المصلحة العامة بين حق الله وحق العبد للشيخ بركات سيد احمد





لحمد لله الذي شرف الإنسان بحمل الأمانة، ونهاه وزجره عن الكذب والخيانة، وحرم عليه الغدر والبغي وعدوانه.

أحمده تعالى على أن أوجب على العباد، أداء الحق إلى المستحق، ورغبهم في الإحسان إلى الخلق.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له الذي جعل جزاء الإحسان الإحسان، وأخبر أنه لا تكسب كل نفس إلا عليها، وأن سعيها لها، ولا تزر وازرة وزر أخرى كما في محكم القرآن.

وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم، عبد الله ورسوله المبعوث بأكمل تشريع على الإطلاق، وبعث ليتم مكارم الأخلاق، وأرسله الله تعالى رحمة للعالمين إلى يوم التلاق.

صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الذين جاهدوا في الله حق جهاده، لإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، فكانوا أعدل الناس، وأنفع الناس للناس، وأرحم الناس بالناس، وخير أمة أخرجت للناس.

أما بعد:

فيا أيها الناس اعبدوا الله مخلصين، واتقوه محسنين، وتذكروا أن الله تبارك وتعالى قد اصطفى لكم الدين، وكلفكم وشرفكم به قبل العالمين، وأغناكم به عن زبالة الأذهان ونحاتة الأفكار، التي تتحاكم إليها وتنتظم بها دول الكفر، معرضين ومعارضين لنظام الله خالق البشر، الذي كل شيء عنده بقدر، والذي تكفل للعباد بتنظيم معاشهم، بما يسعدهم في دنياهم ومعادهم، كما حدد أعمارهم وآجالهم، ﴿ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [الملك:14].

عباد الله:

لقد خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، وفضله على كثير من خلقه بأنواع من التكريم، فخلقه لعبادته، هيأه لحمل أمانته، وتكفل برزقه وهدايته، وجعل التعبد له بالشريعة معاير الابتلاء، وآية الاصطفاء، وعلامة تميز السعداء دنيا وأخرى من الأشقياء، فقال في محكم ما نزل ليتلى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ [الملك:2]، وقال: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾ [طه:123،124]، وسينقلبون إليه ليروا أعمالهم وجزاءهم، ﴿ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ﴾ [النجم:31].

أيها المسلمون:

إن من مظاهر تكريم الله تعالى لبني آدم أن جعل نظام حياتهم الذي يحدد علاقتهم به وعلاقة بعضهم ببعض، وعلاقتهم بمن حولهم من الخلق، ويحدد لهم حقوقهم على غيرهم والحقوق التي عليهم لغيرهم شريعة تعبدهم بها في الحياة، وجعل الاستقامة عليها موجبة لطيب الحياة والإسعاد في المعاش والمعاد، والإعراض عنها أو التلاعب بها، موجباً للسُّوأَى في الدنيا والأخرى، فجعل سبحانه تلكم الشريعة أو نظام المكلفين، ديناً كاملاً، سمحاً ميسراً كفيلاً بتحقيق العدل والإحسان، مانعاً من الظلم والعدوان، مشتملاً على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد أو تقليلها، باعثاً على التعاون على البر والدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتواصي بالحق وبالصبر والمرحمة، والنهي عن الإثم والعدوان، والابتداع والشرك والإلحاد، وغير ذلك من بواعث الفتنة، وموجبات الشر، وزجر عن هذه الأمور بألوان من التهديد، وضروب من الوعيد، وشرع الحدود الرادعة، والعقوبات البليغة دنيا وآخرة، كل ذلك لتطيب الحياة، وتندفع البليات، ويتحقق للمجتمع العيش الكريم، والعمل الصالح في ظل الأمن العام، والتكافل التام، والتعاون الحقيقي الذي يصون الحرمات، وينمي الثروات، ويبعد شرح المنغصات والمكدرات، قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [الأنعام:82]، وقال سبحانه: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل:97]

.معشر المسلمين:

إن من الحقوق العظيمة للمكلفين التي تضمنتها شريعة الله المحكمة الحكيمة حفظ الضرورات الخمس: الدين، والنفس، والعقل، والمال، والعرض. فقد تضمنت شريعة الإسلام أحكاماً حازمة كثيرة ومتنوعة، لصيانة هذه الضرورات، وتزكيتها، وتقويتها، والمحافظة عليها من كل ما يخل بها، أو يبطلها، ويعطلها، ويحرم الإنسان منها، فليس من حق أي أحد أن يبدل دينه، ولا يجوز لأحد أن يضله عنه، وليس لأي شخص أن يقتل نفسه، ولا أن يقتل غيره من غير طريق الشرع، ولا أن يتعاطى ما يذهب عقله، ولا أن يتسبب في إزالة عقل غيره، ورحمة مال المرء كحرمة دمه، والأعراض قرينة النفوس والاموال في الحرمة، وقد تضمنت الشريعة الإسلامية الغراء تشريعات واضحة صارمة، لصيانة هذه الضرورات، وعقوبات صارمة بليغة لمن تشبث بالإخلال بها أو إفسادها وحرمان أهلها منها، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [آل عمران:85]، وقال سبحانه: ﴿ وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة:217]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((من أحدث حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين))، وقال عليه الصلاة والسلام: ((من بدل دينه فاقتلوه))، وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: ((إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم))، وقال: ((كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه))، وقال صلى الله عليه وسلم: ((حرمة مال المسلم كحرمة دمه))، وقال: ((من هجر مسلماً سنة فهو كقتله))، وفي محكم التنزيل: ﴿ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ﴾ [المائدة:32]، وفيه: ﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ﴾ [النساء:93]، وذكر صلى الله عليه وسلم: ((أنه لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة))، وقال صلى الله عليه وسلم: ((من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة))، وقال: ((لا يزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً)).

معشر المؤمنين:

وكذلك مال الشخص محترم في الإسلام فلا يؤخذ مال أحد منه إلا بطيب نفس منه أو بحقه، قال تعالى: ﴿ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾ [البقرة:188]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس))، وقال صلى الله عليه وسلم: ((من قتل دون ماله فهو شهيد))، ولذلكم حرم الله السرقة والنهبة والغصب والربا والظلم والغش والحيل، ورتب عليها سبحانه حدوداً رادعة وعقوبات مغلظة في الدنيا والآخرة، وأمر سبحانه بإصلاح الأموال وتنميتها ونهى عن بذلها إسرافاً أو تبذيراً، أو إعطائها لمن لا يحسن التصرف فيها، أو التفريط فيها بتعريضها لما يتلفها، أو التصرف فيها بما يخالف الشرع.

معشر المؤمنين:

وكما تكفلت الشريعة المطهرة بحفظ الدين وعصمت النفوس، واحترام الأموال لأنها من حقوق الناس المحترمة فقد تكفلت بصيانة أعراضهم مما يفسدها أو يدنسها، فحرمت الزنا واللواط والشذوذ الجنسي والقذف بذلك، ورتبت على هذه الجرائم الحدود الزاجرة، والعقوبات الغليظة في الدنيا والآخرة، وحرمت الغيبة والنميمة والبهت ونحو ذلك مما يدنس الشرف أو يسبب الاحتقار والغمط، أو يثير العصبية والبغضاء والعداوة وجعلت هذه الذنوب من الكبائر الموبقة، والمظالم المحققة، التي لا تغفر إلا بمغفرة أهلها، أو إحسان يقابل، أو يزيد عن إساءة المسيء إلى غيره بها.

معشر المؤمنين:

وكما صانت الشريعة المطهرة الدين والنفس والمال والعرض وحضت على حفظها وصيانتها ومنعت من الإساءة إليها والعبث بها، فكذلك كفلت الشريعة الملكية الشخصية، والحرية الشخصية، وحرية التعبير وإبداء الرأي، والاستمتاع بالمباحات، وفق الضوابط والآداب الشرعية، وحقوق المرء على غيره، وحقوق غيره عليه، بحسب منزلته ومقامه، وصفته في مجتمعه، وحاجته والحاجة إليه.

معشر المسلمين:

فمن منازل الشخص وأحواله وأوصافه أن يكون والداً، متحملاً لمسؤولية الرعاية والإنفاق والتربية لولده، وله عليهم حق البر والإكرام وحفظ الجناح، والدعاء الصالح، ورد الجميل السابق، من الولد اللاحق، وهكذا من كان في منزلة الولد ووصفه، فإن من حقوقه التعليم، والتأديب، والعدل، والغذاء والدواء والعلاج، والنفقة بحسب الحاجة، ومن الحقوق التي على الولد لوالديه البر والإحسان، وخفض الجناح، وحسن الأدب، والطاعة في غير معصية، والتواضع ومقابلة الفضل بمثله، قال تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ ﴾ [النساء:11]، وقال سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ﴾ [التحريم:6]، وقال سبحانه: ﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [الإسراء:23]، وقال تعالى: ﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ﴾ [لقمان:15].

معشر المسلمين:

ومن أحوال الإنسان أن يكون زوجاً يتعين عليه الجد في أداء حق زوجه وعشرته بالمعروف، والتغاضي عن بعض حقوقه، وما قد يبدر من زوجه من تصرف بحكم البشرية لا خيانة فيه، والاستخفاف بالطرف الآخر، والاجتهاد في معالجة السلبيات برفق وأناة، وتحري لما هو أصلحه، وجاهدة لاستكمال ما ينبغي وتشجيع الإيجابيات، والغض عن الهفوات، والعمل على استقرار وتحسن حال البيت الأسري، كلما تقدم الزمن، وتنوعت الحاجيات والمستجدات، والتعاون مع صاحبه في سد الثغرات، وقطع الذرائع أمام من لا يريد الخير للزوجين، ولا لاستقرار وضعهما الأسري والاجتماعي. ولذا جاءت نصوص الكتاب والسنة مذكرة بالواجب على الزوجين، حاثة لهما التحلي بالإحسان والتخلي عن موجبات الشقاق ومداخل الشيطان التي تخرب البيت وتشتت الأسرة، قال تعالى: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [النساء:19]، وقال سبحانه: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾ [البقرة:228]، وقال جل ذكره: ﴿ وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ﴾ [النساء:128]، وقال سبحانه: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ﴾ [النساء:35]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((خيركم خيركم لأهله))، وقال عليه الصلاة والسلام: ((إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج))، وقال صلى الله عليه وسلم: ((لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها آخر)).

أيها المسلمون:

ومن مقامات الإنسان وأحواله أن يكون ذا رحم لغيره من قريب أو بعيد من جهة البنوة أو الأخوة أو الأبوة أو العمومة أو الخؤلة، وذريات الجميع، حق الرحم الصلة والإحسان، وأن تبل ببلالها وأن تحذر قطيعتها أو فتورها وجمودها، فإن صلة الرحم محبة في الأهل، وسعة في الرزق، وطولاً -أي منسأة- في العمر على خير، وبركة في جميع الأمور، وكلما قربت الرحم، أو دعت الحاجة كان حق الصلة أوجب وأكبر، وقطيعة الرحم فساد في الأرض، وحالقة للدين، ومستخطة للرب، وموجبة للعقاب، قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ * وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ﴾ [الرعد:21-24]، وقال سبحانه: ﴿ وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ﴾ [الرعد:25]، وقال تعالى: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ * أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ [محمد:22-24].

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا ﴾ [النساء:66-70].

أيها المسلمون:

ومن أحوال الإنسان ومنازله وأوصافه التي تترتب عليها واجبات، ويستحق عليها حقوقاً أن يكون جاراً لغيره في المسكن، أو بعمل، أو الصحبة في السفر، فهو مجاور لغيره ويجاوره غيره، فعليه لكلٍ حقوق وله مثلها، وقد حظيت الجيرة بعناية عظيمة في الشرع المطهر، وعرق الناس لها شأنها وتبعاتها وإيجابياتها، وعاقبة مراعاة تلك الأمور، وتبعات الغفلة عنها، أو سوء مراعاتها، قال تعالى: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ ﴾ [النساء:36]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((خير الجيران خيرهم لجاره)) وقال: ((ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه))، وقال عليه الصلاة والسلام: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره))، وقال: ((فليكرم جاره))، وقال: ((فليحسن إلى جاره))، فإن على كل جار حقاً واجباً نحو جاره، وله عليه حق لازم بحكم جواره، وكلما إنضاف إلى الجيرة وصدف له اعتباره وحقه في الشرع، لزم له إضافة إلى حق الجوار ما يستحقه، ككونه مسلماً، أو ذا رحم، أو حاجة، أو معاهداً، فله بكل وصف معتبر في الشرع حق يؤدى إليه، ويطلب ثواب الله وفضله عليه، ويحذر شؤم منعه منه عاجلاً أو آجلاً. فمن أدى الحق الذي عليه صار أهلاً لثواب الله وإحسانه، ومن منعه عرض نفسه لإثمه وخسرانه.

أيها المؤمنون:

وهناك حقوق للمسلم على غيره يلزم أداؤها إليه عند حصول مناسبتها أو وجوب سببها الذي علق الشرع الحق به، فمن ذلك إفشاء السلام، وتشميت العاطس، وإجابة الدعوة، وإعانة المحتاج، وإغاثة الملهوف، وإعطاء السائل، وقري الضيف، وإرشاد التائه، والنصيحة للمستنصح، والدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن لا يخطب على خطبته، ولا يبيع على بيعه، ولا يسوم على سومه، وعيادة المريض، والصلاة على الجنازة، والتشييع وشهود الدفن، والستر على المستور حياً وميتاً، والتهنئة عند تجدد النعمة والمواساة عند المصيبة.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات