمية والتقدير..
*      التوسعة في المجلس وعند ركوب الدابة لكبير السنّ؛ ففي الحديث: (لَا يُوَسَّعُ الْمَجْلِسُ إِلَّا لِثَلَاثَةٍلِذِي عِلْمٍ لِعِلْمِهِ، وَلِذِي سِنٍّ لِسِنِّهِ، وَلِذِي سُلْطَانٍ لِسُلْطَانِهِ).
*      رفع الروح المعنوية لديه وذلك بحسن استقباله والترحيب به والدعاء له وإظهار البِشْـر بقدومه والتبسم في وجهه فهذا يشعره بالحب والفرحة به، وأنه غير مكروه في مجتمعه.
*      الاستفادة من خبراته والاستماع إلى ماضيه وذكرياته وخبراته السابقة؛ تقديرًا لشأنِه.
*      تطييب نفوسهم عند الحزن والأسف على شيء يمرّون به في حياتهم.
وقد لخّص الإمام أبو هريرة t ما يراه مناسبًا للتعامل مع الأب كبير السنّ وكذا كبار السن عمومًا، فقد ورد في الحديث الموقوف على أبي هريرة قوله: ((لا تَمْشِ قُدَّامَ أَبِيكَ، وَلا تَجْلِسْ قَبْلَهُ، وَلا تَدْعُوهُ بِاسْمِهِ، وَلا تَسُبَّ لَهُ وَلا تَسْتَبَّ))
%%%


ثالثًا: كيف نوظِّف طاقات المُسِنّين في الواقع المُعاصِر؟
إنّ الإسلام -أيها الإخوة- لا يعرف ما يسمى بسنّ التقاعد؛ فليس في الدين ما يثبت إباحة تقاعد المرء عن العمل، وقد ورد في الحديثعند أحمد وغيره: «إِنْ قَامَتْ عَلَى أَحَدِكُمُ الْقِيَامَةُ، وَفِي يَدِهِ فَسِيلَةٌ فَلْيَغْرِسْهَا» وفي هذا الحديث ما يدلّل وبقوّة على أهمية العمل إلى آخر لحظة من الحياة، سواء عند الصغر أو الكبر.. وكبير السّنّ المؤمن له مكانته عند الله، ولا يُزاد في عُمُرِه إلا كان له خيرًا بإذن الله.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن:
كيف نوظف طاقة المُسِن مع كِبَر السنّ بما يخدم دينه ووطنه وأمته؟؟
وللإجابة نقول -وبالله التوفيق-:
مما لا شكّ فيه أنّه مع كبر سنّ الإنسان ربما يعجز قليلا عن الحركة البدنية أو ربما يعجز عن العطاء البدني بالحركة الدؤوب، وتلك سنة الله تعالى في خلقه؛ فليس من شيء يبقى على حاله من العطاء والقدرة؛ وهي مرحلة الضعف والشيبة كما عبّر القرآن عن ذلك في سورة الروم، غير أنه لا يُعدم منه الاستفادة الفكرية والاجتماعية وذلك على النحو التالي:
1.     ملء أوقات فراغه؛ وذلك عن طريق تقوية روابطه الاجتماعية أو توظيفه في عمل يقدر عليه -ولا يشترط القدرة البدنية؛ بل ربما تكون طاقته الفكرية والذهنية أرغب وأقوىبحكم خبراته السابقةفعمل المرء عزّة وعفّة وإيناس وكرامة؛ قال تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ[التوبة: 105].
2.   ضرورة الاستفادة من خبرات المسنين وتجاربهم والتي تمثل رصيداً لا ينبغي إهماله؛ نظرًا لأن بعض المجتمعات تولي اهتماماً بالشباب والأطفال دون الالتفات إلى المسنين ما يؤدي إلى خسارة ميراث اجتماعي قيم. يقول لقمان لابنه في بعض وصاياه: ((يا بُنيَّ شاور من جربَ الأمور، فإنّه يعطيكَ من رأيهِ ما قامَ عليهِ بالغلاء، وأنتَ تأخذهُ بالمجَّان)).
3.   ضرورة توعية كبار السن بطبيعة العصر الذي يعيشونه وما جدَّ فيه من معارف وتطورات حتى لا يقع الشباب في صراع أجيال مع المسنين.
4.   مساعدة المسن على المشاركة الاجتماعية وحضور المناسبات والعزائم والتكيف مع وضعه الجديد،،، ويتمثّل ذلك في إشغاله فيما ينفعه من أمور دنياه وآخرته إما بتكوين علاقات جديدة وصداقات أخرى مع أنداده في السن، أو متابعة أنشطة وخدمات اجتماعية، أو المشاركة في حلقات تحفيظ لكبار السن وقراءة القرآن وملازمة المساجد والجماعة.
5.   توجيهه إلى عمل صدقات جارية من ماله الخاص، أو على الأقل المشاركة في أعمال خدمية واجتماعية ولو بالإدارة والتوجيه ونقل الخبرات؛ مستذكرًا حديث النبيّ صلى الله عليه وسلّم: ((إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍمِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، وَعِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، وَوَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ)).. وما ذاك إلا ليشعر بقيمته في المجتمع، وأنّ له قيمة حقيقية.
هكذا أيها الإخوة يظهر لنا مدى عناية الإسلام ورحمته بالإنسان مع اختلاف مراحل عُمُره، وتتأكّد عنايته بالضعيف من الناس، صغُر أو كبُر، مع حُسْن توظيف طاقاته فيما يرضي الله تعالى..
وأقول أخيرًا للشباب والفتيات والأبناء والبنات: لنعمل عند التعامل مع كبار السّنّ من الناس (قربت صلته بنا أم بعدتقانون (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان).. سيأتي علينا يوم وسنكون مثل كبار السن -إن قدَّرَ الله لنا الحياةوقد ثبت في بعض الروايات فيما روي عند الطبراني والبيهقي والترمذي بسند فيه ضعف-:  ((مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا لِسِنِّهِ إِلَّا قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ عِنْدَ سِنِّهِ))..
كما أقول لِدُعَاتِنَا ومشايخنا: استخدموا الأسلوب الأمثل في مخاطبة كبار السنّ من التوجيه والإرشاد لهم، بأسلوب الجذب والاحتواء، والإفادة بالمعلومات، والرحمة عند معالجة الأخطاء مهما كانت...
&&&
وأسأل الله تعالى أن يحفظ أطفالنا وشبابنا وشيوخنا من كل سوء ومكروه
كما أسأله جلّ في عُلاه أن يوفقنا لمحبته نيل رحماته
كما نلجأ إليه ضارعين أن يحفظ بلادنا من كل سوء   
وأسأله جلّ شأنه أن يُبارِك فيمن أراد الخير للناس في كل مكان
&&&
التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات