حقوق الأبناء على الآباء في الشريعة الغرَّاء للشيخ السيد مراد سلامة






عناصر الخطبة:

العنصر الأول: الأبناء هم هبة الله وهم ثمار قلوبنا.

العنصر الثاني: الأبناء هم أمنية الأنبياء وقرة عين الأولياء.

العنصر الثالث: حقوق الأبناء.



الخطبة الأولى

أمة الإسلام: حديثنا في ذلك اليوم الطيب الأغر مع نعمة من أجل النعم على بني الإنسان إنها نعمة الأبناء الذين هم قرة عيون الموحدين وعماد ظهور الإباء والأمهات وهم حملة الرسالة ومستقبل الأمة، ولحن الخلود، اسمعوا إلى الأميري وهو يصف لنا الأبناء.

أين الضجيج العذب والشغبُ 
أين التدارس شابه اللعبُ
أين الطفولة في توقدها
أين الدمى في الأرض والكتب
أين التشاكس دونما غرض
أين التشاكي ماله سبب
أين التباكي والتضاحك في
وقت معا والحزن والطرب
أين التسابق في مجا ورتي
شغفا إن أكلوا وإن شربوا
يتزاحمون على مجالستي
والقرب مني حيثما انقلبوا
يتوجهون بسوق فطرتهم
نحوي إذا رهبوا وإن رغبوا
فنشيدهم بابا إذا فرحوا
ووعيدهم بابا إذا غضبوا
وهتافاتهم بابا إذا ابتعدوا
ونجيهم بابا إذا اقتربوا


فمن هم الأبناء وما هي حقوقهم في الشريعة الغراء؟

أعيروني القلوب والأسماع:

العنصر الأول: الأبناء هم هبة الله وهم ثمار قلوبنا:

لقد امتن الله سبحانه على عباده في غير ما آية من القران الكريم بنعمة الأبناء.

فقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء ﴾ [النساء: 1].



قال سبحانه وتعالى ﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً ﴾ [النحل: 72].



عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، قَالَ: غَضِبَ مُعَاوِيَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى ابْنِهِ، فَهَجَرَهُ، فَقَالَ لَهُ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ! أَوْلَادُنَا ثِمَارُ قُلُوبِنَا وَعِمَادُ ظُهُورِنَا، وَنَحْنُ لَهُمْ سَمَاءٌ ظَلِيلَةٌ وَأَرْضٌ ذَلِيلَةٌ، إِنْ غَضِبُوا، فَأَرْضِهِمْ، وَإِنْ سَأَلُوا، فَأَعْطِهِمْ، وَلَا تَكُنْ عَلَيْهِمْ قُفْلًا، فَيَمَلُّوا حَيَاتَكَ وَيَتَمَنُّوا مَوْتَكَ "[1].



العنصر الثاني الأبناء هم أمنية الأنبياء وقرة عين الأولياء:

أحباب رسول الله – صلى الله عليه وسلم- الأبناء هم أمنية الأنبياء والأولياء والصالحين وقد اخبرنا الله تعالى عن ذلك في كتابه وهاك بيانه:

أمنية إبراهيم عليه الصلاة وسلام:

﴿ وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ [الصافات: 9] فيجب علينا إذا حرصنا على الذرية ألا نحرص عليها لمجرد أن نكون آباء وأن يكون لنا أبناء، بل يجب عليا أن يكون حرصنا على صلاح الذرية أن تكون ذرية طيبة صالحة 9، 100.



وأمنية زكريا عليه السلام:

﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ﴾ [آل عمران: 38].



وقرة عين عباد الرحمن:

﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾ [الفرقان: 74].

قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: (الرجل يرى زوجته وولده مطيعين لله عز وجل، وأي شيء أقر لعينه من أن يرى زوجته وولده يطيعون الله عزو جل ذكره) [2].



العنصر الثالث: حقوق الأبناء:

1- أن يختار لهم أما صالحة لا يعيرون بها:

أول هذه الحقوق اختيار الأمة الصالحة لأنها مثل الأرض فإن كانت طيبة صالحة فطيب نبتها وإن كانت خبيثة فخبيث نبتها قال أبو الأسود الدؤلي لبنيه: "قد أحسنت إليكم صغارا وكبارا، وقبل أن تولدوا، قالوا: وكيف أحسنت إلينا قبل أن نولد؟ قال: اخترت لكم من الأمهات من لا تسبون بها". وأنشد الرياشي:

فأول إحساني إليكم تخيري *** لماجدة الأعراق باد عفافها[3]



فهو يقول لهم أنني أول شيء أحسنت إليكم به أنني اخترت لكم أماً صالحة، هذا عمل عظيم، أول ما يمن به الإنسان على أولاده أنا اخترت لكم الأم، فهذه من ناحية الرجل كيف يختار الزوجة الصالحة التي تسره إذا نظر وتطيعه إذا أمر وتحفظه إذا غاب (فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله) فهناك امرأة تكون نعمة وأخرى تكون مصيبة ونقمة، إذا دخلت عليها سبَّتك، وإذا غبت عنها خانتك والعياذ بالله فهذا أول شيء، ومن ناحية المرأة يجب أن تختار أيضاً الرجل الصالح والزوج الصالح وكذلك أوليائها معها يشاركونها في هذا الأمر، النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض"[4].



قال أكثم بن صيفي لولده: "يا بني لا يحملنكم جمال النساء عن صراحة النسب؛ فإن المناكح الكريمة مدرجة للشرف".

قال شيخ من بني سليم لابنه: يا بني إياك والرقوب الغضوب القطوب.

الرقوب التي تراقبه أن يموت فتأخذ ماله.

وأوصى بعض الأعراب ابنه في التزوج فقال: إياك والحنانة والمنانة والأنانة.

فالحنانة التي تحن لزوج كان لها، والمنانة التي تمن على زوجها بمالها، والأنانة التي تئن كسلا وتمارضا [5].



ثانيا: تسميتهم بأسماء حسنة:

فالذي يجدر بالوالدين أن يسموا أولادهم أسماء إسلامية عربية حسنة، وأن يحذروا من تسميتهم بالأسماء الممنوعة، أو الأسماء المكروهة، أو المشعرة بالقبح، فالأسماء تستمر مع الأبناء طيلة العمر، وتؤثر بهم، وبأخلاقهم.

قال ابن القيم-رحمه الله-: "فقل أن ترى اسماً قبيحاً إلا وهو على مسمى قبيح كما قيل

وقل أن أبصرت عيناك ذا لقب *** إلا ومعناه لو فكرت في لقبه



والله -سبحانه- بحكمته في قضائه وقدره يلهم النفوس أن تضع الأسماء على حسب مسمياتها؛ لتناسب حكمته- تعالى- بين اللفظ ومعناه كما تناسبت بين الأسباب ومسبباتها.



قال أبو الفتح ابن جني: ولقد مر بي دهر وأنا أسمع الاسم لا أدري معناه، فآخذ معناه من لفظه، ثم أكتشفه، فإذا هو ذلك بعينه، أو قريب منه[6].



وما أجمل قول البيحاني في منظومته:

سم الذي جئت به محمدا
أو طاهرا أو مصطفى أو أحمدا
نعم وإن شئت فعبد الله
لكي يعيش تحت لطف الله
والبنت سميها بأم هاني
لا باسم فيروز ولا اسمهان


التطبيق العلمي لذلك الحق:

فقد كان صلى الله عليه وسلم يغيّر الأسماء غير الجميلة إلى أسماء جميلة، ويأمر بذلك فمما ورد عنه- صلى الله عليه وسلم-

عن ابن عمر رضى الله عنهما: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- غير اسم عاصية قال:« أنت جميلة ». رواه مسلم[7].



عن أسامة بن أخدرى: أن رجلا من بنى شقرة يقال له اصرم وكان في النفر الذين أتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتاه بغلام له حبشي اشتراه من تلك البلاد. فقال: يا رسول الله إني اشتريت هذا وأحببت أن تسميه وتدعو له بالبركة، قال: ما اسمك أنت قال: أنا أصرم، قال: بل أنت زرعة، قال: ما تريده قال أريده راعيا، فقال: هو عاصم هو عاصم وقبض النبي - صلى الله عليه وسلم - كفه[8].



في الصحيح عن سعيد بن المسيب -رحمه الله - عن أبيه عن جده قال: أتيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ما اسمك؟"

قال: حزنٌ. قال: "أنت سهلٌ"

قال: لا أغيرُ اسماً سَمّانيه أبي !!

قال ابن المسيب: فما زالت الحزونة فينا بعد" !![9].



قصة: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب يشكو إليه عقوق ابنه فأحضر عمر الولد وأنّبه على عقوقه لأبيه ونسيانه لحقوقه عليه، فقال الولد: يا أمير المؤمنين أليس للولد حقوق على أبيه؟ قال: بلى، قال: فما هي يا أمير المؤمنين؟.



قال عمر: أن ينتقي أمه ويحسن اسمه ويعلّمه الكتاب أي "القرآن ". قال الولد: يا أمير المؤمنين إنّ أبي لم يفعل شيئًا من ذلك، أما أمي فإنها زنجيّة كانت لمجوس... وقد سمّاني جُعْلاً أي " خنفساء " ولم يعلّمني من الكتاب حرفاً واحداً. فالتفت عمر رضي الله عنه إلى الرجل وقال له: جئت إليّ تشكو عقوق ابنك وقد عققته قبل أن يعقّك، وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك... [10].



فتربية الأبناء. تبدأ باختيار الأم الصالحة والاسم الحسن ثم المداراة والتوجيه برفق، والموعظة الحسنة المستقاة من كتاب اللّه وسنه رسوله. تلك هي منطلقات الحياة الفاضلة والخلق النبيل لرجال الغد، وبناة المستقبل ورحم اللّه ولداً أعان ولده على برّه.



ثالثا: غرس الإيمان والعقيدة الصحيحة في نفوس الأولاد:

وهذا هو أوجب شيء على الوالدين-أن يحرصوا كل الحرص، على هذا الأمر، وأن يعاهدوه بالسقي والرعاية، كأن يعلم الوالد أولاده منذ الصغر أن ينطقوا بالشهادتين، وأن يستظهروها، وينمي في قلوبهم محبة الله- عز وجل- وأن ما بنا من نعمة فمنه وحده، ويعلمهم- أيضا- أن الله في السماء، وأنه سميع بصير، ليس كمثله شيء، إلى غير ذلك من أمور العقيدة، وهكذا يوجههم إذا كبروا إلى قراءة كتب العقيدة المناسبة لهم.



عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-:« كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ كَمَا تَنَاتَجُ الإِبِلُ مِنْ بَهِيمَةٍ جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّ ِنْ جَدْعَاءَ »

قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ وَهُوَ صَغِيرٌ؟ قَالَ:« اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ »[11].



الواقع التطبيقي لهذا الحق:

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِنَّ نَبِىَّ اللَّهِ نُوحًا - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، قَالَ لابْنِهِ: إني قَاصٌّ عَلَيْكَ الْوَصِيَّةَ، آمُرُكَ بِاثْنَتَيْنِ، وَأَنْهَاكَ عَنِ اثْنَتَيْنِ، آمُرُكَ بِلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَإِنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَالأَرْضِينَ السَّبْعَ لَوْ وُضِعَتْ في كِفَّةٍ، وَوُضِعَتْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ في كِفَّةٍ، رَجَحَتْ بِهِنَّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَلَوْ أَنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَالأَرْضِينَ السَّبْعَ كُنَّ حَلْقَةً مُبْهَمَةً قَصَمَتْهُنَّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ العظيم وَبِحَمْدِهِ، فَإِنَّهَا صَلاَةُ كُلِّ شَىْءٍ، وَبِهَا يُرْزَقُ الْخَلْقُ، وَأَنْهَاكَ عَنِ الشِّرْكِ وَالْكِبْرِ" أحمد [12].



رابعا تعليمهم الفرائض والمحافظة عليها:

ومن اكد الحقوق والواجبات أن نعلمهم الفرائض وأن نربيهم على طاعة الله تعالى، وهل هناك أهدف اسمى من انجاب الأبناء إلا ذلك الهدف؟

عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدهِ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: « مُرُوا أوْلادَكُمْ بِالصَّلاةِ وَهُمْ أبْنَاءُ سَبْعِ سِنينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا، وَهُمْ أبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ في المضَاجِعِ ». [13] رواه أَبُو داود.



في هذا الحديث: مشروعية أمر الأولاد، ذكورًا كانوا أو إناثًا بالصلاة إذا بلغوا سبع سنين، وهو سِنُّ التمييز، وتأديبهم عليها إذا بلغوا عشر سنين، والتفريق بينهم في المضاجع حينئذٍ لأنها تنتشر فيها الشهوة[14].



الواقع التطبيق لهذا الحق:

عن الربيع بنت معوذ بن عفراء قالت: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة من كان أصبح صائما فليتم صومه ومن كان أصبح مفطرا فليصم بقية يومه زاد حميد قال فكنا بعد ذلك نصومه ونصوم صبياننا الصغار ونذهب بهم إلى المسجد ونجعل لهم اللعية من العهن فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناها إياه حتى يكون عند الإفطار أخرجاه.



خامسا تعليمهم الأمور المستحسنة، وتدريبهم عليها:

كتشميت العاطس، وكتمان التثاؤب، والأكل باليمين، وآداب قضاء الحاجة، وآداب السلام ورده، وآداب الرد على الهاتف، واستقبال الضيوف، والتكلم بالعربية وغير ذلك.



فإذا تدرب الولد على هذه الآداب والأخلاق، والأمور المستحسنة منذ الصغر-ألفها وأصبحت سجية له؛ فما دام أنه في الصبا فإنه يقبل التعليم والتوجيه، ويشب على ما عود عليه كما قيل:

وينشأ ناشئ الفتيان منا *** على ما كان عوده أبوه



وكما قيل:

إن الغصون إذا قومتها اعتدلت *** ولا يلين إذا قومته الخشب



وكما قال صالح بن عبد القدوس:

وإن من أدبته في الصبا
كالعود يسقى الماء في غرسه
حتى تراه ناضرا مورقاً
بعد الذي قد كان من يبسه


الواقع التطبيقي لهذا الحق:

عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، سَمِعَ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ، يَقُولُ: كُنْتُ أَطْعَمُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الْقَصْعَةِ، فَقَالَ: يَا غُلامُ سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ[15].



• فاتك القطار:

يقول الدكتور محمد الصباغ: جاء رجل إلى مالك بن نبى يسترشده لتربية مولود له، فسأله: كم عمره؟ قال: شهر، قال: فاتك القطار.



قال: وكنت أظن بادئ الأمر أني مبالغ، ثم إني عندما نظرتُ وجدت أن ما قُلتُه الحقُّ، وذلك أن الولد يبكي، فتعطيه أمه الثدي، فينطبع في نفسه أن الصراخ هو الوسيلة إلى الوصول إلى ما يريد، ويكبر على هذا، فإذا ضربه اليهود بكى في مجلس الأمن يظن أن البكاء يوصله حقه[16].



الأمام أحمد بن حنبل – رحمه الله -عن إبراهيم بن شماس قال: كنت أعرف أحمد بن حنبل وهو يقيم الليل وهو غلام صغير.



يحكي أبو بكر المروزي عن أبي العفيف وهو يحكي عن الإمام أحمد قال: كان في الكتاب معنا وهو غُلَيِّم نعرف فضله، وكان النساء يبعثون إلي معلم الكتاب أن يبعث إليهن بأحمد ابن حنبل ليكتب لهن جواب كتبهن، فكان يجئ إليهن مطأطئ الرأس، وربما أمليت عليه الشيء من المنكر فيمتنع.



وكانت أمه تذهب إلى صلاة الفجر وتأخذه معها[17].

الأم مدرسة أذا أعددتها
أعددت شعبا طيّب الاعراق.
الأم روض إن تعهد الحيا
بالري أورق أيماً إيراق.
الأم أستاذ الأساتذة الأُلى
شغلت مآثرهم لدى الآفاق.
من لى بتربية النساء فإنها
في الشرق علة ذلك الإخفاق


سادسا: تعليمهم القران ومحبة النبي العدنان:

جاء في الأثر وان كان لا يصح بل سنده ضعيف عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنهم - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"أدبوا أولادكم على خصال ثلاث: على حب نبيكم، وحب أهل بيته، وعلى قراءة القرآن، فإن حملة القرآن في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله مع أنبيائه وأصفيائه"[18].



عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو، أن رجلا أتى النبي -صلى الله عليه وسلم - بابن له، فقال: يا رسول الله، إن ابني هذا يقرأ المصحف بالنهار، ويبيت بالليل، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما تنقم أن ابنك يظل ذاكرا، ويبيت سالما[19].



وانطلق الصحابة رضوان الله عليهم يعلمون ابناءهم القرآن، استجابة لتوجيهات النبي -صلى الله عليه وسلم -، فعن مصعب بن سعد، عن سعد، قال: قال رسول الله: خياركم من تعلم القرآن وعلمه وأخذ بيدي وأجلسني في مكاني هذا[20].



ويقول القابسي: "فمن رغب إلى الله أن يجعل له من ذريته قرة أعين، لم يبخل على ولده بما ينفقه عليه في تعليمه القرآن، فلعل الوالد إذا أنفق ماله في تعليمه القرآن أن يكون من السابقين بالخيرات - بإذن الله - والذي يعلِّم ولده فيحسن تعليمه، ويؤدبه فيحسن تأديبه، قد عمل عملاً يُرجَى له من تضعيف الأجر فيه"[21].



الواقع التطبيق لهذا الحق:

ومن شدة حرص الصحابة على ارتباط أطفالهم بالقرآن، وحصول بركة القرآن لأولادهم: تحين أوقات نزول هذه البركات القرآنية، ليحضرها أطفالهم، عن ثابت، أن أنس بن مالك، كان إذا ختم القرآن جمع أهله وولده، فدعا لهم[22].



وهذا ابن عباس -رضي الله عنهم -يفاخر أنه قرأ المحكم على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو طفل صغير، فعن سعيد بن جبير، قال: سمعت ابن عباس، قال: إن الذي تدعونه المفصل هو المحكم، توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأنا ابن عشر سنين، وقد قرأت المحكم[23] البخاري.



وأما السلف الصالح رضوان الله عليهم، فقد ساروا المسار نفسه، ومشوا الطريق نفسه، فقد جاء في مقدمة كتاب المعلمين لابن سحنون: أن القاضي الورع عيسى بن مسكين كان يقرئ بناته وحفيداته.. قال عياض: فإذا كان بعد العصر دعا ابتيه وبنات أخيه ليعلمهن القرآن والعلم، وكذلك كان يفعل قبله فاتح صقلية - أسد بن الفرات - بابنته أسماء التي نالت من العلم درجة كبيرة [24]".



سابعا: رعايتهم وجدانيا وعاطفيا:

هذا بالإضافة إلى رعاية هؤلاء الأبناء وجدانيًّا؛ وذلك بالإحسان إليهم ورحمتهم، وملاعبتهم وملاطفتهم، وقد ورد في ذلك أن الرسول قَبَّل الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبَّلتُ منهم أحدًا، فنظر إليه رسول الله فقال: "مَنْ لاَ يَرْحَمُ لاَ يُرْحَمُ"[25].



الواقع التطبيق لهذا الحق:

كما روى شداد بن الهاد عن أبيه قال: خرج علينا رسول الله في إحدى صلاتي العشاء، وهو حامل حَسَنًا أو حسينًا، فتقدَّم رسول الله فوضعه، ثم كبر للصلاة، فصلَّى، فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها، قال أبي: فرفعت رأسي وإذا الصبي على ظهر رسول الله وهو ساجد، فرجعت إلى سجودي، فلمَّا قضى رسول الله الصلاة قال الناس: يا رسول الله، إنك سجدت بين ظهراني صلاتك سجدة أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمر، أو أنه يوحى إليك. قال: "كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي، فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ"[26].



وروى أيضًا أنس بن مالك أن رسول الله قال: "إِنِّي لأَدْخُلُ فِي الصَّلاَةِ وَأَنَا أُرِيدُ إِطَالَتَهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلاَتِي مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ"[27].



أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم الكريم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب؛ فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.



الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما.



أما بعد:

ثامنا: حق الرضاع:

وهو من الحقوق الأساسية للطفل بعد الولادة، وقرره القرآن الكريم وحدد الحد الأعلى له، فقال تعالى: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ﴾ [البقرة: 233].



ثم بين القرآن الكريم أن نفقة الرضاعة ونفقة الأم واجبة على الأب، فقال تعالى: ﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [البقرة: 233]. فإن لم ترضع الأم لسبب ما فعلى الأب نفقة الظئر المرضعة وهو حق للطفل ليكون الغذاء الأساسي للطفل طبيعيا من ثدي أمه أو من غيرها، وليس من طريق آخر كما هو الشأن اليوم عند تخلي الأم أولا والنساء ثانيا عن الإرضاع الطبيعي الذي ثبت فضله وأهميته، ثم تقوم الدعوة من جديد للمناداة به والمطالبة فيه وخاصة إذا كان الطفل في أيدي الخادمات والشغالات وما يعانيه جسميا ونفسيا وتربويا مما يجب التنبه له والحذر منه.



تاسعا: حق الحضانة:

ومن حقوق الأبناء الحضانة وهي رعاية الطفل والقيام بشئونه من طعام وشراب ونظافة في الفترة الأولى من حياته، وهي فترة طويلة جدا نسبيا إذا ما قورنت بسائر المخلوقات لذلك قرره الشرع حقا للطفل وواجبا على الأبوين، ونظرا لطبيعة هذه المرحلة، فإن الأم أحق بحضانة الطفل من غيرها، تحت إشراف لطبيعة هذه المرحلة، فإن الأم أحق بحضانة الطفل من غيرها، تحت إشراف الأب، ولو طلقت الأم فهي أحق بحضانة ابنها لقوله: (( أنت أحق به ما لم تتزوجي )) [28] رواه أحمد.



عاشرا: حقه في النفقة:

أخوة الإسلام القد كفل الإسلام حق الأبناء في النفقة.. وأمر بها الآباء حتى يكبروا ويعملوا ويعتمدوا على أنفسهم، بل بين النبي – صلى الله عليه وسلم -أنه حري بالمسلم أن يترك لأولاده ما يستغنون به عن سؤال الناس وتكففهم.



عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: مرضت بمكة، فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني، فقلت: إن لي مالا كثيرا، وليس يرثني إلا ابنتي، أفأوصي بثلثي مالي؟ قال: لا، قلت: فالشطر؟ قال: لا، قلت: فالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير أو كبير، إنك إن تدع ورثتك أغنياء، خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس، إنك لن تنفق نفقة إلا أجرت فيها حتى اللقمة ترفعها في امرأتك[29].

وقال – صلى الله عليه وسلم -: "كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت"



الحادي عشر: حق العدل بين الأبناء:

أخوة الإسلام: ومن الحقوق الواجبة للابنا ءان نتقي الله تعالى وأن نعدل فيما بينهم فالعدل أساس المحبة والألفة والظلم والجور أساس البعض والحسد والحقد، فالوالد الذي يخير بعض الأبناء على بعض قد جار في حكمه وعدله والقى بين أبنائه البغض والكراهية



لذا جاء الشريعة تأمرنا بالعدل القبلات لما رواه الشعبي أن رسول الله قال: اعْدِلُوا بين أولادكم فى النِّحَل كما تحبون أن يعدلوا بينكم في البر والعطف[30].



الواقع التطبيقي لهذا الحق:

قصة النعمان ووالده – رضي الله عنهم-عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَتِ امْرَأَةُ بَشِيرٍ: انْحَلِ ابْنِى غُلاَمَكَ وَأَشْهِدْ عَلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: إِنَّ ابْنَةَ فُلاَنٍتَسْأَلُنِى أَنْ أَنْحَلَ ابْنَهَا غُلاَمِى وَقَالَتْ أَشْهِدْ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ:« أَلَهُ إِخْوَةٌ ». قَالَ: نَعَمْ قَالَ:« فَكُلَّهُمْ أَعْطَيْتَ مِثْلَ مَا أَعْطَيْتَهُ ». قَالَ: لاَ قَالَ: « فَلَيْسَ يَصْلُحُ هَذَا وَإِنِّى لاَ أَشْهِدُ عَلَى جَوْرٍ »[31]. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.



وهناك قصة لطيفة رواها البيهقي في شعب الإيمان: أن رجلاً كان جالساً مع النبي صلى الله عليه وسلم فجاء ابن له ذكر، فقبله وأجلسه في حجره، ثم جاءت ابنته -بنت نفس الأب هذا-فأخذها فأجلسها إلى جنبه.إذاً الابن في حجره والبنت إلى جنبه، والابن قبله والبنت لم يقبلها بل أجلسها إلى جنبه فقط، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (فما عدلت بينهما).



السلف يستحبون العدل بين الأولاد حتى في القبلات، العدل مأمورٍ به يؤتى يوم القيامة مغلولاً يفكه عدله، أو يوبقه جوره وظلمه. قضية العدل التي تجعل تسوية الأعطيات في العيديات موجودة، وللذكر مثل حظ الأنثيين على ما رجحه عددٌ من أهل العلم كـابن القيم رحمه الله تعالى.



كذلك أيضاً من المفاسد التي تترتب على عدم العدل أنها توغر صدور بعضهم على بعض، ولذلك حصل ما حصل بين يوسف وإخوته لأنهم: ﴿ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا ﴾، لذلك لا ينبغي أن يكون الوالد أو الوالدة في التصرفات والأعمال على تفضيل ولد على ولد وإنما يكون كل منهم على تقوى الله- عز وجل - فيحسنوا إلى الجميع سواء كان ذلك التفضيل من الجانب المعنوي أو الجانب الحسي المادي، فإذا أعطى الابن شيئاً يعطي الأنثى كذلك.



الدعاء.....


[1] المجالسة وجواهر العلم (ص: 242)

[2] رواه ابن أبي الدنيا في كتاب [العيال: 2/ 617]

[3] أدب الدنيا والدين (ص: 196)

[4] الترمذي (1084) وابن ماجه (1967). والحديث: حسَّنه الشيخ الألباني في " السلسلة الصحيحة " (1022).

[5] أدب الدنيا والدين (ص: 196)

[6] تحفة المودود بأحكام المولود (ص: 146)

[7] أخرجه أحمد (2/ 18) [4682]، والدارمي [2700]، ومسلم (6/ 172)

[8] أخرجه الطبرانى (1/ 196، رقم 523)، والحاكم (4/ 307، رقم 7729)، والضياء (4/ 89، رقم 1306)، وأبو داود (4/ 288، رقم 4954) والرويانى (2/ 469، رقم 1490)، وابن قانع (1/ 12).

[9] (خ) 5836، (د) 4956، (حم) 23723

[10] أخرجه مالك في الموطأ ص (165)، والحميدي (1111، 1113)، وأحمد (2/ 244) قال: حدثنا سفيان. وفي (2/ 464)، ومسلم (8/ 54)

[11] (خد) 548، (حم) 6583، (ك) 154، انظر الصحيحة: 134، صحيح الأدب المفرد: 426، وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح.

[12] (د) 495، (ت) 407، (حم) 6689، انظر صحيح الجامع: 5868، المشكاة: 572، الإرواء: 247.

[13] رواه مسلم في الصيام - 137 م

[14] أخرجه البخارى (5/ 2056، رقم 5061)، ومسلم (3/ 1599، رقم 2022)، وابن ماجه (2/ 1087، رقم3267).

[15] أرشيف ملتقى أهل الحديث - 5 (14/ 4)

[16] مناقب الإمام أحمد (ص: 22)

[17] تحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة - (8 / 68)[7753] ضعيف

[18] رواه أحمد وفيه ابن لهيعة، وفيه كلام. أهـ. ونقله عن أحمد ابن كثير في "فضائل القرآن" ص 91.

[19] الفوائد لتمام 414 - (1 / 116) (213) صحيح

[20] أرشيف ملتقى أهل الحديث - 1 (127/ 500)

[21] المعجم الكبير للطبراني - (1 / 291)(673) وفضائل القرآن للفريابي - (74 ) صحيح

[22] أخرجه البخاري (5035 )

[23] أسس بناء شخصية الطفل المسلم (ص: 48)

[24] أخرجه أحمد (4/ 366، رقم 19282)، والبخارى (5/ 2239، رقم 5667)، ومسلم (4/ 1809، رقم 2319)

[25] أخرجه أحمد (3/ 493، رقم 16076)، والنسائى (2/ 229، رقم 1141)، والحاكم (3/ 726، رقم 6631)، والطبرانى (7/ 270، رقم 7107)، والبيهقى (2/ 263، رقم 3236). وذكره الحكيم (2/ 28)

[26] أخرجه ابن أبى شيبة (1/ 406، رقم 4677)، وأحمد (3/ 109، رقم 12086)، والبخارى (1/ 250، رقم 677)، ومسلم (1/ 343، رقم 470)

[27] أخرجه الإِمام أحمد (2/ 182).

[28] أخرجه أحمد (1/ 176، رقم 1524)، والبخارى (3/ 1007، رقم 2593)، ومسلم (3/ 1252، رقم 1628)، وأبو داود

[29] أخرجه ابن حبان (11/ 503، رقم 5104)، والبيهقى (6/ 178، رقم 11783)

[30] أخرجه البخارى (2/ 938، رقم 2507)، ومسلم (3/ 1243، رقم 1623)، والنسائى (6/ 260، رقم 3681).

[31] ذخيرة الحفاظ (2/ 669)

التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات