كفالة اليتيم وثمرتها في الدنيا والآخرة د/ خالد بدير



عناصر الخطبة:
العنصر الأول: عناية الإسلام باليتيم
العنصر الثاني: أيتام صنعوا التاريخ
العنصر الثالث: قصص وعبر عن كفالة اليتيم
العنصر الرابع: فوائد وثمرات كفالة اليتيم في الدنيا والآخرة
العنصر الخامس: واجبنا نحو اليتيم
 المقدمة:                                                           
 أما بعد:
العنصر الأول: عناية الإسلام باليتيم
عباد الله: لقد اعتنى الإسلام عناية بالغةً باليتيم؛ لأن اليتيم فقد جهة الحنان والعطف والشفقة؛ وقبل أن نخوض في الحديث عن اليتيم ومكانته وعناية الإسلام به نقف قليلا مع تعريف اليتيم عند العلماء.
فاليتيم في كتب اللغة هو: الفرد من كل شيء، وكلُّ شيءٍ يَعِزُّ نَظيرُه، يقال: بيت يتيم، وبلد يتيم، ودُرة يتيمة، واليتيم من الناس: مَن فقَدَ أباه، ومن البهائم: مَن فقَد أمَّه؛ وذلك لأن الكفالة في الإنسان منوطة بالأب، فكان فاقد الأب يتيمًا دون مَن فقد أمه، وعلى العكس في البهائم، لأن الكفالة منوطة بالأم؛ لذلك من فقد أمه كان يتيمًا؛ ويستمر اليتم حتي البلوغ؛ فاليتيم عند الفقهاء هو مَن فقد أباه ما لم يبلغ الحُلُم، فإذا بلغ الحُلُم زال عنه اليُتم؛ لذلك قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: ” لا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلامٍ”.( أبوداود بسند صحيح ).
ولقد اهتم الإسلام اهتماما كبيراً باليتامى لأنهم جيل الأمة وأمل المستقبل؛ ولأنه من العوامل الأساسية في انحراف الولد مصيبة اليتم التي تعتري الصغار وهم في زهرة العمر، فهذا اليتيم الذي مات أبوه وهو صغير إذا لم يجد اليد الحانية التي تحنو إليه، والقلب الرحيم الذي يعطف عليه، فلاشك أن هذا اليتيم سيدرج نحو الانحراف ويخطو شيئاً فشيئاً نحو الإجرام، لذلك حثنا صلى الله عليه وسلم على رعايته وكفالته حيث قال: ” أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا، وَقَالَ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى”. (البخاري)؛ قال ابن عبد البر:” في هذا الحديث فضل عظيم في كافل اليتيم وضمه إلى بنيه ومائدته، وأنفق عليه من طوله، نال ذلك، وحسبك بها فضيلة وقربة من منزل النبي – صلى الله عليه وسلم – في الجنة، فليس بين الوسطى والسبابة في الطول ولا في اللصوق كثير، وإن كان نسبة ذلك من سعة الجنة كثير”. (الاستذكار). وقال ابن بطال:” حق على كل مؤمن يسمع هذا الحديث أن يرغب فى العمل به ليكون فى الجنة رفيقا للنبى عليه السلام ولجماعة النبيين والمرسلين – صلوات الله عليهم أجمعين – ولا منزلة عند الله فى الآخرة أفضل من مرافقة الأنبياء.”(شرح البخاري).
ولمكانة اليتيم واهتمام الإسلام به تضافرت الآيات الكريمات التي تتحدث عن اليتامى وحقوقهم؛ فقد ذُكرت مادة ( اليتم ) بجميع مشتقاتها في اثنتين وعشرين آية، حيث ذُكِرت كلمة (يتيم) بالإفراد ثماني مرات، وبالتثنية مرة واحدة، وبالجمع (يتامى) أربع عشرة مرة، ولعل الحكمة في ذلك دعوة المجتمع إلى العناية باليتامى فرادى وجماعات؛ فعلى سبيل الفرد أن يكفل كل واحد من أفراد المجتمع يتيما؛ وعلى سبيل الجمع أن يكفل المجتمع أيتامه بإنشاء دور وجمعيات مخصصة لكفالة ورعاية اليتامى؛ فذلك من فروض الكفايات؛ وهذا من شمولية وعمومية الأسلوب القرآني لاستغراق جميع الأفراد من النوع والجنس الواحد !! ومن هذه الآيات قوله تعالى: { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ } [النساء: 36]، وقوله: { وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا } [الإنسان: 8]، وقوله: { أوْ إطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ } [البلد: 14، 15]، وقوله: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَهُمْ خَيْرٌ } [البقرة: 220]. ولما كان النبي – صلى الله عليه وسلم – قد نشأ يتيمًا، بيَّن الله بأنه قد أنعم عليه، وكفله، وأغناه؛ فقال: { أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى } [الضحى: 6 – 8]. وصدق من قال:
كفاك بالعلم في الأُمِّيِّ معجزةً * * * في الجاهلية والتأديب في اليتمِ
ذُكِرتَ بِاليُتمِ في القُرآنِ تَكرِمَةً *** وَقيمَةُ اللُؤلُؤِ المَكنونِ في اليُتُمِ
وقد ذم الله – تعالى – أولئك الذين يهينون اليتيم ولا يكرمونه؛ بل يزجرونه ويدفعونه عن حقِّه، وجعل ذلك من صفات غير المؤمنين المكذِّبين بيوم الدين؛ حتى لا يتشبَّه بهم المؤمنون؛ قال – تعالى -: { أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ } [الماعون: 1 – 3]، وقال – تعالى -: { كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ } [الفجر: 17].
لذلك وقف القرآن مهددًا ومحذرًا هؤلاء الأولياءَ المتجاوزين مغبة هذا التعدي الوقح، ومبيِّنًا عِظمَ هذا الذنب الكبير؛ فيصوِّر مشهدًا مرعبًا، مشهد النار وهى تتأجج في بطون هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا؛ فيقول – تعالى -: { إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا } [النساء: 10]. قال السدي : يبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه ومن مسامعه وأنفه وعينيه يعرفه من رآه يأكل مال اليتيم.
ولهذا بعدما نزلت هذه الآية مباشرة، بادر كلُّ مَن عنده مالٌ ليتيم، فعزل طعامه وشرابه، واجتنبوا أمورهم؛ نظرًا لما في هذا التحذير من عقاب صارم ينتظر آكل مال اليتيم. فقد روى أبو داود – بسند حسن – عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: “لمَّا أَنزَلَ اللَّهُ – عز وجل -: { وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } [الأنعام: 152]، و{ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا… } الآيةَ، انطلَقَ كل مَن كان عنده يتيمٌ، فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضل من طعامه، فيحبس له، حتى يأكله أو يفسد، فاشتدَّ ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – فأنزل الله – عز وجل -: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ } [البقرة: 220]، فخلطوا طعامهم بطعامه، وشرابهم بشرابه”. ( تفسير ابن كثير )
أيها المسلمون: وإذا كان الإسلام قد رغب في كفالة اليتيم وإعطائه حقوقه؛ ففي مقابل ذلك رهَّب من أكل مال اليتيم أو هضم حقوقه بأي وسيلة كانت؛ بل عُد أكل مال اليتيم من الكبائر المهلكات؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ ؟ قَالَ : ” الشِّرْكُ بِاللَّهِ ، وَالسِّحْرُ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ ، وَأَكْلُ الرِّبَا ، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلاَتِ”.(متفق عليه) . ولخطورة ذلك الأمر ، وجه صلى الله عليه وسلم من كان ضعيفاً من الصحابة ألا يتولين مال يتيم ، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا ؛ وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي ؛ لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ”. ( مسلم ) .
ولقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم حق الضعيفين : اليتيم والمرأة من أولى الحقوق بالرعاية والعناية , فعَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:” اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ : حَقَّ الْيَتِيمِ ، وَحَقَّ الْمَرْأَةِ”. ( أحمد وابن ماجة والحاكم وصححه).
العنصر الثاني: أيتام صنعوا التاريخ
عباد الله: لقد أثبت لنا التاريخ أن هناك أيتاماً عظاماً صنعوا التاريخ وسطروه بماء من ذهب؛ ويأتي على رأس القائمة سيد الأيتام وقدوة الأنام صلى الله عليه وسلم، فقد تُوفى أبوه قبل أن يُولد، وتُوفيت أمه وهو فى السادسة من عمره؛ وتربي في كفالة جده عبدالمطلب ثم عمه أبي طالب؛ فغير – صلى الله عليه وسلم- مجرى التاريخ؛ وأخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور .
حَسْبُ اليتيم سعادةً أنَّ الذي * * * نشرَ الهُدَى في الناسِ عاشَ يَتيما
ومن هؤلاء: الصحابي الجليل أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: كان أكثر الصحابة حفظًا للحديث ونقلًا له؛ نشأ يتيمًا، وقدم المدينة فأسلم، ولزم صحبة النبي صلى الله عليه وسلم.
ومنهم: الإمام الشافعي رحمه الله: الذي أسس علم أصول الفقه؛ وأسس مذهبه الخاص به؛ يقول عن نفسه: “حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين، وحفظت الموطأ وأنا ابن عشر سنين”. فمَن الذي رباه؟! اسمع وهو يُحدث عن نفسه فيقول: “كنتُ يتيمًا في حجر أمي، ولم يكن لها ما تعطيه للمعلم، وكان المعلم قد رضي مني أن أخلفه إذا قام، وأخفف عنه”. ويقول – أيضا – رحمه الله: “نشأت يتيمًا وأنا بالشام، فجهَّزَتْني أمي للسفر إلى مكة لطلب العلم وأنا ابن عَشْر سنين”.
ومنهم: الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: كان يتيمًا، توفي أبوه وعمره ثلاث سنوات، فمن الذي اعتنى به؟ إنها أمه، فقد حفظ القرآن وعمره عشر سنين؛ هذا الإمام اليتيم أعز الله به الأمة حين وقعت المحنة، فكان عظيمًا.
ومنهم: الإمام الأوزاعي رحمه الله: كان يتيمًا في حجر أمه، تنقُلُه من بلد إلى بلد ليتعلم، حتى بلغ من العلم مبلغًا عظيمًا.
ومنهم: الإمام البخاري رحمه الله: حبرُ الإسلام، صاحب أصح كتاب على وجه الأرض بعد كتاب الله، ولد في بخارى، ونشأ يتيمًا.
ومنهم: القاضي أبو يوسف رحمه الله: صاحب الإمام أبي حنيفة وأشهر تلاميذه، وقد نشأ وعاش يتيمًا فقيرًا معدمًا، لكنه كان من أعظم القضاة في الأمة الإسلامية، حتى قال عنه الإمام ابن عبد البر رحمه الله: “وهو أولُ مَن لُقِّب بقاضي القضاةِ”.
ومنهم: الحافظ ابن حجر العَسْقلاني رحمه الله: نشأ الحافظُ ابن حجر يتيمًا، مات أبوه، وماتت أمه قبل ذلك وهو طفل.
 قال الشمس السخاويُّ تلميذ الحافظ ابن حجر: “وزادت تصانيفُه – التي معظمها في فنون الحديث، وفيها من فنون الأدب والفقه وغير ذلك – على مائة وخمسين تصنيفًا، رُزِق فيها من السَّعد والقَبول، خصوصًا فتح الباري بشرح البخاري، الذي لم يسبق نظيره أمرًا عجبًا”، وقد بلغت مصنفاته أكثر من اثنين وثلاثين ومائة تصنيف.
ومنهم: الإمام ابن الجوزي رحمه الله: كان أولُ مجلس يتكلم فيه ابن الجوزي على المنبر يعِظُ الناس وعمره إذ ذاك ثلاث عَشْرة سنة، وكان يومًا مشهودًا، صاحب التصانيف الغزيرة ؛ قال الحافظ شمس الدين الذهبي: “وما علمت أحدًا من العلماء صنَّف ما صنَّف هذا الرجل، مات أبوه وله ثلاث سنين، فربَّتْه عمتُه، وأقاربه”؛ وحضر مجلسَه ملوكٌ ووزراء، بل وخلفاء، ويقال في بعض المجالس: حضره مائة ألف.
ومنهم: ابن المُلَقِّن رحمه الله: مِن أكابر العلماء بالحديث والفقه وتاريخ الرجال، له نحو ثلاثمائة مصنَّف، مات أبوه وله مِن العمر سنة واحدة، فتزوجت أمه بشيخ كان يلقِّن القرآن، فنشأ في بيته، فعُرِف بابن الملقن، نسبة إليه.
ومنهم: جَلَال الدين السيوطي: إمام حافظ مؤرِّخٌ أديب، له نحو600 مصنف، نشأ في القاهرة يتيمًا، مات والده وله خمسُ سنوات.
ومنهم: الشاعر أبو الطيِّب المتنبِّي رحمه الله: نشأ يتيمًا، وتوفِّيت أمه وهو صغير، فكفَلَتْه جدتُه لأمه، وكان أعظمَ شعراء عصره، وأكثرهم تمكنًا باللغة العربية وبقواعدها، حتى قيل: إنه نظم الشعر صبيًّا، وقد اشتهر بحدة الذكاء والشجاعة. ومِن شعره:
فالخيلُ والليلُ والبَيْداءُ تعرِفُني ♦♦♦ والسيفُ والرُّمحُ والقِرطاسُ والقلَمُ
ومن الأيتام المعاصرين شاعر النيل حافظ إبراهيم، والمجاهد الفلسطيني الشهيد أحمد ياسين، والزعيم الفلسطيني ياسر عرفات؛ والشيخ عبدالرزاق السنهوري أحد أهم أعلام الفقه والقانون في مصر والوطن عربي ؛ وغيرهم كثير مما لا يتسع المقام لذكرهم.
ومنهم – الفقير إلى عفو مولاه- كاتب هذه الكلمات؛ حيث مات والدي – رحمه الله – وما زلت رضيعاً؛ ولم يشملني حنانه وعطفه ورعايته ورحمته؛ ولم تكتحل عيناي بالنظر إليه؛ وقد لمست ألم ووحشة اليتم ولا سيما في الصبا بين الزملاء والأقران في مراحل التعليم الأساسية؛ فليحمد كل واحد منا ربه على وجود نعمة الأبوين وليقم بحقهما؛ كما يجب علينا أن نعوض ما افتقدناه من عطف وحنان وشفقة ورحمة لأبنائنا وبناتنا ؛ وجميع الأيتام في مجتمعنا؛ حتى نكون رفقاء نبينا صلى الله عليه وسلم في الجنة!!!

العنصر الثالث: قصص وعبر عن كفالة اليتيم
عباد الله: تعالوا لنقف مع حضراتكم في هذا العنصر حول قصص السابقين عن كفالة الأيتام وأثر ذلك في حياتهم:
القصة الأولى: تصدق على يتيم بعذق فأبدله الله به عذقا في الجنة.
فروى عن سَعِيد بْن الْمُسَيِّبِ : ” أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ عَتَبَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي لُبَابَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ : أَنَّهُ خَاصَمَ يَتِيمًا لَهُ فِي عذْقِ نَخْلَةٍ ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي لُبَابَةَ بِالْعذْقِ ؛ فَضَجَّ الْيَتِيمُ وَاشْتَكَى إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي لُبَابَةَ : ” هَبْ لِي هَذَا الْعذْقَ يَا أَبَا لُبَابَةَ ؛ لِكَيْ نَرُدَّهُ إِلَى الْيَتِيمِ ” . فَأَبَى أَبُو لُبَابَةَ أَنْ يَهَبَهُ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” يَا أَبَا لُبَابَةَ ، أَعْطِهِ هَذَا الْيَتِيمَ وَلَكَ مِثْلُهُ فِي الْجَنَّةِ ” . فَأَبَى أَبُو لُبَابَةَ أَنْ يُعْطِيَهُ . فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللهِ ، أَرَأَيْتَ إِنِ ابْتَعْتُ هَذَا الْعَذْقَ فَأَعْطَيْتُ الْيَتِيمَ ؛ أَلِي مِثْلُهُ فِي الْجَنَّةِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” نَعَمْ ” . فَانْطَلَقَ الْأَنْصَارِيُّ ، وَهُوَ ابْنُ الدَّحْدَاحَةِ ، حَتَّى لَقِيَ أَبَا لُبَابَةَ فَقَالَ : يَا أَبَا لُبَابَةَ ، أَبْتَاعُ مِنْكَ هَذَا الْعذْقَ بِحَدِيقَتِي ، وَكَانَتْ لَهُ حَدِيقَةُ نَخْلٍ . فَقَالَ أَبُو لُبَابَةَ : نَعَمْ ، فَابْتَاعَهُ مِنْهُ بِحَدِيقَةٍ . فَلَمْ يَلْبَثِ ابْنُ الدَّحْدَاحَةِ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى جَاءَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ يَوْمَ أُحُدٍ ، فَخَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَاتَلَهُمْ فَقُتِلَ شَهِيدًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” رُبَّ عذْقٍ مُذَلَّلٍ لِابْنِ الدَّحْدَاحَةِ فِي الْجَنَّةِ ” .( البيهقى واللفظ له والطبراني والحاكم وصححه)
القصة الثانية: تصدقت على أيتام فأخذت الأجر مرتين:
فالصحابة – رضي الله عنهم – كانوا يضمون الأيتام إلى أسرهم؛ فعَنْ زَيْنَبَ، امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَصَدَّقْنَ، يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ» قَالَتْ: فَرَجَعْتُ إِلَى عَبْدِ اللهِ فَقُلْتُ: إِنَّكَ رَجُلٌ خَفِيفُ ذَاتِ الْيَدِ، وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ، فَأْتِهِ فَاسْأَلْهُ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَجْزِي عَنِّي وَإِلَّا صَرَفْتُهَا إِلَى غَيْرِكُمْ، قَالَتْ: فَقَالَ لِي عَبْدُ اللهِ: بَلِ ائْتِيهِ أَنْتِ، قَالَتْ: فَانْطَلَقْتُ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِبَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاجَتِي حَاجَتُهَا، قَالَتْ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أُلْقِيَتْ عَلَيْهِ الْمَهَابَةُ، قَالَتْ: فَخَرَجَ عَلَيْنَا بِلَالٌ فَقُلْنَا لَهُ: ائْتِ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبِرْهُ أَنَّ امْرَأَتَيْنِ بِالْبَابِ تَسْأَلَانِكَ: أَتُجْزِئُ الصَّدَقَةُ عَنْهُمَا، عَلَى أَزْوَاجِهِمَا، وَعَلَى أَيْتَامٍ فِي حُجُورِهِمَا؟ وَلَا تُخْبِرْهُ مَنْ نَحْنُ، قَالَتْ: فَدَخَلَ بِلَالٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ هُمَا؟» فَقَالَ: امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَزَيْنَبُ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ الزَّيَانِبِ؟» قَالَ: امْرَأَةُ عَبْدِ اللهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” لَهُمَا أَجْرَانِ: أَجْرُ الْقَرَابَةِ، وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ “.(متفق عليه)
القصة الثالثة: كفل أسرة يتيمة فعوضه الله قصراً في الجنة.
ومما جاء في فضل الإحسان إلى الأرملة واليتيم عن بعض العلويين؛ وكان نازلا ببلخ من بلاد العجم وله زوجة علوية وله منها بنات وكانوا في سعة ونعمة؛ فمات الزوج وأصاب المرأة وبناتها بعده الفقر والقلة؛ فخرجت ببناتها إلى بلدة أخرى خوف شماتة الأعداء؛ واتفق خروجها في شدة البرد؛ فلما دخلت ذلك البلد أدخلت بناتها في بعض المساجد المهجورة؛ ومضت تحتال لهم في القوت؛ فمرت بجمعين جمع على رجل مسلم وهو شيخ البلد؛ وجمع على رجل مجوسي وهو ضامن البلد؛ فبدأت بالمسلم وشرحت حالها له وقالت: أنا امرأة علوية ومعي بنات أيتام أدخلتهم بعض المساجد المهجورة؛ وأريد الليلة قوتهم. فقال لها: أقيمي عندي البينة أنك علوية شريفة!! فقالت: أنا امرأة غريبة ما في البلد من يعرفني!! فأعرض عنها؛ فمضت من عنده منكسرة القلب؛ فجاءت إلى ذلك الرجل المجوسي فشرحت له حالها وأخبرته أن معها بنات أيتام وهي امرأة شريفة غريبة؛ وقصت عليه ما جرى لها مع الشيخ المسلم؛ فقام وأرسل بعض نسائه وأتوا بها وبناتها إلى داره؛ فأطعمهن أطيب الطعام وألبسهن أفخر اللباس وباتوا عنده في نعمة وكرامة؛ قال: فلما انتصف الليل رأى ذلك الشيخ المسلم في منامه كأن القيامة قد قامت وقد عقد اللواء على رأس النبي صلى الله عليه وسلم وإذا القصر من الزمرد الأخضر شرفاته من اللؤلؤ والياقوت وفيه قباب اللؤلؤ والمرجان!! فقال: يا رسول الله لمن هذا القصر؟ قال لرجل مسلم موحد! فقال: يا رسول الله أنا رجل مسلم موحد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقم عندي البينة أنك مسلم موحد!! قال فبقي متحيرا؛ فقال له صلى الله عليه وسلم لما قصدتك المرأة العلوية قلت أقيمي عندي البينة أنك علوية!! فكذا أنت أقم عندي البينة أنك مسلم!! فانتبه الرجل حزينا على رده المرأة خائبة؛ ثم جعل يطوف بالبلد ويسأل عنها حتى دل عليها أنها عند المجوسي؛ فأرسل إليه فأتاه فقال له: أريد منك المرأة الشريفة العلوية وبناتها! فقال: ما إلى هذا من سبيل وقد لحقني من بركاتهم ما لحقني!! قال: خذ مني ألف دينار وسلمهن إلي!! فقال: لا أفعل. فقال: لا بد منهن. فقال: الذي تريده أنت أنا أحق به! والقصر الذي رأيته في منامك خلق لي!! أتدل علي بالإسلام فوالله ما نمت البارحة أنا وأهل داري حتى أسلمنا كلنا على يد العلوية؛ ورأيت مثل الذي رأيت في منامك!! وقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: العلوية وبناتها عندك؟ قلت: نعم يا رسول الله. قال: القصر لك ولأهل دارك؛ وأنت وأهل دارك من أهل الجنة؛ خلقك الله مؤمنا في الأزل! قال: فانصرف المسلم وبه من الحزن والكآبة ما لا يعلمه إلا الله!! فانظر رحمك الله إلى بركة الإحسان إلى الأرملة والأيتام ما أعقب صاحبه من الكرامة في الدنيا. ( الكبائر للذهبي).
القصة الرابعة: كفل أسرة يتيمة فرافق النبي – صلى الله عليه وسلم – في الجنة:
هذه قصة واقعية حدثت مع أحد الدعاة في الكويت. يقول الداعية: بينما أنا نائم إذ رأيت الرسول يقول لي: “أخبر فلان بن فلان الفلاني أنه من أهل الجنة”، فلما استيقظت وقد حفر اسم الرجل في ذاكرتي، لكني تعجبت من الأمر لأني لا أعرف رجلا بهذا الاسم، ولم أفعل شيئا لعدم معرفتي بالرجل، لكني كنت في ضيق كوني لم أجد طريقة لتنفيذ أمر رسول الله.
لأني أعلم أن رؤياه حق وأنه يقع علي تنفيذ ما أمرني به؛ وفي ليلة تالية رأيت رسول الله ثانية وردد علي ما قال في الرؤيا الأولى “أخبر فلان بن فلان الفلاني أنه من أهل الجنة” استيقظت وبدأت أسأل وأتحرى أمر الرجل بحثت في دليل الهاتف، وسألت الاستعلامات، بل طلبت من بعض الإخوة في دوائر الأحوال المدنية أن يستطلعوا لي هذا الأمر، وكل محاولاتي باءت بالفشل.
ومرت أيام وأنا أكثر من دعاء الله أن يعرفني بهذا الرجل، وكنت أكثر من الصلاة على النبي محمد، ومرت أيام وأنا على هذا الحال، حتى رأيت رسول الله في رؤيا ثالثة يقول لي: “أخبر فلان بن فلان الفلاني في مدينة الرياض وعنوانه كذا أنه من أهل الجنة” ؛ لقد سرت عني هذه الرؤية، ولم أتردد في السفر إلى الرياض للبحث عن هذا الرجل المبارك، ولما وصلت العنوان، وسألت عن الرجل في حيه، دلني جيرانه عليه، طرقت بابه، ففتح لي رجل عادي المظهر، فسألته: أين أجد فلان بن فلان الفلاني؟ قال: أنا هو تفضل ؛ قصصت على الرجل القصة فأجهش في البكاء وأعلن توبة إلى الله من كل الذنوب والمعاصي. سألته: بالله عليك أخبرني بسرِّك، هل تقوم بعمل معين حتى تكون من أهل الجنة؟ فأطرق الرجل وقال بعد تردد: أقول لك على شرط ألا تذكر اسمي بين الناس، فإنه لا يعلم سري إلا الله، فوافقت دون تردد. قال لي: كان لي جار له زوجة وعيال وتوفاه الله، وأنا رجل موظف لكني أشعر بحاجة هذه العائلة فأقسم راتبي إلى نصفين أعطيهم نصفه دون أن يعرفوا من الذي ينفق عليهم، ولا يعلم أحد بهذا حتى زوجتي. عندها عرفت السر فإن هذا الرجل كان مخلصا وصادقا في كفالة هؤلاء الأيتام، وأنفق من أعز ماله على قلته. فاستحق أن يكون رفيق رسول الله صلى الله عليه وسلم.أ.ه
القصة الخامسة: كفلت يتيما فشفي مريضها: تقول الكافلة: عانت والدتي من مرض دام ثلاثين عاماً تعبنا فيه من التردد على المستشفيات، ثم وفقني الله تعالى لكفالة يتيم في جمعية الأيتام، وبعدها بتوفيق من الله الشافي تحسنت صحة والدتي، وسخر الله لي أشخاصاً أنا في أمس الحاجة إليهم، والفضل لله وحده ..
القصة السادسة: كفلت يتيما فبورك في رزقها: تقول هذه الكافلة: أنا موظفة منذ عدة سنوات، وعلى الرغم من أن مرتبي ليس بالقليل، إلا أنه لا يتبقى منه شيء لأدخره ، ومنذ أن وقعت على ورقة كفالة ( أمر مستديم ) بارك الله لي في رزقي والحمد لله . حيث أصرف على نفسي ويبقى من الراتب ما يكفيني حتى الشهر القادم .
القصة السابعة: تبرعت من أجل شفاء ابنتها فشفاها الله :
تقول المسئولة في دار الأيتام: زارتنا أم ومعها ابنتها ذات الثلاث سنوات ، وجلست وعيونها تغرق بالدموع، ووجهها شاحب من الهموم التي ألمت بها وقالت لي: خرجت قبل قليل من عند الطبيب وقد أخبرني أن ابنتي مصابة بثقب في القلب . وقد حزنتُ لحال ابنتها وهي تئن من المرض، ثم سألتني ما هي المشاريع الموجودة في الجمعية ؟ فشرحت لها ووضحت كل مشروع وما له من الأجر ، فوافقت على كفالة يتيم ، وعرضت عليها نماذج طلب كفالة اليتيم ، ثم بدأت بإجراءات الكفالة وطلبت مني أن أدون اسم الكفالة باسم ابنتها فلانة ، فقالت : أسأل المولى بها حفظ ابنتي ودفع البلاء والكرب عنها، وفي كل شهر تأتي وتدفع مبلغاً زهيداً وتذهب ، وفي ذلك الشهر زادت المبلغ عن المعتاد وقالت وهي تبكي: إن سبب زيادة المبلغ هو أن ابنتي تحسنت حالتها وشفاها الله والحمد لله .. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ” داووا مرضاكم بالصدقة ” ( أبو داود في المراسيل والطبراني والبيهقي بسند صحيح).
وهكذا – أيها المسلمون- كانت كفالة اليتيم سبباً في سعة الرزق وشفاء المرضى وقضاء الحوائج كما سيأتي مفصلاً في عنصرنا التالي.
العنصر الرابع: فوائد وثمرات كفالة اليتيم في الدنيا والآخرة
عباد الله: لكفالة اليتيم فوائد وثمرات كبيرة في الدنيا والآخرة منها:
– صحبة الرّسول صلّى الله عليه وسلّم في الجنّة: ( أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين) وكفى بذلك شرفا وفخرا.
– ومنها: بناء مجتمع سليم خال من الحقد والكراهيّة، وتسوده روح المحبّة والودّ والتعاون. قال صلى الله عليه وسلم: ” مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى”( البخاري ومسلم ).
– ومنها: أن كفالة اليتيم والمسح على رأسه وتطييب خاطره يرقّق القلب ويزيل عنه القسوة. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَجُلًا شَكَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسْوَةَ قَلْبِهِ فَقَالَ:” امْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ وَأَطْعِمْ الْمِسْكِينَ”.(أحمد وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح)، ورتب على ذلك الأجر العظيم، حيث يكسب المرء بكل شعرة يمسح فيها على رأس ذلك اليتيم حسنة، فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ؛ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” مَنْ مَسَحَ رَأْسَ يَتِيمٍ لَمْ يَمْسَحْهُ إِلَّا لِلَّهِ؛ كَانَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ مَرَّتْ عَلَيْهَا يَدُهُ حَسَنَاتٌ”.(أحمد والترمذي وقال: هذا حديث غريب).
– ومنها: أن كفالة اليتيم تعود على الكافل بالخير العميم في الدّنيا بزيادة الرزق وشفاء المرضى وقضاء الحوائج وتفريج الكرب . فعن أبي الدرداء قال : أتى النبي صلى الله عليه و سلم رجل يشكو قسوة قلبه قال : ”  أتحب أن يلين قلبك وتدرك حاجتك ؟ ارحم اليتيم وامسح رأسه وأطعمه من طعامك؛ يلن قلبك وتدرك حاجتك “.( الطبراني بسند حسن). قال المناوي :” قوله : ( وتدرك حاجتك )أي فإنك إن أحسنت إليه وفعلت ما ذكر يحصل لك لين القلب وتظفر بالبغية ، وفيه حث على الإحسان إلى اليتيم ومعاملته بمزيد الرعاية والتعظيم وإكرامه لله تعالى خالصًا”.(فيض القدير)
– ومنها: أن البيت الذي فيه يتيم يحسن إليه هو من أفضل البيت وأخيرها عند الله. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ:” خَيْرُ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُحْسَنُ إِلَيْهِ ، وَشَرُّ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُسَاءُ إِلَيْهِ”. (ابن ماجة والبخاري في الأدب المفرد بسند ضعيف ) .
-ومنها: أن كفالة اليتيم دليل على صلاح المرأة؛ فإذا مات زوجها وعالت أولادها نالت خيريّتها في الدّنيا؛ وفوزها بالجنّة ومصاحبة الرّسول صلّى الله عليه وسلّم في الآخرة.
– ومنها: أن في كفالة اليتيم حفظاً لذريتك من بعدك وقيام الآخرين بالإحسان إلى أيتامك. قال تعالى: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا } (النساء: 9). فالجزاء من جنس العمل وكما تدين تدان.
هذه ثمرات وفوائد كفالة اليتيم في الدنيا والآخرة؛ فاعلموها واعملوا من أجلها لتفوزوا بسعادة العاجل والآجل !!
العنصر الخامس: واجبنا نحو اليتيم
عباد الله: يجب علينا فرادى وجماعات أن نقوم بحقوق اليتامى من الرعاية والحضانة والتربية والتعليم والكفالة؛ لأن كفالة اليتيم تساهم في بناء مجتمع سليم خال من الحقد والكراهيّة، وتسوده روح المحبّة والودّ؛ وإذا أهمل شأن اليتيم، وفقد رعاية المسلمين وحمايتهم وقع فريسة للضالين الفاسدين ولأعداء الإسلام الآثمين، ووجهوه إلى مالا يرضي الله والرسول؛ مستغلين ضعفه وفقره وضياعه ملوحين له بالمغريات الزائفة حتى يصلوا به إلى ضياع أكبر. يقول الإمام الرازي – رحمه الله- : ” اعلم أن اليتيم مخصوص بنوعين من العجز : أحدهما : الصغر ، والثاني : عدم المنفق ، ولا شك أن من هذا حاله كان في غاية العجز واستحقاق الرحمة”.( التفسير الكبير). ويقول أ.د/ محمد سيد طنطاوي – رحمه الله-:” وإنما اعتنى الإِسلام برعاية اليتيم لصغره وعجزه عن القيام بمصالحه ، ولأن عدم رعايته سيؤدى إلى شيوع الفاحشة فى الأمة؛ ذلك لأن اليتيم إنسان فقد العائل والنصير منذ صغره ، فإذا نشأ فى بيئة ترعاه وتكرمه وتعوضه عما فقده من عطف أبيه ، شب محبا لمن حوله وللمجتمع الذى يعيش فيه ؛ وإذا نشأ فى بيئته تقهره وتذله وتظلمه نظر إلى من حوله وإلى المجتمع كله نظرة العدو إلى عدوه ، وصار من الذين يفسدون فى الأرض ولا يصلحون؛ لأنه سيقول لنفسه : إذا كان الناس لم يحسنوا إلى فلماذا أحسن إليهم؟ وإذا كانوا قد حرمونى حقى الذى منحه الله لى ، فلماذا أعطيهم شيئا من خيرى وبرى؟ لهذه الأسباب وغيرها أمر الإِسلام أتباعه برعاية اليتيم وإكرامه وصيانة حقوقه من أى اعتداء أو ظلم “.( التفسير الوسيط).
عباد الله: إن المجتمع يعج بقطاعٍ كبيرٍ من الأرامل واليتامى؛ كلهم يشكوننا جميعاً بلسان حالهم إلى الله؛ كم من أرملة مات زوجها تاركاً لها أولاداً صغاراً لا تملك لهم ولا لنفسها قوتاً ولا غذاءً؟! كم من أرملة تنام وأطفالها لا يجدون من يشبع جوعتهم أو يمسح دمعتهم؟! كم من يتيم ينظر إلى آباء أصحابه وكل أب يضع يده فى يد ولده ليشتري له كسوة أو طعاماً وهو مكسور الجناح لا يجد يداً رحيمة تمسك بيده؟! يا ترى ما ذنب اليتيم؟! لماذا قست القلوب؟! لماذا جفت منابع الرحمة هكذا؟! أهذه أخلاق قوم يؤمنون بالله واليوم الآخر؟!
فعليكم أن تقوموا بكفالة الأيتام ورعايتهم فهم أمانة في أعناقكم؛ واعلموا أن كل ما تنفقونه على اليتيم تجدونه وافراً عظيماً عند الله. { وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا }.(المزمل: 20). ولقد ضرب لنا سلفنا الصالح أروع الأمثلة في ذلك. ” فعن حماد بن أبي حنيفة قال: قالت مولاة لداود الطائي: يا داود لو طبخت لك دسماً. قال: فافعلي. فطبخت له شحماً ثم جاءته به. فقال لها: ما فعل أيتام بني فلان؟! قالت: على حالهم. قال: اذهبي به إليهم فقالت له: فديتك إنما تأكل هذا الخبز بالماء؟! قال: إني إذا أكلته كان في الحش وإذا أكله هؤلاء الأيتام كان عند الله مذخوراً “. ( صفة الصفوة لابن الجوزي).
أيها المسلمون: لقد انتشر في زماننا هذا نوع آخر من اليتم وهو اليتم الحكمي لا الحقيقي؛ حيث إن الأبوين موجودان ولكن وجودهما كعدمه؛ وذلك لإهمال أولادهما من تغذية الجانب الروحي؛ فيخرج جيل خواء فارغ؛ فإذا قصرت الأم في الواجب التربوي نحو أولادها، وإذا أهمل الأب مسؤولية التوجيه والتربية نحو أولاده، فلاشك أن الأبناء سينشأون نشأة اليتامى ويعيشون عيشة المتشردين، وصدق القائل:
ليس اليتيم من انتهى أبواه من …… هـــم الحياة وخلفاه ذليلاً
إن الـيـتيم الـــــــــــذي تـلقــــــى لـــه………أمّاً تخلت أو أباً مشغولاً
فارحموا أولادكم يا أطهر أمة، ويا أكرم رجال، ويا أنقى أمهات، من يُتم الأخلاق، فإنَّ هذه ثلمة تربوية لا يسدها شيء ما تعاقبت الأيام إنْ بدا نقصها في أطوار التربية الأولى!! أولادنا مُحتاجون إلى مَن يُربي عقولهم وأفكارَهم وقلوبَهم وضمائرهم بعيدًا عن التشابه في تربية الدَّواب، أو تربية الأشكال – وإلاَّ فهم أشباه الأيتام – فإنَّ الإنسان يرقى أجواز العُلا بروحه لا بجسمه وصورته.
الدعاء،،،،                                                       
 وأقم الصلاة،،،، 
التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات