الرسول الإنسان صلى الله عليه وسلم د/ عادل هندي








الحمد لله الهادي إلى سواء السبيل، الحمد لله الذي هدانا للإسلام وما كنّا لنهتدِيَ لولا أن هدانا الله، والصلاة والسّلام على من كانت رسالته رحمة للعالمين، صفي القلب، طيب الفؤاد، كريم المنشأ، عظيم الخُلُق، أرقى الناس نفسًا، وأرقهم فؤادًا، وأحسنهم سمتًا وسلوكًا، قال عنه ربّنا في قرآنه المجيد: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} كما زكّى رسالته بقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} فاللهم صلّ وسلّم وزِد وبارِك على رسولنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعـد:
فلقد منّ الله تعالى على المؤمنين -بل على الإنسانية كلها- برسول الله محمد -صلى الله عليه وسلّم-؛ حيث أراد الله تعالى أن يعيد للإنسانية رونقها، وللحياة لذّتها، وللدنيا نورها، قال تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128].
 وقد كانت -ولا تزال وستظلّ- إنسانية الرسول الحبيب مثالاً يُحتذى، ونموذجًا يُقتدَى، فقد أبهرت إنسانيته العدو قبل الصديق، وشهد له الغريب قبل القريب بالعظمة والكمال..
فهذا مايكل هَارت -الفيلسوف الأمريكي- يكتب كتابه (المائــــة) وهو يرتّب أعظم مائة شخصية مؤثّرة في التاريخ، وقد جعل الرسول أول هؤلاء؛ لماذا؟ لأنّه كما قال: أعظم إنسان تميز على المستوى الديني والدنيوي، له تأثير عميق، اتسع أمده، وعمق أثره وسعته.
ولم لا؟ وقد أدّبه وربّاه ربّه واصطنعه على عينه -جلّ وعلا-، وتمّم بحبيبه الرسالات، وأكمل به الأخلاق والإنسانية الراقية، يقول النبيّ الحبيب عن نفسه: «بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ حُسْنَ الأََخْلاَقِ»، فهو نبيّ الأخلاق، ورسول الرحمة، وصاحب الإنسانية الراقية..
أولا: القرآن الكريم كتاب الإنسانية:
إن كتاب الله تعالى المجيد ليس مجرد كتاب يقرأه المسلمون في المناسبات والمواسم أو للاختبارات؛ بل هو منهج حياة المسلمين، ومنبع حضارتهم، ودليل إنسانيتهم، وسمت إسلامهم كله؛ ففيه العقيدة، وبه التشريعات، وبين ثنايا آياته الحكيمة تجد أخلاقًا وسماتٍ وسلوكيات راقية تجلب النفع للبشرية جمعاء، فضلاً عن المسلمين.
فهو الكتاب الحقّ الذي ورد فيه ذكر «الناس» قرابة 340 مرة، وذُكر فيها «الإنسان» أكثر من 60 مرة،  ووردت فيه كلمة «البشر» بألفاظ مختلفة قرابة 37 مرة، وهناك سورة في القرآن اسمها ((الإنسان)).. ألا يدلّ هذا الذكر الحكيم على اهتمام القرآن الكريم بالإنسانية..
والإنسانية فيه تعني:
1.   ذلك السلوك القائم على احترام قيمة الإنسان وكرامته، مهما كان دينه ومعتقده ولونه وعِرقه، قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70].
2.   الأدب واللطف والرفق والرحمة والأخلاق الحميدة، التي تحتوي على معاني التراحم والتلاطف والتعاون والتآخي الإنساني والنصرة والنجدة للآخرين، قال تعالى في وصف كمال نبيّه: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159].
3.   كما تعني التعايش السلمي المشترك بين أبناء المجتمع، إنه دعوة عالمية للتعارف والتآخي العام، حيث يقول المولى الكريم: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} [الحجرات: 13].

ثانيًا: من جوانب الإنسانية في حياة الرسول -صلى الله عليه وسلّم-:
لقد تعددت ملامح مزايا الرسول الكريم في جوانب التعاملات المختلفة، حتى تعدّت حدود البشر إلى عالم الحيوان والنبات والجماد، ولم لا.. وقد جعل الله تعالى رسالته رحمة لجميع العوالم -قال الحق: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]-، فهيا بنا لنقف وقفات متواضعة مع حياته -عليه الصلاة والسلام- لنرى جزءًا ونزرًا يسيرًا من جوانب إنسانيته؛ لعلّنا نتخلق ونحيا على سنته ونقتدي بسيرته، وذلك على النحو التالي:
الصورة الأولى: إنسانيته -صلى الله عليه وسلّم- مع أهل بيته:
لقد وصف الله -تعالى- نبيه في محكم تنزيله بأنه «بالمؤمنين رءوف رحيم»، فقال عنه: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128].. وهذا نبينا بشر لكنه أكمل البشر.
ومن المعلوم أنه إذا أراد الإنسان أن يعرف طبع إنسان -على وجه الحقيقة- فلينظر في حاله مع أهله، وها هو الرسول -عليه الصّلاة والسّلام- يصف نفسه في هذا الجانب بقوله، -فيما رواه ابن ماجه والترمذي بإسناد صحيح- عنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي»..  ولننظر إلى شأن إنسانيته مع أهله، فنراه:
1.   كان في مهنة أهله؛ يصعد للسماء السابعة ثم يعود ليخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويحلبُ شاته، ويساعد أهله في البيت في الطعام والشراب.
2.   كان ضحّاكًا بسّامًا، يضاحكهم ويلاعبهم ويسابقهم ويتودّد إليهم، ويصرّح بحبه لزوجاته، كما كان من شأنه مع أم المؤمنين عائشة.
3.   كان وفيًّا وإنسانًا عظيمًا في هذه الجزئية، فقد يفي الإنسان لزوجه في حال الحياة، لكن أن يكون وفيًّا في الحياة وبعد الممات فتلك قمّة الإنسانيّة؛ كما كان -صلى الله عليه وسلّم- مع أم المؤمنين خديجة، وقد صرّح بحبّها وأن الله لم يرزقها خيرًا منها، وأنّه رُزِق حبّها، وكان يُهدي أهلها مما يذبح، ويكرم هالة أختها...
الصورة الثانية: إنسانيته -صلى الله عليه وسلّم- مع الخادِم:
ورغم أنّ السيد مع خادمه -عادة- ما يرفع رأسه؛ بطبيعة جوّ الخدمة والأخذ والردّ، إلا أنّ الرّحمة المهداة ما كان كذلك، بل كان يدعو نظريًّا إلى إكرام الخدم والإحسان إليهم، وتطبيقيًا بتطبيق ذلك على نفسه، ولندع الفرصة الآن لأحد هؤلاء الأكارم من أصحاب النبيّ، وكان خادمه لمدة عشر سنين، فكما في الحديث عند البخاري ومسلم، من حديث أَنَسٍ، قَالَ: «خَدَمْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِسْعَ سِنِينَ، فَمَا أَعْلَمُهُ قَالَ لِي قَطُّ: لِمَ فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ وَلَا عَابَ عَلَيَّ شَيْئًا قَطُّ»..
ألا ما أعظمك يا رسول الله!! ألا ما أرقّ فؤادك!! ألا ما أنقاك وأرقاك وأجلّك!!
وحقًّا لو عرفوك لأحبوك!!
الصورة الثالثة: إنسانيته -صلى الله عليه وسلّم- في صناعة المعروف:
تعالوْا بنا الآن لنعود إلى اللحظات الأولى لنزول الوحي على الرسول الحبيب؛ فحين جاءه جبريل الملَك الكريم، على صورته الحقيقية في غار حراء، وتحدّث إلى النبي في حواره البديع المعلّم، وقال له: (اقرأ)، وعاد خائفًا إلى زوجه الحنون خديجة، وقال: إني أخشى على نفسي، فإذا بها تزيده طمأنينة فتقول له: «كَلَّا، أَبْشِرْ فَوَاللَّهِ لاَ يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، فَوَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ» [رواه البخاري ومسلم] وما ذكرته أمّ المؤمنين خديجة -رضي الله عنها-، ما هو إلا صورة مصغرة لإنسانيته -وهو قبل البعثة- وزادت تلك الإنسانية ورقيت درجات العلى بعد البعثة الشريفة.
ولعلك تعجب حين تتأمل في مقدمة سورة العلق، -التي كانت أول ما نزل من القرآن الكريم- أن كلمة (الإنسان) وردت ثلاث مرات؛ للتدليل على قيمة الإنسانية، قال تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6)} [العلق: 1 - 6].
الصورة الرابعة: إنسانيته -صلى الله عليه وسلّم- في نُصرة المظلوم:
لم يكن رسول الله يومًأ ليتباطأ -حاشاه- عن نصرة إنسان أراد النّصرة والنجدة، ولو كان غير مسلم، إنه إنسان، وبنيان الله تعالى (الإنسان) لا يصح أن تسلمه لغيره أو أن تخذله في موطن يحب فيه النصرة والنجدة وصرف الهمّ عنه..
ها هو عربيّ يستنجد بأي أحد ينصره ويأتي له بماله من العاص بن وائل، فلا يتحرّك لها أحد، هل عقم العرب أن يخرجوا رجلا إنسانًا، ما عقم العرب!! فلقد اجتمع كبار القوم في دار «عبدالله بن جُدعان» فيما عُرف في السير بـــ «حِلف الفُضول»، وتحالفوا على نصرة المظلوم، ويحضر معهم الرسول،؛ نصرة لذاك المظلوم، إنه إنسان، ويوم أن هاجر النبيّ إلى المدينة، أخذ يحدّث بخبر هذا الحلف، فيقول: «لقد دعيت في الجاهلية إلى حلف عبدالله بن جدعان، لو دعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت».. إنها الإنسانية التي يفتقدها العالم المدعي للمدنية والتحضّر في العصر الحديث..
وفي يوم آخر يأتي رجل يستنجد بمن يُعيدُ له مالَهُ من عند أبي جهل -فرعون هذه الأُمّة- وبعثه المشركون إلى الرسول؛ ليشمتوا ويشاهدوا موقفًا من الإيذاء للرسول، لكن يذهب الرسول مع الرجل، ويوقع الله تعالى الرعب والخوف في نفس الفرعون، ويأتي بالمال للرجل، ويتعجب القوم، لكنها الحقيقة يا سادة: أنّ من فرّج عن الناس الشدائد وقضى لهم الحوائج فرّج الله عنه، وعصمه من شر ما يجد، فكما قال أحد الصالحين: «من مشى في حاجة أخيه جبرًا للخاطر، نال معية الله في المخاطِر»..

الصورة الخامسة: إنسانيته -صلى الله عليه وسلّم- في التعامل مع المخطئين والعُصاة والمذنبين:
يظهر معدن الشخص الناجح في حُسْن علاقاته بالناس، ليس فقط فيمن يؤيدونه أو يسمعون كلامه؛ بل تظهر شخصيته على وجه الحقيقة مع المخطئ والمُذْنب...
وقد تكررت أحداث كثيرة في حياة الرسول لأناسٍ وقعت منهم أخطاء، لكنه كان إنسانًا راقيًا سمحًا عند علاج أخطائهم، ولننظر في هذه النماذج الرائعة من حياته الرقراقة:
1.   حنوه على الشاب الذي أراد الزنا، وكاد الصحابة أن يفتكوا به، غير أنه -صلى الله عليه وسلّم- قال لهم: دعوه لي!! وتحدّث معه بحكمة وأدب، واستخدم جزءًا من طبيعة البيئة العربية (الشهامة والنّخوة) ثم دعا له، وخرج الشاب وليس أكره إلى قلبه من الزّنا.
2.   رفقه بالرجل الذي بال في المسجد، أعرابيّ لا يعرف عن طبيعة المدنيّة شيئًا، وأراد الصحابة -كتلاميذ بين يدي أستاذهم- أن يقطعوا عليه بَوْلَتَه، غير أن الأستاذ الأجلّ، والمعلّم الأعظم قال لهم: دعوه، وأريقوا عليه سجلا من ماء، ثم نصحه برحمة وإنسانية راقية، جعلت الرجل -من الطريف- يرفع يديه إلى السماء، ويدعو: اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدًا، وردّ عليه الرسول: «لا تحجّر واسعًا، وقل: اللهم ارحمني وأمّة محمد»..
3.   وفي مثال إنساني رائع للغاية: حين وجّه طاقة (سلمة) الشاب المسلم حديثًا يوم الفتح، حيث استهزأ من الأذان وبلال يصدح به عند الكعبة، فبلغ الأمرُ النبيَّ -صلى الله عليه وسلّم- فاستدعاه، وأيقن الشاب أنه هالك لا محالة، فإذا برسول الله يستقبله استقبالا حانيًا، ثم يستوجبه استجواب الهادي، فيقول: بلغني يا سلمة أنك حسن الصوت!! فقال الغلام: نعم يا رسول الله، فقال الحبيب: هل لك أن أُعَلِّمَك الأذان؟ فرد الشاب متعجبًا: أوَ تفعل يا رسول الله؟ قال: نعم، وفعلا صار سلمة مؤذن أهل مكة بعد عودة النبي وبلال إلى المدينة بعد الفتح...
4.   ومثال متكرر من حياته وهو ينصح المخطئ والعاصي، تجده -عليه الصلاة والسلام- وهو النبي الإنسان، ينادي فيقول: «ما بال أقوام»، دون أن يجرح أو يفضح، ويا ليت دعاة العصر يتعلّمون!!
الصورة السادسة: إنسانيته -صلى الله عليه وسلّم- في التعامل مع الأعداء والأسرى:
قد تظهر في علاقة الإنسان بعدوه كل المساوئ في الأخلاق؛ وتلك أمور طبيعية في نفوس بشرية، غير أن صاحب النفس الشافية الراقية -رسول الله- لم يتعرّض لهذه المشاعر القاسية قلبه؛ بل كان أرحم الناس بأعدائه إذا فهموا أو حلموا، وما كان له لينتقم إلا ممن آذى الله تعالى وتعرّض لشرعه، أمّا نفسه فكان عفوًا كريمًا، وتلك أمثلة واضحة على إنسانيته حين التعامل مع الأعداء وفي المعارك والغزوات، ومن تلك المواقف ما يأتي:
1.   إنسانيته يوم الطائف -وقد عُذّب وتسفه القوم عليه- ويأتي ملك الجبال، فيخبره بأنه إذا أراد أو أمر أن يُطبق عليهم الجبال لفعل، إلا أنه صاحب الإنسانية، التي تفكر للمستقبل وللأجيال القادمة، فقال: (لا؛ فإني لأرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبُد الله ويوحِّده)..
2.   إنسانيته في يوم الفتح؛ حين أتاه القوم، وهو الفاتح المظفّر، وتوقعوا الهلاك والقتل، إلا أنه يسألهم بنبرة المتواضع لا المتكبر، بنبرة الإنسان الذي يشعر بالضعيف في موطن ضعفه وانكساره: ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، فقال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء..
3.   إنسانيته في الغزوات؛ حين كان يوصي الجند بأخلاقيات الحروب الإنسانية في الإسلام: فعند ابن أبي شيبة في مصنفه، وعند غيره من حديث سُلَيْمَان بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَوْ جَيْشًا قَالَ: «لَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا ولا امرأةً» وفي رواية أخرى: «لا تقطعوا شجرة، ولا تقتلوا شيخًا، ولا تجهزوا على جريح، ولا تقتحموا على عابد صومعته.....».. هل وجدنا مثل هذه الإنسانية في حياة الفاتحين للبلدان قديمًا أو حديثًا إلا في سيرة النبي وأصحابه الكرام.
4.   إنسانيته مع الأسرى؛ حيث وجدناه رحيمًا يوم بدر يرضى بالفدية تخفيفًا عنهم، وإن عوتب في ذلك في القرآن، ووجدناه مع سُفانة بنت حاتم الطائي -أكرم العرب- يأذن لها بالانصراف من الأسر، هي والنسوة الأسيرات معها، وخرجن بصحبة مجموعة من الصحابة حتى وصلن إلى بلادهن، بعد أن فرّ وهرب أخوها عديّ إلى ملك الروم، وأكرم النبي وفادتها وتلطف بها، وشكر لأبيها كرمه -وإن كان مات كافرًا-، بل قال لها: لو كان أبوك مؤمنًا لترحّمنا عليه..
5.   ومن إنسانيته مع أعدائه: أنه كان ينادي عظماء القوم برتبهم الملكية، فوجدناه في رسائله إلى الملوك والعظماء والرؤساء، يقول: من محمد بن عبدالله إلى هرقل عظيم الروم، إلى المقوقس عظيم القِبط، إلى كسرى عظيم فارس........
الصورة السابعة: إنسانيته -صلى الله عليه وسلّم- مع المرأة على وجه الخصوص:
سبق بنا الحديث عن إنسانية الرسول -صلى الله عليه وسلّم- مع أهل بيته ومع زوجاته، لكننا ها هنا نبين جزءا من إنسانيته وحُسْن خُلُقه مع المرأة بصفة عامة، كابنة، وأم، وزوجة، وقريبة، فوجدناه -عليه الصلاة والسلام- يستأذن ربَّه في أن يزور أمّه فأذِن اللهُ له، ويتألف قلب زوجه بكلمات الحب والثناء كتصريحه بحب خديجة وعائش، وها هو يقبّل ابنته الزهراء بين عينيها، كما وجدناه يتودّد إلى أُمّ أيمن حاضنته، ويراها أُمَّه بعد أمِّه.. وتأخذ الجارية بيده إلى السوق...
أين هذا من واقع حياة كثير من الأزواج والآباء في التعامل مع البنات والنساء والزوجات؟!!
الصورة الثامنة: إنسانيته -صلى الله عليه وسلّم- مع الحيوان:
لم يُحرم الحيوان الأعجم من رحمة الله وإنسانيته؛ فقد شكا الجمل إليه فأخذ حقّه من صاحبِه، وقصّ علينا قصة الرجل الذي سقى كلبا فدخل الجنّة، وحذّرنا من إيذاء الحيوان، وذمّ المرأة التي حبست الهرّة فاستحقت النار، كما نهى عن أن يُتّخذ الحيوان مرمى، كما شدّد على خطورة ترويع الحيوان حتى عند الذبح الحلال المباح، فقال في حديثه المشهور الصحيح: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» حتى عند ذبح مباح تظهر إنسانية المسلم، والفائدة له لا للحيوان؛ فالحيوان مذبوح مذبوح، لكنها الرحمة التي تصنع قلبا رقيقًا ونفسًا شفّافة.. وهو -صلى الله عليه وسلّم- الذي نادى على أصحابه يوم أن طاف حوله طائر كأنه يشكو شيئا أو يبحث عن مفقود، فقال النبي لأصحابه: ردّوا عليها وليدها...
إنها إنسانية الرسول!!
مات رسول الله وما ماتت إنسانيته!!.. ونحن أحياء لكن ماتت إنسانيتنا!!، والمخرج أن نتخلّق بهذا الخلق في تعاملاتنا في كافة نواحي حياتنا...
نشعر بآلام المهمومين، ونعمل على تفريج كرب المكروب، ننصر المظلوم، نصنع المعروف، لا نظلم مسلما ولا غير مسلم، ننشر الخير بين الناس، نتعامل مع النسا بذوق حسن..رزقنا الله وإياكم حُسن الأخلاق، وصرف عنا وعنكم سَيِّئَهَا..



التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات