يا خيل الله اركبي (تقديم المصلحة العامة علي الخاصة واجب وطني) للشيخ عبدالناصر بليح





الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام علي أشرف المرسلين أما بعد فياعباد الله .
يقول الله تعالي:" قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ" (هود/88).
إخوة الايمان.حديثنا إليكم اليوم عن ضرورةتقديم المصلحة العامة علي الخاصة ..
والمصلحة في اللغة:" ضد المفسدة، وهي واحدة المصالح، "فالصاد واللام والحاء أصل واحد يدل على خلاف الفساد"[معجم اللغة العربية].
وفي الاصطلاح: عرفها الغزالي بأنها :"المحافظة على مقصود الشرع" وقال:"ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة، ودفعها مصلحة"(المستصفى، للغزالي).
وتنقسم المصلحة من حيث شمولها الي قسمين:
1- مصلحة عامة: وهي المصلحة التي تتعلق بحق الخلق كافة؛ مثل حماية الدين، وحفظ القرآن من التلاشي العام والدفاع عن الوطن وما يعود علي الجميع بالنفع ودرء المفاسد..
2-مصلحة خاصة: وهي المصلحة التي تخص فردًا معينًا كمصلحة فسخ بيع فيه غش لشخص، أو مصلحة تطليق امرأة من زوجها بسبب الضرر الواقع عليها..الخ.
إخوة الإيمان والإسلام :
إن بعض المجتمعات الإسلامية للأسف الشديد اليوم تعاني من تقديم المصالح الخاصة على المصالح العامة في الكثير من شؤون الحياة، وقد أشتهر تسمية ذلك بين الناس بالفساد الإداري، وأي فساد، وضرر أعظم من التعدي على المال العام، والحقوق العامة، والتساهل في ذلك دون خوف من الله تعالى، أومن خلقه.
إن التعدي على المصالح العامة تعدٍّ على حقوق المجتمع بأكمله، وضرر يلحق بالجميع، بل هو في الحقيقة جريمة في حق المجتمع لما له من آثار سلبية خطيرة، ولا نبالغ في القول أن ذلك أصبح مشكلة متلازمة مع المجتمعات النامية ومنها بعض المجتمعات في العالم الإسلامي.
ولاشك أن الثورات التي قامت مؤخراً في بعض المجتمعات الإسلامية تؤكد بجلاء تام أنها عبارة عن ردود أفعال طبيعية لتفشي سيطرة المصالح الخاصة على المصالح العامة، وهذه المشكلة الخطيرة من الأسباب الرئيسة التي جعلت أكثر المجتمعات الإسلامية في تخلف، وموضع ازدراء من المجتمعات المتحضرة اليوم.
إن الإسلام بتشريعاته السامية أرسى دعائم المجتمع بحفظ الحقوق العامة، والخاصة من التعدي بأي صورة من صور التعدي، فلا يجوز لأحد كائن من كان أن يتعدى، أو يستخدم سلطته في تحقيق مصالحه الخاصة البتة، وقد كانت سيرة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وصحابته الكرام، وسلف الأمة الصالح - رضي الله عنهم - زاخرة بالمواقف الناصعة، والمشرقة في المحافظة على المصالح العامة، وعدم استخدام المصالح الخاصة، بل جعلوا مصالحهم الخاصة مسخرة لخدمة المصالح العامة.
"ياخيل الله اركبي "
إخوة الإسلام :"
ومن الأمثلة التطبيقية في حياة رسولنا صلى الله عليه وسلم ما جاء في الحديث الشريف: عن أم المؤمنين السيدة عائشة - رضي الله عنها - أن قريشاً أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا من يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن يجترئ عليه إلا أُسامة حِب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَكَلَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " أتشفع في حد من حدود الله "،ثم قام فخطب، قال: " يا أيها الناس إنما ضل من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها ".(البخاري).
وما أنكره الرسول صلي الله عليه وسلم علي الرجل الذي لم يستطيع أن يميز بين الرشوة والهدية والمصلحة العامة والخاصة عندما:" استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا على صدقات بني سليم يدعى ابن اللتبية فلما جاء حاسبه قال هذا مالكم وهذا هدية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقا ثم خطبنا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله فيأتي فيقول هذا مالكم وهذا هدية أهديت لي أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته والله لا يأخذ أحد منكم شيئا بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة فلأعرفن أحدا منكم لقي الله يحمل بعيرا له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر ثم رفع يده حتى رئي بياض إبطه يقول اللهم هل بلغت بصر عيني وسمع أذني"(البخاري).
ياخيل الله اركبي :
أحباب رسول الله صلي الله عليه وسلم :"
وهذا هو الصحابي الذي تربي في مدرسة رسول الله صلي الله عليه وسلم وضرب لنا أروع الأمثلة في تقديم المصلحة العامة علي الخاصة ولاسيما إذا جاء النداء للدفاع عن الوطن والأرض والعرض فقد ورد في السيرة النبوية قصة صحابي جليل اسمه جُليبيب ، القصة دقيقة جداً لكن طرح هذه القصة يؤكد قيم هذا الدين العظيم.
جُليبيب رجل فقير، معدوم، عليه أسمال بالية، جائع البطن، حافي القدمين، مغمور النسب، لا جاه، ولا مال، ولا عشيرة، ليس له بيت يأوي إليه، ولا أثاث في البيت، ولا متاع، يشرب من الحياض العامة بكفيه مع الواردين، ينام في المسجد، وسادته ذراعه، فراشه الأرض، هل هناك أقل من ذلك؟ أي إنسان من الطبقة الدنيا الدنيا الدنيا، لا بيت ولا أهل ولا مال ولا حرفة.
وكان في وجهه دمامة، لكنه صاحب ذكر لله، وتجارة لكتاب الله، لا يغيب عن الصف الأول في كل الصلوات، ولا في كل الغزوات، ويكثر من الجلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم، كما قلت قبل قليل هو واحد من الطبقة الدنيا الدنيا، لا يملك شيئاً، ولا بيتاً، ولا مأوىً، ولا ثياباً، ولا طعاماً، ولا شراباً، ولا وسامةً، قال له النبي عليه الصلاة والسلام ذات يوم: يا جُليبيب ، ألا تتزوج؟ فقال: يا رسول الله ومن يزوجني؟ أي مستحيل أن يتزوج، فقال عليه الصلاة والسلام: أنا أزوجك يا جُليبيب.
هنا النقطة الدقيقة، لكن هذا كان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، يجب أن نعلم من هم أصحاب النبي الكريم، هؤلاء نخبة النخبة، النخبة في المجتمع البشري، هؤلاء الذين رضي الله عنهم، هؤلاء الذين خصهم بسيد الخلق وحبيب الحق، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الله تبارك وتعالى اختارني واختار لي أصحابا"(الحاكم عن عويم بن ساعدة).
أيها الأخوة الكرام؛ فقال: يا رسول الله ومن يزوجني؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أنا أزوجك يا جُليبيب. فقال جُليبيب للنبي الكريم: إذاً تجدني كاسداً يا رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام: غير أنك عند الله لست بكاسدأنت عند الله غال ياجليبيب
وقال:يارسول الله ايمنعني سوادي ودمامة وجهي من دخول الجنة ؟ قال صلى الله عليه وسلم:لا والذي نفس محمد بيده ما ايقنت بربك وامنت بما جاء به رسوله. قال فو الذي اكرمك بالنبوة ولقد شهدت بأن لا اله الا الله وان محمد عبده ورسوله ولقد خطبت الى عامة من بحضرتك فردوني لسوادي ودمامة وجهي فقال صلى الله عليه وسلم: اتعرف بيت عمرو بن وهب قال :نعم قال:فأذهب اليه واخطب منه ابنته وكان لعمرو فتاة رائعة الجمال يتنافس عليها شباب العرب وسراتهم فعجب عمرو بن وهب لغرابة الأمر ولكنه لطاعة امر الرسول ذهب الى البيت ثم تردد في قبول طلبه وقال له دعني اتروى في امري وتركه سعد ثم مضى إلى أمها، وقال لها:" إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إليك ابنتك، قالت: نعم لرسول الله، ومن يرد النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال لها: إنه لا يريدها لنفسه، قالت: لمن؟ قال: يريدها لجُليبيب، قالت: لجُليبيب؟! لا لعمر الله، لا أزوج جُليبيباً، أي شبه مستحيل، لا بيت، ولا وسامة، ويعيش في الطرقات، أقل واحد في المدينة، وقد منعناها فلاناً وفلاناً، نعطيها جُليبيب؟! كان قد خطبها عشرة وكلهم أعلى من جُليبيب بمئات المرات ..ولكن الفتاة سمعت طرفاً من الحديث سألت والدها ماذا يريد الرجل؟ فلما أخبرها قالت ويحك يا أبي أولك أمر بعد رسول الله؟الحق بالرجل وإلا أنزل فينا من الله من فوق سبع سماوات أيات يفضحنا فيها وخرج عمرو يهرول ليدرك الرجل فلقيه عند الرسول الله وقال له:"قبلنا طلبك" وانفجرت أسارير جُليبيب ثم قال الرسول صلي الله عليه وسلم :"أعينو أخاكم على قضاء زواجه"فجعلوا له أربعمائة درهم فأخذها في صرة ورفع النبي صلى الله عليه وسلم كفيه الشريفتين، وقال: اللهم صب عليهما الخير صباً، ولا تجعل عيشهما كداً،وبينما جُليبيب منطلق الى السوق ليأتي ببعض مستلزمات الزواج, سمع المنادي ينادي:" ياخيل الله اركبي والى الله ارغبي" فنسى جليبيب زواجه ودنياه ومال إلى سوق السلاح فاشترى بكل مامعه فرسا وسيفاً ورمحاً ولثاماً وضعه على وجهه وانطلق مع الجيش الغازي فلم يُرى مثله مُقاتلاً في هذا اليوم حتى تعجب من الصحابة!! وبعد المعركة وقع من الفريقين أسرى وجرحى وبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يتفقدهم رأى الرجل صاحب اللثام شهيدا ورفع اللثام عن وجهه فإذا به سعد السلمي الملقب ب" جُليبيب " وبكى الرسول شوقاً إليه حتى رأى أزواجه من الحور العين يتبادرنه ثم قال الرسول الله صلى الله عليه وسلم لصحبه:"اذهبوا إلى بيت وهب وقولوا لوهب إن الله تعالى أبدله فتاة خيراً من فتاتكم أي(من الحور العين في جنات النعيم ).ابن الجوزي: صفة الصفوة ص283.عن ابن سعد في الطبقات).
وورد في صحيح مسلم عَنْ أَبِي بَرْزَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي مَغْزًى لَهُ فَأَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ:"هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ" قَالُوا: نَعَمْ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا، ثُمَّ قَالَ :"هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ" قَالُوا: نَعَمْ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا، ثُمَّ قَالَ:"هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ"، قَالُوا: لَا، قَالَ:" لَكِنِّي أَفْقِدُ جُلَيْبِيبًا فَاطْلُبُوهُ"، فَطُلِبَ فِي الْقَتْلَى فَوَجَدُوهُ إِلَى جَنْبِ سَبْعَةٍ قَدْ قَتَلَهُمْ ثُمَّ قَتَلُوهُ، فَأَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ النبي:"قَتَلَ سَبْعَةً ثُمَّ قَتَلُوهُ هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ"، قَالَ فَوَضَعَهُ عَلَى سَاعِدَيْهِ لَيْسَ لَهُ إِلَّا سَاعِدَا النَّبِيِّ قَالَ: فَحُفِرَ لَهُ وَوُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ غَسْلًا".(مسلم).
ياخيل الله اركبي
أيها الناس :
ومن الأمثلة المشرقة في حياة صالحي الأمة، ما قام به الخليفة الراشد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في المحافظة الشديدة على المصالح العامة، فمن مواقفه المعروفة: إن ابنه عبد الله بن عمر - رضي الله عنه -: اشترى إبلاً وأرسلها إلى الحمى حتى سمنت، فدخل عمر السوق فرأى إبلاً سماناً فقال: لمن هذه الإبل؟ قيل: لعبد الله بن عمر، قال: فجعل يقول: يا عبد الله بن عمر بخ... بخ... ابن أمير المؤمنين، ما هذه الإبل؟ قال: قلت: إبل اشتريتها وبعثت بها إلى الحمى، أبتغي ما يبتغي المسلمون، قال: فقال: فيقولون: ارعوا إبل ابن أمير المؤمنين، اسقوا إبل ابن أمير المؤمنين، يا عبد الله بن عمر اغد إلى رأس مالك، واجعل باقيه في بيت مال المسلمين.[ ( البيهقي، و ابن عساكر، تاريخ دمشق، باب سيرة عمر بن الخطاب،).
وإذا نظرنا نظرة خاطفة وسريعة على أغلب المؤسسات منذ زمن بعيد..سنجد أن من يشغلون الوظائف الحساسةفيها من أبناءعلية القوم من المسؤلين وصارت عامة الوظائف بالوراثة أوبالرشوة والمحسوبية وليس بالكفاءة .. المدير يخلف ابنه وراءه وكذا هذا وذاك ..يستقطعون من حق الرعية ليميزوا أبناءهم ويحتفظوا لهم بامتيازات فوق باقي الخلق..!!يستحلون أخذ حقوق الناس، ويسلبونهم إياها.!! فياأيهاالمسؤل والمدير .. ألم تسمع يومًا بخبر(ابن أمير المؤمنين)؟؟ نعم.. لم تسمع ولو سمعت لم تعقل فهاك إذن خبر أمير المؤمنين وابنه.. موقف في غاية الورع، والزهد، والمحافظة على المصالح العامة، وعدم تقديم المصالح الخاصة عليها، وفي الحقيقة أن السيرة النبوية الشريفة، وسيرة الخلفاء الراشدين، وصالح الأمة زاخرة بهذه المواقف المضيئة، والمشرقة في سماء المجتمع المسلم، ولا شك أن هذا سر عظيم، ومفتاح أساس في المحافظة على المجتمع، وتطوره، والرقي به، فحينئذ نحن بحاجة ماسة جداً للعودة الصادقة إلى سيرة نبي الأمة، وتلمس أسرار نجاحها، وتفوقها حتى نستطيع أن نعيد للأمة مجدها وعزها.
أيهاالناس :"وقد وقف رسول الله صلي الله عليه وسلم لأولئك الذين يولون المناصب لزويهم وأقاربهم وأهل الثقة من أتباعهم بالمرصاد فعن يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ,قَالَ:"شَيَّعَنِي أَبُو بَكْرٍ حِينَ بَعَثَنِي إِلَى الشَّامِ فَقَالَ:"يَا يَزِيدُ ! إِنَّكَ عَلَى مَحَبَّةِ ذَوِي قَرَابَتِكَ،وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،يَقُولُ:"مَنْ وَلَّى ذَا قَرَابَةٍ لَهُ مُحَابَاةً وَهُوَ يَجِدُ خَيْرًا مِنْهُ لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ "(أحمد).
ياخيل الله اركبي
إخوة الإيمان والإسلام :
ولازلنا مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يقدم المصلحة العامة علي الخاصة فنجد الكثير في هذه الأيام يطالب ببيع أصول وأراضي الدولة بداعي الخصخصة من أجل الاستثمار وهو بذلك يعمل لمصلحته الخاصة فقط دون النظر لمن سيأتي من بعده .. وقد دارت حول أرض السواد بالعراق وفارس نقاش فقهي بين الصحابة، فقد فتحت أراضي السواد حرباً زمن عمر بن الخطاب بعد القادسية، وكان النبي محمد يقسم غنائم الحرب بين المجاهدين، فيجعل 80% منه للمجاهدين، ويترك 20% فيصرفها في مصالح المسلمين العامة، وذكر في القرآن في هذا الباب: "وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ"[الأنفال /41]
واختلف الصحابة في قسمة أرض السواد، فذهب بلال وعمرو بن العاص والزبير بن العوام إلى المطالبة بقسمة الأرض، فيما ذهب علي بن أبي طالب وعثمان ومعاذ بن جبل وطلحة بن عبيد الله وأبو عبيدة وعبد الله بن عمر بألا تقسم، كما أجمع الأنصار على ألا تقسم أيضا.
ثم حسم عمر بن الخطاب الخلاف، ورأى أن تقسم على جميع المسلمين،وتعم المصلحة العامة وقا ل كيف اقسمه لكم وادع من يأتي من بعدكم بغير قسم ؟فجاء عن عمر أنه قال اجتمعوا حتي ننظر لمن هذا المال –حين أتي بالفيء- فلما اجتمعوا قا ل إني قرأت آيات من كتاب الله فاكتفيت بها :"مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ"(الحشر/7). وقال عمر:"ما أرى هذه الآية إلا عمت الخلق كلهم".(بداية المجتهد لابن رشد). ثم قرأ :" وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ .."(الحشر/9). ثم قال :" وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ"(الحشر/10).ثم قال ما أحد من المسلمين إلا له في هذا الفيء حق إلا ماملكت أيمانكم (البيهقي). وبهذا قرر الصحابة بقاء أرض السواد في أيدي أصحابها، مع فرض الخراج عليهم.[ الموسوعة الإسلامية الميسرة - ج 7.].
عباد الله :"أقولي قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم والتائب من الذنب "
الخطبة الثانية:
الحمد لله , والصلاة والسلام علي رسول الله .أما بعد:" فياعباد الله .
لازلنا نواصل الحديث حول تقديم المصلحة العامة علي الخاصة وينبغي أن يعي كل مسلم ذلك جيداً فقد حبب الإسلام في الإيثار علي النفس والبعد عن الأنانية وقد قال رسول الله :" ولاأحب الأثرة " أي الأنانية .
فالداعية المسلم لابد أن يتجرد من المصالح الخاصة وأن ينزه علمه عن جعله سلّماً يتوصل به إلى الأغراض الدنيوية من جاه أو سمعة أو شهرة أو خدمة أو تقدم على أقرانه.. وكذلك ينزهه عن الطمع .. إن التجرد عن المصلحة الخاصة هو منهج الرسل الكرام، فقد كان لسان حالهم ومقالهم، قال تعالى:"يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ" (هود/51). وقال عن نبينا صلى الله عليه وسلم :"قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى "(الشوري/43).
والطبيب لابد أن يتجرد من انانيته فلايترك عمله بالمستشفي المكلف بها ويتفرغ لعيادته ويغالي في أجرته دون رحمة وشفقة بالمرضي فديننا الإسلامي يدعوا للرحمةوالشفقة والرفق :" ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء , من لايرحم لايرحم . الراحمون يرحمهم الرحمن "
والمدرس كذلك الذي كلفه الله عز وجل بأداء رسالة سامية فيترك شرح المادة بضميروعنايةوعزيمة صادقة.. كي يقوم بإعطاء الدروس الخصوصية مستنزفاً بذلك دخل الأسر الفقيرة وما يحصله من مال فهو كسب سحت وكل جسم نبت من سحت فالنارأولي بهكما قال صلي الله عليه وسلم :" لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت، النار أولى به"(أحمد).

والتاجر الذي يحتكر السلعة ليغلي ثمنها يؤثر مصلحته الخاصة علي مصلحة الجميع فهو خاطيء كما أخبررسول الله صلي الله عليه وسلم :" لايحتكر إلاخاطيء"(مسلم). وقد رَوَى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قال " الجالب مرزوق والمحتكر ملعون "(ابن ماجة). ويقول:"من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم كان حقا على الله أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة :"(أحمد).
ومن تقديم العام علي الخاص،
لو أن الغني المقتدر(راتبه عشرة الاف جنيه اومايعادله دخل شهري) ومع ذلك يحصل علي دعم :"السلع الغذائية-الخبز والسكر والزيت "وهوليس في حاجة اليها ، فهو انسان أناني يؤثر نفسه ولايؤثر عليها ، ولو تقدم بطلب أنه ليس في حاجة إليها ومتنازل عنها لدعم فقير ،لكانت له صدقة ويخلف الله عليه بالحلال .:" وَمَا تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا "(المزمل/20). وبذلك يكون قدم المصلحة العامة علي الخاصة.
قدم لنفسك خيرا *** و أنت مالك مالك
من قبل أن تفني *** ويصبح حالك حالك
فلست والله تدرى *** أي المسالك سالك
إما في جنة عدن *** أو في المهالك هالك.

التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات