الشجاعه والتضحية: مفهومها ونماذج منها للشيخ بركات سيد احمد محمد



الشجاعه والتضحية: مفهومها ونماذج منها للشيخ بركات سيد احمد محمد

الحمد لله الذي جعلنا من عباده المؤمنين، واختارنا لنكون من أمّة سيد المرسلين، وإمام المجاهدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يجزي المتصدقين، ويثيب المضحين: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة: 111]، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، جاهد في الله حق جهاده، وضحى بكل ما يستطيع لإعلاء كلمة الله، والتمكين لدين ربه وشرع مولاه، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الذين اصطفاهم الله لصحبة رسوله، ونصرته ومؤازرته، فقاموا بالأمانة خير قيام، وجاهدوا لرفع راية الإسلام، وبذلوا النفس النفيس، والغالي قبل الرخيص، فعزوا وسادوا، ودانت لهم القياصرة والأكاسرة، ورضي الله عنهم، وآتاهم ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة.
أما بعد؛ فيا أيها الجمع الطيب: أحييكم بخير تحية، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حديثنا الليلة بمشيئة الله وتوفيقه عن موضوع مهم، ما أشدَّ حاجةَ الأمةِ الإسلاميةِ اليوم إليه، وما أجدرَها بتذكّره والتحلي به، ألا وهو موضوع " التضحية ".

وسنتناول في لقائنا هذا بعون الله الجوانب التالية:
• مفهوم التضحية.
• ولماذا التضحية.
• وميادين التضحية.
• ثم الترغيب فيها والترهيب من القعود عنها.
• ثم نعرض لنماذج من التضحية.
• ثم نختم الموضوع - بمشيئة الله - بكلمة عن أثر التضحية في الفرد والجماعة.

أيها الإخوة الكرام:
أما عن التضحية التي نقصدها ونريدها، فهي: بذل ما يستطيع المسلم تقديمه وبذله من النفس والمال، والوقت والحياة والجهد، وكل شيء ابتغاء مرضاة الله وفي سبيله، لأجل إعلاء دينه سبحانه، وسيادة شرعه، وإظهار الحق، وكسر شوكة الباطل، ونشر الإسلام، وهداية الناس إلى صراط الله المستقيم، ليفوزوا بسعادة الدارين.

ولكن أيها الإخوة:
لماذا التضحية؟
لقد اقتضت حكمة الله عز وجل ومشيئته أن تكون الأمة الإسلامية ذات رسالة سامية، وحاملة أمانة عظيمة وثقيلة، ألا وهي أستاذية العالم وقيادة البشرية، والأخذ بيدها إلى الطريق المستقيم، فقال سبحانه: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ [البقرة: 143]، وقال: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴾ [الحج: 77، 78]، وقال: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [آل عمران: 110].

ومن أجل أداء هذه الرسالة وتلك الأمانة، أمرهم الله عز وجل بالجهاد، إذ إنها تكليف قبل أن تكون تشريفًا، وحيث أُمِروا بالجهاد لنصرة الدين، وهداية العالمين، فإن التضحية من لوازمه، بل لا يمكن أن تتحقق ثمرة، أو تحصل نصرة مع غياب التضحية.
وهكذا فهم المسلمون الأوائل وطبقوا هذا الفهم الذي رباهم عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، فظهر الدين مع كره الكافرين، وتبوأت الأمة مكانتها التي اختارها الله لها، وقامت بأداء الأمانة خير قيام، فعم الضياء وتبدد الظلام، وسعد جميع الأنام بقيادة أمة الإسلام.
ثم إن العصر الذي نحياه يشهد تكالب الأعداء على الإسلام والمسلمين، ولا سبيل لدفعهم وردّ عاديتهم من غير أن تكون لدى الأمة روح التضحية والإقدام.
لذلك فنحن مدعوّون إلى التضحية وبذل النفس والنفيس، والغالي قبل الرخيص من أجل إعلاء كلمة الله، والتمكين لدينه في الأرض، وأداء الأمانة التي كلفنا الله بها، مثلما كان حال السابقين، والسلف الصالح، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
وكذلك فإن منتهى آمال المسلم أن يفوز برضوان الله تعالى وجنته، ولكي يتحقق هذا الأمل لا غنى عن التضحية والعمل، فلا بد من البذل والمجاهدة، والمسارعة في الخير ما استطاع المسلم إلى ذلك سبيلاً.

ميادين التضحية وصورها:
إن المؤمن الذي رضي بالله تعالى ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولًا، وأُشرِب قلبُه حلاوةَ الإيمان، لا يسعه إلا أن يلبيَ داعيَ الله للتضحية وبذلِ كلِّ شيءٍ ابتغاءَ مرضاةِ الله، سواء أكان ذلك نفسَه أم مالَه وولدَه، أم حياتَه ووقتَه، طيبةً بذلك نفسُه مطمئنًا به قلبُه.
وميادين التضحية كثيرة، ولعل أبرزها: بذل النفس، وبذل المال، وبذل الوقت والعمر، والتضحيةُ بذلك كلِّه في سبيل الغاية، وأداء الأمانة.
قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة: 111].
ويقول عز وجل: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [البقرة: 245].

الترغيب في التضحية والترهيب من القعود عنها:
إنه لا فوزَ برضوان الله دون بذلٍ وتضحية، ولا جهادَ ولا نُصرةَ، ولا بلوغَ للهدف أيضًا بدونها، فضلًا عن أن للتضحية الثوابَ الجزيل، وأن القعود عنها تترتب عليه أوخم العواقب.
وقد وعدنا الله عز وجل بأن أيَّ شيء نضحي به مالًا كان أم دمًا أم وقتًا، فإنه يعطينا عليه أكرم العطاء، ويجازينا عليه خير المثوبة والجزاء.
قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾ [سبأ: 39]، وقال سبحانه: ﴿ وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ [آل عمران: 157]، وقال سبحانه: ﴿ مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [التوبة: 120، 121].

وأخرج ابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما من مجروح يجرح في سبيل الله، والله أعلم بمن يجرح في سبيله؛ إلا جاء يوم القيامة وجُرحُه يَثْعَب [أي: يجري] دمًا، اللون لون دم، والريح ريح مسك ".
وأخرج الترمذي والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يُكْلَم [أي: يُجرَح] أحد في سبيل الله، والله علم بمن يُكْلَم في سبيله، إلا جاء يوم القيامة وجُرحُه يَثْعَب دمًا، اللونُ لونُ دم، والريحُ ريحُ مسك ".
وفي المقابل فإن للقاعدين عن التضحية من غير عذر عقابًا أليمًا، قال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [التوبة: 38، 39].
وقال سبحانه: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [التوبة: 24].
وقال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول للمنافقين: ﴿ قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ [الفتح: 16].
وقال جل شأنه: ﴿ هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾ [محمد: 38].

نماذج من التضحية:
إن المسلم حقًا وهو يسمع كل هذه التوجيهات لا يتوانى لحظة عن الاستجابة والتنفيذ، ولو أدى ذلك إلى أن يضحِّيَ بالدنيا كلها، ويبذلَها رخيصة، إيثارًا لما عند الله الذي يقول: ﴿ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 96]، ويقول: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا ﴾ [النساء: 77].
من أجل هذا رأينا المسلمين الصادقين من سلف هذه الأمة وخلفها يضربون لنا أروع الأمثلة في التضحية والفداء والبذل والعطاء، وقدموا صورًا مُثْلى للتضحية في سبيل الله، جديرةً بأن نضعها نصب أعيننا، وفي عقولنا وقلوبنا، لنقتديَ بها ونحاكيَها في سلوكنا: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ﴾ [الأنعام: 90].

وهذه صور من تلك النماذج على سبيل المثال لا الحصر:
روى ابن إسحاقَ عن أبيه إسحاقَ بنِ يسار، عن أشياخ من بني سلمة، أن عمرَو بنَ الجموحِ كان رجلًا أعرجَ شديدَ العرَج، وكان له بنونَ أربعةٌ مثلُ الأُسْد، يشهدون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد، فلما كان يومُ أُحُدٍ أرادوا حَبْسَه، وقالوا له: إن الله عز وجل قد عَذَرَك، فأتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن بنِيَّ يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه، والخروجِ معك فيه، فوالله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أمَّا أنت فقد عذرك الله فلا جهاد عليك "، وقال لبنيه: " ما عليكم ألّا تمنعوه، لعل الله أن يرزقه الشهادة "، فخرج معه فقتل يوم أحد.
قال السهيليُّ: " وزاد ابن إسحاق أنه لما خرج قال: اللهم لا تَردّني فاستُشهِد، فجعله بنوه على بعير ليحملوه إلى المدينة، فاستصعب عليهم البعير، فكانوا إذا وجَّهوه إلى كل جهة سارعَ إلا جهةَ المدينة، فكان يأبى الرجوعَ إليها، فلما لم يقدروا عليه، ذكروا قولَه: اللهم لا تردني إليها، فدفنوه في مصرعه ".
وقال ابن إسحاق: وقاتل عُكّاشةُ بنُ مِحصَن بن حُرْثان الأسديِّ، حليفُ بني عبد شمس ابن عبد منافٍ، يوم بدْر بسيفه حتى انقطع في يده، فأتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فأعطاه جَذْلًا [أي أصلَ شجرة] من حطب، فقال: " قاتِلْ بهذا يا عُكّاشة "، فلما أخذه من رسول الله صلى الله عليه وسلم هزّه فعاد سيفًا في يده طويلَ القامة، شديدَ المتن، أبيضَ الحديد، فقاتَلَ به حتى فتح الله تعالى على المسلمين، وكان ذلك السيف يسمى: العون، ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قُتِل في الرِّدّة وهو عنده، قَتَله طليحةُ بنُ خويلد الأسديِّ [1].

وقد روى ابن عساكر في تاريخه، وابن الأثير في أُسد الغابة: أن عمر وجّه جيشًا إلى الروم فأسروا عبد الله بنَ حذافة فذهبوا به إلى ملكهم، فقال له ملك الروم: تنصّر أقاسمْك مُلْكي وأزوّجْك ابنتي، فرفض عبد الله، فقال له ملك الروم: تنصر أُعطِك ملكي كلَّه، وأزوِّجْك ابنتي، فرفض فأمر ملك الروم به أن يُصلب، ويَرمِي الرماة حول أطرافه وأن لا يصيبوا منه مقتلًا، ثم أمر به فأُحضِر، فعرض عليه النصرانية فأبى، فأمر ملك الروم بإناء كبير أن يُملأ زيتًا ثم يُوقدَ عليه حتى يغليَ، ثم أمر بواحد من أسرى المسلمين فأُلقِي في هذا الزيت فتحول إلى عظام في الحال، وعبد الله ينظر، فعرض عليه النصرانية فأبى، فأمرهم أن يحملوه ويلقوه في الزيت، فلما حملوه بكى، فأمرهم أن يرجعوا به فقال له عبد الله: لا تظنَّ أني إنما بكيتُ جزعًا من الموت، ولكني كنتُ أتمنى أن يكون لي من الأنفس بعدد ما في جسمي من الشعرات، ثم تُسلَّطَ عليَّ فتَقتلَني، ثم أُبعثَ فتُسلَّطَ عليَّ فتقتلَني، فلما علمْتُ أنه ليست لي إلا نفْس واحدة يُفعَل بها هذا في سبيل الله بكيت، فقال له ملك الروم: قبِّل رأسي وأنا أطلق سراحك، فقال: أفعل بشرط أن تطلق سراح من معي من المسلمين، فوافق، ففعل، وكان معه ثمانون من المسلمين، فلما رجعوا إلى عمر بن الخطاب قال: حقٌّ على كل مسلم أن يقبِّل رأسَ عبدِ الله وأنا أبدأ، فقام فقبَّل رأسَه.

بل إن الغلمان تربّوا على التضحية كذلك بأغلى ما يملكون في سبيل العقيدة ونصرة الدين.
أخرج الشيخان - وهذا لفظ مسلم - عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: بينا أنا واقف في الصف يوم بدر، نظرتُ عن يميني وشمالي، فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثةٍ أسنانُهما، تمنيتُ لو كنت بين أضْلعَ منهما [يعني أقوى] فغمزني أحدهما، فقال: يا عمِّ! هل تعرف أبا جهل؟ قال: قلت: نعم، وما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ قال: أُخْبِرْتُ أنه يَسُبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي نفسي بيده، لئن رأيتُه لا يفارقُ سوادي سوادَه [أي شخصي شخصَه] حتى يموتَ الأعجلُ منا [أي لا أفارقه حتى يموت أحدنا وهو الأقرب أجلًا]، قال: فتعجبتُ لذلك، فغمزني الآخر فقال، مثلها، قال: فلم أنشب [أي لم ألبث] أن نظرتُ إلى أبي جهل [أي لم يمض زمن طويل على سؤالهما إلا ورأيت أبا جهل] يزول [يعني ينزعج ولا يستقر على حالة ولا في مكان، والزوال القلق] في الناس، فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألان عنه، قال: فابتدراه فضرباه بسيفيهما، حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه، فقال: " أيكما قتله؟ "، فقال كل واحد منهما: أنا قتلتُه، فقال: " هل مسحتما سيفيكما؟ "، قالا: لا، فنظر في السيفين فقال: " كلاكما قتله "، وقضى بسلَبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح " والرجلان: معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن عفراء ".
قال ابن هشام عن مقتل أبي جهل: ضربه معاذ بن عمرو بن الجموح فقطع رجله، وضرب ابنُه عكرمةُ يدَ معاذ فطرحها، ثم ضربه معوذ بن عفراء حتى أثبته [يعني جرحه جراحة لا يقوم معها]، ثم تركه وبه رمق، ثم ذفّف عليه عبد الله بن مسعود [أي أسرع قتله] واحتزّ رأسَه، حين أمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن يُلتمَس في القتلى.
وأخرج الحاكم عن سليمان بن بلال رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى بدر أراد سعد بن خيثمة وأبوه جميعًا الخروجَ معه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأمر أن يخرج أحدهما، فاستهَما، فقال خيثمة بن الحارث لابنه سعد رضي الله عنهما: إنه لابد لأحدنا من أن يقيم، فأقم مع نسائك، فقال سعد: لو كان غير الجنة لآثرتك به، إن لأرجو الشهادة في وجهي هذا، فاستهَما، فخرج سهم سعد، فخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر فقتله عمرو بن عبد وُدّ.
وتضحية صهيب بماله عند الهجرة وقولِ النبي صلى الله عليه وسلم له: " ربح البيع صهيب، ربح البيع صهيب "، معروفة.

وكذلك قصة أبي طلحة، فقد روى الشيخان عن أنس رضي الله عنه قال: كان أبو طلحة أكثرَ الأنصار بالمدينة مالًا من نخل، وكان أحبَّ أمواله إليه بْيُرَحاءُ، وكانت مستقبلةَ المسجد، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماءٍ فيها طيب، قال أنس: فلما نزلت هذه الآية: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: 92]، جاء أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن الله تعالى أنزل عليك: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾، وإن أحب مالي إليَّ بيرحاء، وإنها صدقة لله تعالى أرجو بِرَّها وذخرها عند الله تعالى، فَضعْها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بخٍ! ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعتُ ما قلتَ، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين "، فقال أبو طلحة: أَفعلُ يا رسول الله، فقسَّمَها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه.

هذا ولم تنته هذه النماذج وغيرها بانتهاء عصر السلف، بل إن الخير ممتد وكائن في هذه الأمة إلى يوم القيامة، وعصرنا الحاضر مليء بمثل تلك الصور المثلى في التضحية، فسَلْ تراب فلسطين والقناةِ وترابَ أفغانستانَ وغيرِها ينبئْك عن نماذج كثيرة لشباب وشيوخ طاهرين صادقين، عطَّروا بدمائهم الزكية أرضَ الإسلام في كل مكان، بل وعن صبية كصبية الصحابة رضي الله عن الجميع.
هذه النماذج وغيرها كثير، حريٌّ بنا أن نقتديَ بها، ونجعلَها أمثلة لنا ولأبنائنا، رجاءَ أن يشركنا الله معهم في الأجر إن شاء الله، وأن نسترد مجدنا ونستعيد دورنا ونقوم برسالتنا، ونتبوأ مكاننا ومكانتنا.

أثر التضحية في الفرد والجماعة:
أيها الإخوة:
إن للتضحية أعظم الآثار في حياتنا أفرادًا وجماعات.
أجل؛ فإنه ما من شك في أن الفرد الذي يُربَّى على التضحية ويتعودَ عليها، ويتحلى بها؛ يكون قد قطع شوطًا كبيرًا في التخلص من سلطان الهوى، ونوزاع الأثَرَة، وكان قادرا على مخالفة النفس الأمارة بالسوء، كما أن المسلم الذي اتصف بالتضحية وتخلق بها يفوز بمثوبة الله عز وجل، ويربح رضا الله سبحانه، ثم رضا الصالحين من عباده، كما أن الفرد الذي تعود التضحية لا يحزن على ما فات، ولا يفرح بما أتى، وكذلك يكرمه الله في ذريته، ويُخلِف بالخير عليه، وتسعد به الجماعة.
ثم إن الجماعة أو الأمة التي يتخلق أفرادها بالتضحية والبذل، لا شك في أنها تكون قادرة على إنجاز أهدافها، وتحقيق آمالها وطموحاتها، والوصول بعون الله إلى غايتها، كما أن هذه الجماعة أو الأمة تستعصي على الأعداء، وتتأبَّى عليهم، ويقذف الله مهابتها في قلوب أعدائها، فلا ينالون منها، فتعيش عزيزة كريمة مُهابة، كما أن الأمة التي تعود أبناؤها البذل والعطاء، وتخلقوا بالتضحية، تكون في منجاة من الضوائق والأزمات، وتسلم كذلك من الشحناء والعداوات، ويحل الإيثار، وتنمحي الأثرة، وتسودها المحبة، وتزول منها البغضاء، ويعمها التواد والتآلف والتراحم، وتصير أهلًا لرحمة الله، ومثوبته في الدنيا ويوم لقاه.

أيها الإخوة الأعزاء:
هكذا عشنا في رياض التضحية، ورأينا أهميتها وضرورتها بعد أن عرفنا ماهيتها، ووقفنا على حقيقتها، وبيّنّا عِظَم الحاجة إليها، وأشرنا إلى ميادينها ومجالاتها، وكيف أن الإسلام قدْ رغّبنا فيها وحبّبها إلينا، وحذّرنا من تركها أو القعودِ عنها، ورأينا كيف أن الصالحين من سلف الأمة وخلفها لم يسَعْهم إلا التحلّي بها، والسيرُ في دروبها، والمسارعةُ إلى ميادينها تصديقًا بوعد الله، وإيثارًا لما عنده جل في علاه، فأكرِمْ بها من خلق يَعُود بأحسن الآثار وأطيب الثمار على الأفراد والجماعات، في الدنيا وبعد الممات.
أيها الأخوة: هذه هي التضحية فتمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، تعيشوا كرامًا وتموتوا كرامًا، واحرصوا على التخلق بها كما كان أسلافكم الأماجد، الذين ملكوا هذه الدنيا قرونًا طوالًا، وأخضعوا كل جبار عنيد، فأمن الخائف في رحابهم، وانتصر المظلوم في جوارهم، وبرئت البشرية من أسقامها بدوائهم، واهتدت بنور دينهم، فكونوا خير خلف لخير سلف، تسعدوا وتفوزوا وتسودوا، وإياكم وتركَ التضحية فتهلِكوا وتذِلوا، وتخسروا مرضاةَ الله، وذلك هو الخسران المبين.

وإننا في عصرنا هذا لأحوج إلى التخلق بالتضحية والتحقق بها أكثر من أي عصر مضى، لنستعيد مجدنا، ونستردَّ حقوقنا، وننتصرَ على أعدائنا، ونؤديَ رسالتنا، ونُرضيَ ربنا، فيسودَ الحق والعدل، ويَعُمَّ الخير والأمن: ﴿ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾ [الروم: 4، 5].
اللهم اجعل يومنا خيرا من أمسنا، وغدَنا خيرًا من يومنا، وحاضرنا خيرًا من ماضينا، ومستقبلنا خير من حاضرنا: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [البقرة: 201].
تضحيته صلى الله عليه وسلم:

ليس القرآن للتسلية، ولا للتمتع في أوقات الفراغ، وإنما هو منهاج للدعاة على طريق هذا الدين وإلى يوم القيامة في اقتفاء أثر سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم سيد الخلق أجمعين ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر))، ومع ذلك؛ هو كما يقول – في الحديث الصحيح – ((لقد أوذيت في الله، وما يؤذى أحد، وأخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أتت عليّ ثلاثون من بين يوم وليلة، وما لي ولبلال ما يأكله ذو كبد إلا ما يواري إبط بلال من الطعام). هذا الحديث حسن صحيح رواه الترمذي وأحمد وغيره.

وعندما جاءت قريش تساوم أبا طالب أن يكف ابن أخيه عن إذايتهم، وأرسل عقيلاً وراءه يذكره أن قومه راجعوه حتى يكف عن أذيتهم، يقول صلى الله عليه وسلم: ((والله ما أنا بأقدر أن أدع ما بُعثت به من أن يشعل أحدهم من هذه الشمس شعلة من النار)).

وفي رواية أخرى – وإن كان فيها شيء من الضعف ((والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي على أن أدع هذا الأمر ما تركته، حتى يظهره الله أو أهلك دونه))

ليس تبليغ الدعوات بأمر سهل ورحلة ممتعة لو كان عرضاً قريباً وسفراً قاصداً لاتبعوك [التوبة:42].

إنما هي طريق طويل شاق، كله أشواك، وكله تضحيات، وقد تخرج من هذه الدنيا ولا تنال ثمرة واحدة نتيجة عملك.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

[1] ذكر ابن كثير أن طليحةَ الأسديَّ تاب، وكان في جيش المسلمين في معركة القادسية، وأنه أبلى بلاء حسنًا في القتال. (البداية والنهاية 7 /33، 39).

وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يَضْحَكُ اللَّهُ لِرَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، كِلاَهُمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ "، قَالُوا: كَيْفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " يُقْتَلُ هَذَا فَيَلِجُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى الآخَرِ فَيَهْدِيهِ إِلَى الإِسْلاَمِ، ثُمَّ يُجَاهِدُ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُسْتَشْهَدُ ".
التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات