الشهامة والمروءة للشيخ أحمد أبو عيد






الحمد لله الحيُّ الدائم، ألهم الإنسان من الخلق المكارم، وحذره من الفعل والخلق الرذيل، أمره بالنصر حربًا أو يكون هو القتيل وفي السلم بأن يسالم.
وأشهد أن لا إله إلا الله أباح في الغنى التنوع في المطاعم، وحين الفقر عليه أن يقنع بالقليل، وإن عم القحط وجب التراحم، وفي الرخاء يجود ولو بالقليل، وحال الصحة فعليه أن يزاحم، مع الطائعين ويأتي بالعمل الجليل، وفي المرض رخص ما يلائم، كل عاجز وكذا الشيخ العليل.
وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله بالشرع قائم، مَن تبع سنته رشد، ومن تركها حُرم الدليل، لولاه ما استيقظ من غفلة الشرك نائم.
 فيا رب، صلِّ على تاج أولي العزائم، من ليس لشريعته شرع بديل، وجازه عن كل قائم من أمته وصائم، وعن نوره الذي به انقشع الليل الطويل.
العناصر
أولاً: فضل الشهامة والمروءة
ثانيًا: مجالات الشهامة والمروءة
ثالثًا: أصحاب المروءات
الموضوع
معنى الشهامة لغةً: الشهامة مصدر شهم، وهذه المادة تدلُّ على الذكاء.
والشهم: الذكي الفؤاد المتوقد، الجلد، والجمع شهام، وقد شهم الرجل، بالضم، شهامة وشهومة إذا كان ذكيًّا، فهو شهم أي جلد.
اصطلاحًا: قال ابن مسكويه: الشهامة هي: الحرص على الأعمال العظام توقعًا للأحدوثة الجميلة ([1]) 
وقيل الشهامة هي: الحرص على الأمور العظام؛ توقعًا للذكر الجميل عند الحقِّ والخلق ([2])
يقول الشاعر:   
إن المروءة ليس يدركها امرؤٌ        **    ورث المكـارم عن أبٍ فأضاعها
أمرته نفسٌ بالـدناءة والخنا           **    ونهته عن سُبُل العـلا فأطاعهـا
فإذا أصاب من المكارم خُلَّةً     **    يبني الكريمُ بهـا المكــارم باعها 
أولاً: فضل الشهامة والمروءة
من صفات الله تعالى: قال تعالى "أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ "سورة النمل
من خيرية الأمة: قال تعالى (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِالله) (آل عمران).
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ -r- أَىُّ الإِسْلاَمِ خَيْرٌ قَالَ «تُطْعِمُ الطَّعَامَ وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» ([3]).
وجوب التعاون على البر والتقوى: قال تعالى:(وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾سورة المائدة ، وقال تعالى:(مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ الله وَرِضْوَانًا) (29 الفتح).
وعَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ -r- فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -r: « كُلُّ سُلاَمَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ - قَالَ - تَعْدِلُ بَيْنَ الاِثْنَيْنِ صَدَقَةٌ وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِى دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ - قَالَ - وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ وَكُلُّ خَطْوَةٍ تَمْشِيهَا إِلَى الصَّلاَةِ صَدَقَةٌ وَتُمِيطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ »([4]).
إيمان صادق بالله: عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -r: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ» ([5]).
فَعَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ - t - أَنَّ النَّبِيَّ - r – قَالَ "لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ"([6])
فيه الخير الكثير: قال تعالى:" لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً " سورة لنساء
فالأمر هنا: عمل تطوعي بدني سواء كان أمراً بصدقة أو أمراً بمعروف والسعي والإصلاح بين الناس: عمل تطوعي بدني.
و" ابتغاء مرضات الله " أي مخلصاً في ذلك محتسباً مريداً وطالباً رضوان الله، " فسوف نؤتيه
 أجراً عظيما" أي ثواباً جزيلاً كثيراً واسعاً.
أفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة: عن أبي الدرداء قال قال رسول الله r: " ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إصلاح ذات البين "([7])
حثنا الله تعالى على الشهامة، والنجدة، ونصرة المسلمين: قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ) [الأنفال 72]، يمدح الله في هذه الآية الكريمة من صبر، وصابر، وجاهد، وآوى ونصر، وهاجر، وقام بنصرة إخوانه، ولا يقوم بهذه الأعمال كلها إلا من كان شهماً مقداماً.
أمر ربنا –تبارك وتعالى-أمرًا صريحًا بإغاثة المكروب ونجدة الملهوف، فقال تعالى: (وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ) ، ولا يتأتى ذلك إلا من إنسان شهم ، قال الطَّبري –رحمه الله-: "إن استنصركم هؤلاء -الذين آمنوا ولم يهاجروا-في الدِّين، يعني بأنَّهم من أهل دينكم، على أعدائكم وأعدائهم من المشركين، فعليكم أيُّها المؤمنون -من المهاجرين والأنصار-النَّصر"([8]).
المسلمون كالجسد الواحد: قال تعالى﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾سورة الحجرات
وعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -r: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِى تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» ([9]).
إنها قوة: قال تعالى: {وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 104].
قال السعدي: ذكر سبحانه ما يقوِّي قلوب المؤمنين، فذكر شيئين: الأول: أن ما يصيبكم من الألم والتعب والجراح ونحو ذلك فإنه يصيب أعداءكم، فليس من المروءة الإنسانية والشهامة الإسلامية أن تكونوا أضعف منهم، وأنتم وإياهم قد تساويتم فيما يوجب ذلك؛ لأن العادة الجارية لا يضعف إلا من توالت عليه الآلام، وانتصر عليه الأعداء على الدوام، لا من يدال مرة، ويدال عليه أخرى ([10]).
من يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون: قال تعالى "فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا
يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ) سورة التغابن
وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله: قال تعالى "وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ "سورة البقرة
وقال تعالى "وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ" سورة المزمل
افعل قبل فوات الأوان: عَنْ أَبِى رَافِعٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -r: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِى. قَالَ يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ. قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِى فُلاَنًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِى عِنْدَهُ يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِى. قَالَ يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ. قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِى فُلاَنٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِى يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِى. قَالَ يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ اسْتَسْقَاكَ عَبْدِى فُلاَنٌ فَلَمْ تَسْقِهِ أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِى» ([11]).
الويل لمن ترك أخيه وقت الحاجة ولم يعينه: قال تعالى:﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾سورة الماعون، والماعون هو أن يمنع المسلم عن أخيه المسلم الأشياء التي يحتاجها منه أو يطلبها من عنده وقت حاجته إليها.
ثانيًا: مجالات الشهامة والمروءة
نفع الناس بكل وسيلة متاحة: عن عبد الله بن عمر t أن رجلا جاء إلى رسول الله r فقال يا رسول الله أي الناس أحب إلى الله فقال أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم تكشف عنه كربة أو تقضي عنه دينا أو تطرد عنه جوعا ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلى من أن أعتكف في هذا المسجد يعني مسجد المدينة شهرا ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه يوم القيامة رضى ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى يقضيها له ثبت الله قدميه يوم تزول الأقدام"([12])
إعانة ذوي الاحتياجات الخاصة: عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الْإِيمَانُ بِاللهِ وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ» قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا وَأَكْثَرُهَا ثَمَنًا» قَالَ: قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: «تُعِينُ صَانِعًا أَوْ تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ» قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ ضَعُفْتُ عَنْ بَعْضِ الْعَمَلِ؟ قَالَ: «تَكُفُّ شَرَّكَ عَنِ النَّاسِ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ» ([13])
رجل أخرق: لا صنعة له: أي غير صانع
التيسير والعفو والستر: عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -r: « مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ فِى عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِى عَوْنِ أَخِيهِ وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلاَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ »([14]) .
الحياء والحفاظ على الأعراض: عَنْ الْمُغِيرَة قَالَ قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ! وَاللَّهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ "([15]).
إعانة الأرملة والمسكين: عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ -r- قَالَ «السَّاعِى عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ -وَأَحْسِبُهُ قَالَ -وَكَالْقَائِمِ لاَ يَفْتُرُ وَكَالصَّائِمِ لاَ يُفْطِرُ» ([16]).
رد المظالم وإعادة الحقوق لأصحابها: عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِىِّ -r- قَالَ «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ». قِيلَ أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَجِدْ قَالَ «يَعْتَمِلُ بِيَدَيْهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ». قَالَ قِيلَ أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ قَالَ «يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ» قَالَ قِيلَ لَهُ أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ قَالَ «يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ أَوِ الْخَيْرِ». قَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ قَالَ «يُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ» ([17]).
(الملهوف) المظلوم والعاجز المضطر الذي يستغيث بك
كيف تجد قلبك إذا سألك سائل. أو قرع بابك ملهوف؟ ثم أخي هل فكرت يوماً وأنت تتناول غداءك. أو تشرب ماءً بارداً. أو تتقلب في وثير فراشك. هل فكرت في جوعى لا يجدون غداء مثل غدائك؟ أو ظمأى لا يجدون ماءً بارداً مثل مائك؟ أو مشردين لا يجدون فراشاً وثيراً مثل فراشك؟ فكم من عبد بسط الله له في رزقه، ولكن المسكين نسى جوع الجائعين، وآلام المشردين، وجزع الثكالى المحرومين، وأنين الضعفاء المضرورين، وبكاء اليتامى الخائفين.
اقضِ الحوائج ما استطعت *** وكُن لهمِّ أخيك فارج
فلخير أيام الفتــــى يــــومٌ *** قضى فيـه الحوائج
 مع الأعداء: عن عبد الله بن مسعود t قال: "إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -r- لَمَّا رَأَى مِنَ النَّاسِ إِدْبَارًا فَقَالَ «اللَّهُمَّ سَبْعٌ كَسَبْعِ يُوسُفَ». قَالَ فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ كُلَّ شَىْءٍ حَتَّى أَكَلُوا الْجُلُودَ وَالْمَيْتَةَ مِنَ الْجُوعِ وَيَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ أَحَدُهُمْ فَيَرَى كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ فَأَتَاهُ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ جِئْتَ تَأْمُرُ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَبِصِلَةِ الرَّحِمِ وَإِنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا فَادْعُ اللَّهَ لَهُمْ"([18])
قال ابن حجر: (قوله: فقيل: يا رسول الله استسق الله لمضر؛ فإنها قد هلكت. إنَّما قال لمضر؛ لأن غالبهم كان بالقرب من مياه الحجاز، وكان الدعاء بالقحط على قريش وهم سكان مكة فسرى القحط إلى من حولهم، فحسن أن يطلب الدعاء لهم، ولعل السائل عدل عن التعبير بقريش؛ لئلا يذكرهم فيذكِّر بجرمهم، فقال: لمضر؛ ليندرجوا فيهم، ويشير أيضًا إلى أنَّ غير المدعو عليهم قد هلكوا بجريرتهم، وقد وقع في الرواية الأخيرة: وإن قومك هلكوا. ولا منافاة بينهما؛ لأنَّ مُضر أيضًا قومه وقد تقدم في المناقب أنه r كان من مضر، قوله فقال رسول الله r لمضر: إنك لجريء، أي: أتأمرني أن أستسقي لمضر مع ما هم عليه من المعصية والإشراك به؟!) ([19]) .
فالنبي r رغم عداوة قريش وإيذائها للمؤمنين، لما جاءه أبو سفيان يطلب منه الاستسقاء لم يرفض لحسن خلقه، وشهامته، ورغبته في هدايتهم، فإنَّ الشهامة ومكارم الأخلاق مع الأعداء، لها أثر كبير في ذهاب العداوة، أو تخفيفها.
ثالثًا: أصحاب المروءات
رسول الله r: تقول السيدة خديجة ":" كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا؛ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ؛ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ؛ وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ؛ وَتَقْرِي الضَّيْفَ؛ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ"([20]).
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -r- أَحْسَنَ النَّاسِ وَكَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ وَكَانَ أَشْجَعَ النَّاسِ وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَانْطَلَقَ نَاسٌ قِبَلَ الصَّوْتِ فَتَلَقَّاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -r- رَاجِعًا وَقَدْ سَبَقَهُمْ إِلَى الصَّوْتِ وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لأَبِى طَلْحَةَ عُرْىٍ فِى عُنُقِهِ السَّيْفُ وَهُوَ يَقُولُ «لَمْ تُرَاعُوا لَمْ تُرَاعُوا». قَالَ «وَجَدْنَاهُ بَحْرًا أَوْ إِنَّهُ لَبَحْرٌ» ([21]). قَالَ وَكَانَ فَرَسًا يُبَطَّأُ. والبحر بمعنى واسع الجرى، والعرى
بمعنى لا سرج عليه.
قال القرطبي: في هذا الحديث ما يدل على أن النبي r كان قد جمع له من جودة ركوب الخيل، والشَّجَاعَة، والشهامة، والانتهاض الغائي في الحروب، والفروسية وأهوالها، ما لم يكن عند أحد من الناس، ولذلك قال أصحابه عنه: إنه كان أشجع الناس، وأجرأ الناس في حال الباس، ولذلك قالوا: إن الشجاع منهم كان الذي يلوذ  بجنابه إذا التحمت الحروب، وناهيك به؛ فإنه ما ولَّى قطُّ منهزمًا، ولا تحدث أحد عنه قط بفرار ([22]).
وعَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -r- فِى صَدْرِ النَّهَارِ قَالَ فَجَاءَهُ قَوْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِى النِّمَارِ أَوِ الْعَبَاءِ مُتَقَلِّدِى السُّيُوفِ عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ -r- لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ فَأَمَرَ بِلاَلاً فَأَذَّنَ وَأَقَامَ فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ « (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) إِلَى آخِرِ الآيَةِ (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ) وَالآيَةَ الَّتِى فِى الْحَشْرِ (اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ) تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ مِنْ دِرْهَمِهِ مِنْ ثَوْبِهِ مِنْ صَاعِ بُرِّهِ مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ - حَتَّى قَالَ - وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ ». قَالَ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا بَلْ قَدْ عَجَزَتْ - قَالَ - ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ -r- يَتَهَلَّلُ كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -r: « مَنْ سَنَّ فِى الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَىْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِى الإِسْلاَمِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَىْءٌ »([23]) .
سيدنا موسى u: قال تعالى: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} القصص
فعندما غلبت عليه شهامته ومروءته وساعد ابنتي سيدنا شعيب فى الحصول على الماء ولم ينتظر جزاءاً ولا أجراً. ولكن المكافأة جاءته بأن تزوج إحداهما.
سيدنا الخضر u: قال تعالى:" وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ
أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82) " سورة الكهف
وهذا الأب كان الأب السابع لهذين الغلامين اليتيمين وفيه دليل على أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته وتشمل بركة عبادته لهم في الدنيا والآخرة بشفاعته فيهم ورفع درجتهم إلى درجة الصالحين في الجنة لتقر عينه بهم قال ابن عباس: حفظا بصلاح أبيهما ولم يذكر لهما صلاح.
قال الحسن البصري: " وكان تحته كنزهما " قال: لوح من الذهب مكتوب فيه باسم الله الرحمن الرحيم
أبو بكر t: عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -r: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا». قَالَ أَبُو بَكْرٍ t أَنَا. قَالَ «فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً». قَالَ أَبُو بَكْرٍ t أَنَا. قَالَ «فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا». قَالَ أَبُو بَكْرٍ t أَنَا. قَالَ «فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا». قَالَ أَبُو بَكْرٍ t أَنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -r: «مَا اجْتَمَعْنَ فِى امْرِئٍ إِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ» ([24]).
عمر بن الخطاب t : وهذا الفاروق وخدمته الفائقة للرعية وإغاثته للملهوفين منهم: خرج ذات ليلة سيدنا عمر بن الخطاب في جولةٍ من جولاته التي كان يخرج بها وحيداً, والناس نيام ليطمئنَّ على قومه ويرى أحوالهم، وعند مشارف المدينة رأى كوخاً ينبعث منه أنين امرأة فاقترب يسعى، ورأى رجلاً يجلس على باب الكوخ، وعلِم منه أنه زوج السيدة التي تئن، وعلِم أنها تعاني كرب المخاض، وليس معها أحدٌ يعينها، لأن الرجل وزوجته من البادية، وقد حطا رحالهما هنا وحيدين غريبين، رجع عمر إلى بيته مسرعاً، وقال لأم كلثوم زوجته بنت الإمام علي: يا أم كلثوم, هل لكِ في مثوبةٍ ساقها الله إليكِ؟ هل ترغبين في عمل صالح؟, قالت: خيراً، قال: امرأة غريبة تمخض، وليس معها أحد، قالت: نعم إن شئت .وقام فأعد من الزاد والماعون ما تحتاجه المرأة من دقيقٍ وسمنٍ ومزق ثيابٍ يلف بها الوليد، وحمل أمير المؤمنين القدر على كتف والدقيق على كتف، وقال لزوجته: اتبعيني، ويأتيان الكوخ، وتدخله أم كلثوم زوج أمير المؤمنين لتساعد المرأة في مخاضها، أما أمير المؤمنين فجلس خارج الكوخ، وينصب الأثافي ( ثلاثة أحجار للطبخ )، ويضع فوقها القدر، ويوقد تحتها النار، وينضج للمرأة طعاماً، والزوج يرمقه شاكراً ولعله كان يحدث نفسه هو الآخر بأن هذا العربي الطيب أولى بالخلافة من عمر .
وفجأةً صدح في الكوخ صراخ الوليد لقد وضعته أمه بسلام، وإذا بصوت أم كلثوم ينطلق من داخل
 الكوخ عالياً, يا أمير المؤمنين بشِّر صاحبك بغلام، ويفيق الأعرابي من الدهشة، ويستأخر بعيداً على استحياء، ويحاول أن ينطق بالكلمتين "أمير المؤمنين"، لكن شفتيه لا تقويان على الحركة من فرط المفاجأة، ويلحظ عمر كلَّ هذا، فيشير إلى الرجل أن ابق مكانك، لا ترع، ويحمل أمير المؤمنين القدر، ويقترب من باب الكوخ منادياً زوجته: خُذي القدر يا أم كلثوم، وأطعمي الأم وأشبعيها، وتطعمها أم كلثوم حتى تشبع، وتردُّ القدر إلى عمر بما بقي من طعامٍ، فيضعها عمر بين يدي الأعرابي، ويقول: كُل واشبع، فإنك قد سهرت طويلاً، وعانيت كثيراً، ثم ينصرف هو وزوجته بعد أن يقول للرجل: إذا كان صباح الغد فأتني بالمدينة لآمر لك من بيت المال بما يصلحك، ولنفرض للوليد حقه.
إِنَّ اَخاكَ الحَقّ مَن كانَ مَعَك وَمَن يَضِرُّ نَفسَهُ لِيَنفَعَك
وَمَن إِذا ريبَ الزَمانُ صَدَعَك شَتَّتَ فيكَ شَملَهُ لِيَجمَعَك
سعيد بن العاص t: يقول لأبنائه عندما كان يحتضر:" يا بَنِيَّ، لا تفقدوا إخواني مني عندكم عين وجهي، أَجْرُوا عليهم ما كنتُ أُجْرِي، واصنعوا بهم ما كنت أصنع، ولا تُلْجِئُوهم للطلب؛ فإن الرجل إذا طلب الحاجة اضطربت أركانه، وارتعدت فرائصه، وكَلَّ لسانه، وبدا الكلام في وجهه، اكفوهم مئونة الطلب بالعطية قبل المسألة؛ فإني لا أجد لوجه الرجل يأتي يتقلقل على فراشه ذاكرًا موضعًا لحاجته فعدا بها عليكم لا أرى قضى حاجته عوضًا من بذل وجهه، فبادروهم بقضاء حوائجهم قبل أن يسبقوكم إليها بالمسألة "
فهل رأيتم مروءة كهذه بين البشر من هذا الصنف النادر بعد مروءات وشهامات الأنبياء والرسل ؟؟
تحضره الوفاة ويتذكر كرامة الإنسان المحتاج وقضاء حاجته قبل السؤال.
يا الله يا لها من أخلاق كريمة! وقد كان الناس في وقت ليس بالبعيد يتمتعوا بالمروءة والشهامة، فتجد الجار الذي يتصدى لأي أحد يضايق جارته في الطريق ويحافظ عليها تماماً كأخته، وكنا نرى التطوع والمبادرة لمساعدة عابر الطريق وصاحب الحمل الثقيل، كنا نشاهد وقوف الصغير عند مرور الأكبر سناً احتراما وتوقيراً وتأدباً، ولا أقول بأن هذه المظاهر اختفت تماماً ولكنها قلت كثيراً عن ذي قبل، وقد قيل إن المروءة كمال الرجولة، والشهامة كمال الإنسانية.
ابن ميمون t : يقول حججت على أيام الخليفة العبّاسي هارون الرشيد فرأيت في الحجّ امرأة تبكي بكاءً مُرّاً، فاقتربت منها، فسمعتها تقول: أيا عمرو فيم تجنبتني سكبت دموعي وعذّبتني فلو كنت يا عمرو أخبرتني أخذت حذار فما نلتني، قال: فقلت لها: من عمرو هذا يا أمة الله؟ ففزعت عندما فوجئت بوجودي فقلت لها: لا تخافي، إنّما أنا عبدٌ من عباد الله، لعلّي أكون في حاجتك فمن عمرو؟ قالت: عمرو هذا هو زوجي، وقد تبعني قبل الزواج، وامتنعت عنه واحتال على الزواج منّي كلّ حيلة، حتى شاء الله وتزوجته، ولكنه هجرني.
قلت: أهجرك لموجدةٍ أو نفور؟ قالت: لا والله، بل لشدة حبّ. فقد ضاق بنا العيش، وأشفق عليّ. فذهب يلتمس عملاً، قد يكون فيه سعة لي وله. قلت: وأين هو؟ قالت: في (جدّة) يعمل في البحر. قلت: سأجمع بينكما إن شاء الله، فصفيه لي. قالت: لا تهزأ بي يا عبد الله. قلت: إنّني فاعل إن شاء الله، ولن يخيّب الله مسعاي، قالت: هو أحسن من تراه، طلقٌ محياه، مليئةٌ بالحبِّ عيناه، وليس في القلب سواه.
قال إبراهيم: ركبت وذهبت إلى جدّة ... وناديت عند المكان الذي حددته، يا عمرو. يا عمرو. فخرج إليّ رجل ما ارتبت لحظةً في أنه هو. ولما اقترب منّي، أنشدته ما سمعت من زوجته. فعانقني وقال: إنما أنت رسولها. قلتُ: نعم. فهل تعود معي إليها؟ . قال: والله إنّ هذا لأحبُّ شيء إلى نفسي، لكنّي أسعى إلى السعة. قلت: كم يكفيك لمعاشك في العام؟ قال: ثلاثمائة دينار. قلت: فهذه ثلاثة آلاف لعشر سنين، فإذا نفدت أو أوشكت فأرسل إليّ بمن يحمل إليك غيرها. وأعدته إلى زوجته، ولم يكن أحدٌ أسعد منهما بذلك إلاّ أنا.
إن الحياة بدون مروءة وشهامة حياة ينقصها رونقها وبريقها الذي يضفي عليها البهجة والسعادة لأن الإنسان يسعد عندما تمتد إليه يد اخرى تساعده دون طلب وتعاونه دون من أو اذى.
أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها: تضحي بنطاقها وتشقه نصفين وهو أغلى وأثمن ما تملك رضي الله عنها تقول (صنعت سفره للنبي وأبي بكر حين أراد المدينة، فقلت لأبي: ما أجد شيئاً أربطه إلا نطاقي قال: فشقيه ففعلت فسُميت ذات النطاقين) ([25])
من أخلاق الأطفال: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عَوْفٍ قَالَ: " إِنِّي لَفِي الصَّفِّ يَوْمَ بَدْرٍ إِذْ الْتَفَتُّ، فَإِذَا عَنْ يَمِينِي وَعَنْ يَسَارِي فَتَيَانِ حَدِيثَا السِّنِّ، فَكَأَنِّي لَمْ آمَنْ بِمَكَانِهِمَا إِذْ قَالَ لِي أَحَدُهُمَا سِرًّا مِنْ صَاحِبِهِ: يَا عَمِّ أَرِنِي أَبَا جَهْلٍ، فَقُلْتُ: يَا ابْنَ أَخِي وَمَا تَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: عَاهَدْتُ اللَّهَ إِنْ رَأَيْتُهُ أَنْ أَقْتُلَهُ أَوْ أَمُوتَ دُونَهُ، فَقَالَ لِي: الْآخَرُ سِرًّا مِنْ صَاحِبِهِ مِثْلَهُ، قَالَ: فَمَا سَرَّنِي أَنِّي بَيْنَ رَجُلَيْنِ مَكَانَهُمَا، فَأَشَرْتُ لَهُمَا إِلَيْهِ فَشَدَّا عَلَيْهِ مِثْلَ الصَّقْرَيْنِ حَتَّى ضَرَبَاهُ وَهُمَا ابْنَا عَفْرَاءَ " ([26]) قال ابن حجر: " قوله الصقرين. شبههما به لما اشتهر عنه من الشَّجَاعَة، والشهامة، والإقدام على الصيد، ولأنه إذا تشبث بشيء لم يفارقه حتى يأخذه". ([27])
هؤلاء قد تربوا على الشجاعة والشهامة والرجولة؛ أما نحن فقد ربينا أولادنا – صغارا وكبارا – على الفزع والخوف من القطط والكلاب والعفاريت؛ فهل تنهض الأمة وتقوم حضارة ويستتب أمن على أيدي هؤلاء؟
فعلينا أن نربي أولادنا على الرجولة والشهامة والشجاعة -بدلا من أن نربيهم على الخوف والذعر،  وتشبه الرجال بالنساء في اللباس، كلبس الذهب والحرير؛ يقول ابن القيم: " حرم الذهب لما يورثه بملامسته للبدن من الأنوثة والتخنث، وضد الشهامة والرجولة."-فأولادنا جيل المستقبل وأمل الأمة؛ وليكن قدوتنا نبينا – r – الذي ربى الصغير قبل الكبير على هذه القيم والمبادئ؛ وما أجمل هذا الموقف الشجاع الجريء الشهم الذي قام به فتيان تربيا في مدرسة الحبيب.
الوسائل المعينة على اكتساب صفة الشهامة
أ-الصبر: قال الراغب الأصفهاني: (الصبر يزيل الجزع، ويورث الشهامة المختصة بالرجولية).
ب-الشَّجَاعَة
ج-علو الهمة وشرف النفس: من سجايا الإسلام التحلي بكبر الهمة، مركز السالب والموجب في شخصك، الرقيب على جوارحك، كبر الهمة يجلب لك بإذن الله خيرًا غير مجذوذ؛ لترقى إلى درجات الكمال، فيجري في عروقك دم الشهامة، والركض في ميدان العلم والعمل، فلا يراك الناس واقفًا إلا على أبواب الفضائل، ولا باسطًا يديك إلا لمهمات الأمور) ([28]) .
د-العدل والإنصاف.
ذ-مصاحبة ذوي الشهامة والنجدة.
ر-الإيمان بالقضاء والقدر: من ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر: أنه يدفع الإنسان إلى العمل والإنتاج والقوة والشهامة؛ فالمجاهد في سبيل الله يمضي في جهاده ولا يهاب الموت؛ لأنه يعلم أن الموت لا بد منه، وأنه إذا جاء لا يؤخر؛ لا يمنع منه حصون ولا جنود، أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ [النساء: 78] قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ [آل عمران: 154]، وهكذا حينما يستشعر المجاهد هذه الدفعات القوية من الإيمان بالقدر؛ يمضي في جهاده حتى يتحقق النصر على الأعداء، وتتوفر القوة للإسلام والمسلمين)
موانع اكتساب صفة الشهامة
أ-قسوة القلب.
ب-الأنانية، وخذلان المسلمين، واللامبالاة بمعاناتهم: إنَّ خذلان المسلم لأخيه المسلم أمر تنكره الشريعة، وإن من حق المسلم على المسلم أن لا يخذله، (وهو إن حدث ذريعة لخذلان المسلمين جميعًا حيث تنتشر عدوى الأنانية وحب الذات، وإيثار الراحة والمصلحة الخاصة على مشاركة الغير آلامهم وآمالهم، فيكثر التَّنصل من المسؤولية بين المسلمين، حتى يقضي عليهم أعداؤهم واحدًا تلو الآخر، فتموت فيهم خلال الآباء، والشهامة، ونجدة الملهوف، وإغاثة المنكوب، وسوف يجنح المظلوم والضعيف إلى الأعداء طوعًا أو كرهًا، لما يقع به من ضيم وما يصيبه من خذلان من إخوانه ثم ينزوي بعيدًا عنهم، وتنقطع عرى الأخوة بينه وبين من خذلوه وأسلموه للأعداء)  (1) .
ج-الجبن والبخل: فالشهامة إنما تقوم على الشَّجَاعَة لنجدة المحتاج، والكرم لإعانة أصحاب الحاجات، فمن فقدهما ضعفت شهامته، وماتت مروءته.
د-الذُّل، والهوان، وضعف النفس: فالإنسان الذليل والأمة الذليلة أبعد الناس عن النصرة، وتلبية نداء الإغاثة؛ ففاقد الشيء لا يعطيه.
ذ-الحقد والعداوة والبغضاء.
ر-تشبه الرجال بالنساء في اللباس، كلبس الذهب والحرير: قال ابن القيم في زاد المعاد: (حرم -الذهب-لما يورثه بملامسته للبدن من الأنوثة والتخنث، وضد الشهامة والرجولة).
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
إعداد: الشيخ احمد أبو عيد
01098095854





([1])(تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق) لابن مسكويه (ص 30).
([2])(التوقيف على مهمات التعاريف) للمناوي (ص 5).
([3]) متفق عليه
([4]) صحيح مسلم
([5]) متفق عليه
([6]) متفق عليه
([7]) صحيح الترغيب والترهيب
([8])(تفسير الطبري: 11/ 294)
([9])متفق عليه
([10])(تيسير الكريم الرحمن) (ص 199).
([11]) صحيح مسلم
([12]) صحيح الترغيب والترهيب
([13]) صحيح مسلم
([14]) صحيح مسلم
([15]) متفق عليه
([16]) صحيح مسلم
([17]) متفق عليه
([18]) متفق عليه
([19]) فتح الباري لابن حجر
([20]) متفق عليه
([21]) متفق عليه
([22])(المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم) (6/100).
([23]) صحيح مسلم
([24]) صحيح مسلم
([25]) صحيح البخاري
[26])) صحيح البخاري
([27]) فتح الباري
([28]) موارد الظمآن
التعليقات
0 التعليقات