الضوابط الشرعية في الإنجاب وحق الطفل في الرعاية والنشأة الكريمة للشيخ فوزي أبو زيد




الحمد لله ربِّ العالمين، إختارنا وجعلنا خير أُمةٍ أُخرجت للناس أجمعين، نهتدي بهداه، ونعمل بما أنزله في كتاب الله، ونقتدي بحبيبنا الأعظم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
سبحانه .. سبحانه، من أطاعه واتبَّع هداه كفاه كل همٍّ في الدنيا وفرَّج عنه كل ملمَّةٍ في أُخراه، ومن خالف هديه واتبع هواه كانت حياته في الدنيا كلها شِدَّات وملمَّات، فكان في الدنيا كأنه في جحيمٍ مقيم، وفي الآخرة له عند الله عزَّ وجلَّ - إن لم يتب ويرجع - عذابٌ من الله عزَّ وجلَّ أليم.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أعلم بنا من أنفسنا، وأرحم بنا من آبائنا وأُمهاتنا، ومن شدة رحمته تبارك وتعالى بنا لم يترك شيئاً يهمنا في حياتنا إلا وذكر لنا في قرآنه ما ينبغي فعله، لكي نكون في الدنيا من الأتقياء الأنقياء السُعداء، وفي الآخرة من أهل الجنة العالية الفيحاء.
وأشهد أن سيدنا محمداً عبدُ الله ورسولُه، وصفيُّه من خلقه وخليلُه، جعله الله عزَّ وجلَّ البيان العملي لقرآنه الكريم الإلهي، فإذا أمرنا الله بأمرٍ في قرآنه وتحيَّرنا في تنفيذه، نرجع إلى نبيِّنا ونرى أحواله وأفعاله لنقتدي به في تنفيذ أوامر الله، فنفوز أجمعين بقول الله:
(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (21الأحزاب)

اللهم صلِّ وسلِّمْ وبارك على سيدنا محمد، الذي أَعْلَيْتَ في الدنيا ذِكْرَه، ورفعت فيها شأنه، وأكملت على يديه تمام دينك، وجعلته في الآخرة في مقامٍ محمود، صاحب الشفاعة العُظمى يوم لا ينفع والدٍ ولا مولود، ولا جدٌ ولا جدود، إلا الحبيب صاحب المقام المحمود، سيدنا محمد صلوات ربي وتسليماته عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الأحبة جماعة المؤمنين:
إذا رزق المرء بمولود جديد فهذه نعمة عظمى ساقها الله إليه، فعليه أن يقابلها بالشكر، على هذه النعمة
وألا يُظهر الفرح بذلك أكثر من اللازم، أو يتباهى بذلك بين الأهل والأصحاب والجيران كما تفعل النساء لأن هذا أمرٌ لا يحصِّله المرء بإرادته، ولا يناله باختياره،
وإنما كما قال الله عز وجل
" لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِير"ٌ (49- 50 الشورى)

جعل الله عز وجل للمولود في الإسلام أمرًا عجيبًا، وشأنًا غريبًا، وذلك تأسيًا بميلاد رسل الله الكرام ورسول الله صلى الله عليه وسلم . فقد كانت ولادته صلى الله عليه وسلم خرقًا للعادة وليست كأي ولادة عادية .
وقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم وُلِدَ ساجدًا، مختونًا، مقطوع السُّرة، يرفع إصبعه - السبابة - إلى السماء) (روى ذلك ابن سعد والبيهقي وأبو نعيم وابن عساكر عن ابن عباس عن أبيه العباس بن عبد المطلب)

وكذلك الطفل المسلم تحضر ميلاده لجنةٌ من الملائكة الكرام، فتساعد أمه في إتمام ولادته وهى لا تشعر وتحيطه من جميع نواحيه لحفظه من الشياطين، لأن الطفل الذي يُولَدْ يحاول الشيطان أن يستحوذ عليه، فَيُنْزِلُ الله عز وجل جنده لحمايته من مكر الشيطان وكيده،
وقد قال صلى الله عليه وسلم
{ إذا وُلِدَتْ الجَارِيَةُ بعث الله عز وجل إليها مَلَكاً يزفُّ البركة زفَّاً، يقول: ضعيفةٌ خرجت من ضعيفة!! القيِّمُ عليها مُعانٌ إلى يوم القيامة. وإذا وُلِدَ الغلام بعث الله إليه مَلَكاً من السماء، فقبَّله بين عينيه، وقال: الله يقرؤك السلام }
(رواه الطبراني في عن أنس رضي الله عنه)
ثم بين لنا صلى الله عليه وسلم امرا مهما بعد الولادة يجب ان نقوم به رعاية لهذا الطفل وهو
أن يؤذِّن في أذن الطفل اليمنى آذان الصلاة، ويقيم الصلاة في أذنه اليسرى؛ على أن يكون ذلك بصوت خافت لا يؤذي المولود، وفائدة ذلك حفظ المولود من الشيطانة الموكلة بالصبيان
لقوله صلى الله عليه وسلم
{ مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ فَأَذَّنَ فِي أُذُنِهِ الْيُمْنَى وَأَقَامَ فِي أُذُنِهِ الْيُسْرَى لَمْ تَضُرَّهُ أُمُّ الصبْيَانِ }
(رواه أبو يعلى وابن السني في اليوم والليلة والبيهقي في شعب الإيمان عن الحسين ابن علي)

ثم امرنا النبي صلى الله عليه وسلم ان نحسن اختيار الاسم ويكون ذلك باختيار اسم حسنٍ له دلالةٌ ومعنى لقوله صلى الله عليه وسلم
:
(إِنَّ مِنْ حَق الْوَلَدِ عَلى الْوَالِدِ أَنْ يُحْسِنَ اسْمَهُ وَأَنْ يُحْسِنَ أَدَبَهُ) (البزار عن ابي هريرة )
فمن أول إكرام المولود أن يحسنوا تسميته، لقوله صلى الله عليه وسلم

{ إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ فأَحْسِنُوا أَسْمَاءَكُمْ }راوه احمد في مسنده عن ابي الدرداء رضي الله عنه
ولا ننسى أن ننبِّه إلى أن إصرار أحد الوالدين أحيانا على التسمية بأسماء آبائهم أو أمهاتهم - حتى لو كانت قبيحة - لتخليدهم كما يدَّعون؛ عقوقُ للأبناء ومحاسبٌ عليه!
فليحذر الأهل فأسماء الأبناء ليست للتسليَّة!
وإنما هي أمانة! فليتقوا الله فيها!
وأيضاً بين النبي صلى الله عله وسلم ما يجب علينا نحو الأبناء فقال صلى الله عليه وسلم
"الغُلاَمُ يُعَقُّ عَنْهُ يَوْمَ السَّابِعِ وَيُسَمَّى وَيُمَاطُ عَنْهُ الأَذَى؛ فَإِذَا بَلَغَ سِتَّ سِنِينَ أُدِّبَ، فَإِذَا بَلَغَ تِسْعَ سِنِينَ عُزِلَ فِرَاشُهُ، فَإِذَا بَلَغَ ثَلاَثَ عَشْرَةَ سَنَةً ضُرِبَ عَلَى الصَّلاةِ، فَإِذَا بَلَغَ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً زَوَّجَهُ أَبُوهُ؛ ثُمَّ أَخَذَ بِـيَدِهِ وَقَالَ: قَدْ أَدَّبْتُكَ وَعَلَّمْتُكَ وَأَنْكَحْتُكَ، أَعُوذُ بِالله مِنْ فِتْنَتِكَ فِي الدُّنْيا وَعَذَابِكَ فِي الآخِرَةِ}( ابن حبان عن أنس رضي الله عنه)

ثم اوجب الإسلام رعاية الطفل من ناحية الرضاعة
فقال الله عز وجل :
"وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ"(233 البقرة )
فالإسلام بلغ أرقى ما وصلت إليه الحضارات قاطبة في عملية الرضاعة الطبيعية،
ومن عجائب وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الناحية قوله:
{ لاَ تَقْتُلُوا أوْلاَدَكُم سِرًّا فإنَّ الْغَيْلَ يُدْرِكُ الْفَارِسَ فَيُدَعْثِرُهُ عَنْ فَرَسِهِ }( رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والطبراني عن أسماء بنت يزيد بن السكن)
والغيل هو أن تحمل الأم وهي ترضع.
وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحمل اثناء الرضاعة على سبيل الكراهة حتى تأخذ الأم قسطها من الراحة بعد عناء الحمل والولادة، ويأخذ الرضيع حقه من الرعاية

وقد نبه الإسلام على أمر طبي عظيم، وهو ألا ترضع الأم طفلها بعد قيامها بمجهود جسماني أو عصبي كبير،
فنهى الأم عن إرضاع طفلها بعد الجماع إلا بعد أن تغتسل، أو تغسل ثديها، لماذا؟.
لأن الدم يجري في جميع عروقها في تلك اللحظة، فربما ينزل اللبن مختلطًا بدم فيمرض منه الطفل فتكون هي التي أمرضته، لأنها لم تلتزم بأحكام الله، وبأوامر سيدنا رسول الله.

ويحث الإسلام على تدليل الطفل بأنواع التدليل المختلفة المقبولة، وربط قلبه بمن حوله، ويرغِّب الكبير أن يتنزل إلى درجة ملاعبة الأطفال ليكون معهم بقلبه وعواطفه وتصرفاته بعض الوقت
فقد رُوي أن جبلة بن سحيم دخل على معاوية بن أبي سفيان وهو في الخلافة، فرأى في عنقه حبل يقوده به صبي له، فظهر على وجهه الاستنكار، فلما رأى معاوية ذلك قل له:
يا لكع إني سمعت رسول الله صلى اله عليه وسلم
يقول:
{ مَنْ كَانَ لَهُ صَبِيُّ فَلْيَتَصَابَ لَهُ } (أخرجه ابن أبي الدنيا وابن عساكر)
وكان النبي صلى الله عليه وسلم
يُدَلِّلُ الحسن والحسين وأسامة بن زيد فقد روى البخاري عن أسامة قوله:
{ كان رسول الله صلى لله عليه وسلم:
يأخذني فيقعدني على فخذه، ويقعد الحسن على الأخرى }،
وروى أحمد عن عائشة: { أن أسامة عثر بعتبة الباب فدمي. قال: فجعل النبيّ صلى الله عليه وسلم
يمصُّه ( وفى رواية ثم يمجُّه)، ويقول: لَوْ كَانَ أُسامَةُ جارِيَةً لَحَلَّيْتُها وَلَكَسَوْتُها حَتَّى أُنْفِقَها }

ولذلك لما جاء أحد الأعراب القساة ورآه يقبل الحسن فقال: أتقبلون الصبيان يا رسول الله، إن لي عشرة من الولد ما قبلت أحدًا منهم قطَّ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم وموجهاً الأمة كلها:
{ من لا يرحم لا يرحم } (رواه البخاري عن أبي هريرة)،
وفي رواية أخرى عن عائشة رضي الله عنها:
{ أو أملك أن نزع الله من قلبك الرحمة }
أو كما قال: (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة

الخطبة الثانية:-
الحمد لله رب العالمين، الذي أكرمنا بهُداه، ووفقنا لاتباع هذا الدين المتين، وجعلنا من عباده المسلمين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً نرجوا الله عزَّ وجلَّ أن يُطلق بها ألستنا عند خروجنا من هذه الحياة، وأن يثبِّتنا عليها يوم نلقاه، وأن يجعلنا من أهلها أجمعين.

وأشهد أن سيدنا محمداً عبدُ الله ورسولهُ، طَيِّبُ الذكر، صَفِيُّ القلب، المُجمَّل بما ذكره مولاه وقال عنه في كتاب الله:
(وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (4القلم)
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله الطيبين، وصحابته المباركين، وكل من اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وعلينا معهم أجمعين، آمين .. آمين، يا رب العالمين.
أيها الأحبة جماعة المؤمنين :
يجب على كل مؤمن أن يكون له عين يقظة على تصرفات أولاده وبناته، ترعاهم عند الصلاة، وترعاهم عند مشاهدة التلفاز، وترعاهم عند اختيارهم للأصدقاء حتى لا يصطحبون قرناء السوء، وترعاهم عند ممارسة هواياتهم، وتراقبهم في عاداتهم، ويوجهونهم إلى الكمالات الإنسانية، والأخلاق الإيمانية باللطف والرقة واللين
فيا أخي المؤمن اجعل نصب عينيك قوله تعالى:
ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا (11- التحريم).
ووقايته من النار بأن يؤدبه ويهذبه ويعلمه محاسن الأخلاق ويحفظه من قرناء السوء،
وقول النبي صلى الله عليه وسلم :
{ أَكْرِمُوا أَوْلاَدَكُمْ، وَأَحْسِنُوا أَدَبَهُمْ }( سنن ابن ماجه عن أنس بن مالك رضي الله عنه)
وقوله تعالى :
"وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى" [132- طه].
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، موضِّحاً الواجب على الأب في هذه الفترة:
{ مُرُوا الصبيانَ بالصلاةِ لِسَبْعِ سنينَ، واضْرِبُوْهُمْ عَلَيْهَا في عَشْرٍ، وفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ في المَضَاجِعِ } (عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، سنن الكبرى للبيهقي)
وقال صلى الله عليه وسلم:
مَا نَحَلَ والدٌ ولداً خيراً لَهُ من أدبٍ حَسَنٍ (رواه أيوب بن موسى عن أبيه عن جده سنن الكبرى للبيهقي
إن الطفل عندما ينشأ منذ نعومة أظفاره على الآداب الإيمانية وعلى الإيمان بالله والاعتماد عليه والمراقبة له فإنه يصبح وعنده الملكة الفطرية، والاستجابة الوجدانية، لتقبل كل فضيلة ومَكْرُمَة، ويتأتى ذلك بإبراز مشاعر الطهر والنقاء في نفسه، وإشعاره بمراقبة الله عليه ...... ثم الدعاء

التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات