سماحة الإسلام للشيخ ابراهيم مراسي بركات






الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى في محكم آياته :
(يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) البقرة 185
وقال تعالى (هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) الحج 78
وروي في الصحيحين البخاري ومسلم (عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ « يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا ، وَبَشِّرُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا » وفي رواية « يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا ، وَسَكِّنُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا »
إخوة الإسلام
اليُسْر مقصد مـن مقـاصـد الـدِّين الكبـرى، جعـله الله ـ تعالى ـ أساساً لكل ما أمر به ونهى عنه في كتابه وسنة نبيه – صلى الله عليه وسلم – ، وأمرنا أن نلتزمه في فهمنا للدين والعمل به والدعوة إليه؛
فقال تعالى { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185].
وقال – صلى الله عليه وسلم كما في مسند أحمد « إِنَّ خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ إِنَّ خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ إِنَّ خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ »
وفي لفظٍ: « إِنَّكُمْ أُمَّةٌ أُرِيدَ بِكُمُ الْيُسْرُ » . أخرجه الإمام أحمد
ومفهوم اليسر في الاصطلاح : هو تطبيق الأحكام الشرعية بصورة معتدلة كما جاءت في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، من غير تشدُّد يُحرِّم الحلال ، ولا تميُّع يُحلِّل الحرام .
ويدخل تحت هذا المسمى السماحة والسعة ورفع الحرج وغيرها من المصطلحات التي تحمل المدلول نفسه .
واليُسْر أيضا :هو فـعل ما يحقق الغاية بأدنى قدر من المشقة،
فهذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كما في سنن النسائي والبيهقي وصحيح ابن حبان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَيَسِّرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنْ الدَّلْجَةِ )
يعني استعينوا على طاعة الله بالأعمال في هذه الأوقات الثلاثة
فإن المسافر يستعين على قطع مسافة السفر بالسير فيها
أيها المسلمون
ولكي نقف على يسر الإسلام وسماحته ، فلابد أن نتعرف على شرع من كان قبلنا ، فقد كان الذى يقع في المعصية، ويفعل السيئة في بنى إسرائيل كانت توبته أن يقتل نفسه
أما في الإسلام وهو دين اليسر فيكفى للمذنب أن يندم على ما فعل ، ويعزم على ألا يعود ، ويقلع عن الذنب ، ويرد الحقوق لأصحابها .
لذا قال تعالى في صفة نبي الإسلام ( يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلّ لَهُمُ الطّيّبَاتِ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلاَلَ الّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ) سورة الاعراف 157
ويظهر مبدأ اليسر والمسامحة جليًّا في العبادات أكثر من غيرها من أمور الدين ، حيث إنها سلوك ظاهر ، فجميع العبادات قائمة على هذا المبدأ الذي خصّ الله تعالى به هذه الأمة من غيرها من الأمم ، المفروضة منها والنوافل ، فنرى يسر الإسلام مع المسافر الذى سُمح له بجمع الصلوات وقصرها الرباعية منها فيصلى الظهر مع العصر ويصلى الظهر ركعتين وكذلك العصر بل أذن له ألا يصوم في سفره .
قال تعالى : (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا) (101) ) النساء
والإسلام دين اليسر مع المريض والعجوز والمرأة والمرضع والحامل في السماح لهم بعدم الصيام تقديراً لحالتهم .
قال تعالى (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) البقرة 185
والإسلام دين اليسر عندما أذن للمريض وذي العاهة في عدم الاشتراك في قتال الأعداء . قال تعالى (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ) الفتح 17
ومن صور اليسر ما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن ماجة وغيره (عَنْ أَبِى ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِى الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ ».
وقوله صلى الله عليه وسلم « إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي عَمَّا وَسْوَسَتْ أَوْ حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا ، مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أَوْ تَكَلَّمْ »
ومن صور اليسر في الاسلام ما جاء في الصحيحين (عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ – رضى الله عنه – عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ « إِذَا نَسِىَ فَأَكَلَ وَشَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ »
ومن صور اليسر في الاسلام جواز الفطر في السفر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (« لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ » رواه الترمذي وغيره
ومن صور اليسر في الاسلام الصلاة في الرحال ففي الصحيحين (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – كَانَ يَأْمُرُ مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إِثْرِهِ ، أَلاَ صَلُّوا فِي الرِّحَالِ . فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ أَوِ الْمَطِيرَةِ فِي السَّفَرِ )
ومن صور اليسر في الاسلام أن سمح للمريض ومن في حكمه أن يصلي على الهيئة التي يستطيعها ففي صحيح البخاري (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ – رضى الله عنه – قَالَ كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – عَنِ الصَّلاَةِ فَقَالَ « صَلِّ قَائِمًا ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ » .
ومن صور اليسر في الاسلام التيمم عند فقد الماء أو عدم القدرة على استعماله لقوله تعالى : ( وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)(سورة المائدة الآية 6) .
وفي سنن الترمذي (عَنْ أَبِى ذَرٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ »
ومن صور اليسر في الاسلام ألا يكلف المسلم نفسه ما لا تطيق من العبادات ، ففي صحيح مسلم (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ دَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَعِنْدِي امْرَأَةٌ فَقَالَ « مَنْ هَذِهِ ». فَقُلْتُ امْرَأَةٌ لاَ تَنَامُ تُصَلِّى. قَالَ « عَلَيْكُمْ مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ فَوَ اللَّهِ لاَ يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا ».
أيها المسلمون
وتظهر سماحة الإسلام في توافقه مع الفطرة الإنسانية السليمة التي خلقها الله في نفس الإنسان ، ومن هذه الفطرة الخطأ الذي يقع فيه الإنسان في معظم أحواله من غير قصد ، وكذلك ما يعتريه من النسيان ، وهو ما ذكره الله – تعالى – على لسان المؤمنين الذين قالوا :
(رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (سورة البقرة الآية 286 ) قال الله تعالى : ” قد فعلت ” .
وأما الاستكراه فهو أمر خارج عن إرادة الإنسان ، لا يستطيع كل إنسان أن يتحمل ما قد يتعرض له من أذى أو ضرر أو تهديد بالقتل أو قطع عضو وغيره ، فحينها رخص له الشارع أن يتنازل عن بعض مفاهيمه الدينية تخلصًا من الحال التي يعانيها ، والعذاب الواقع عليه كما حصل لعمار بن ياسر رضي الله عنهما ، ففي سنن البيهقي (عَنْ أَبِى عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ فَلَمْ يَتْرُكُوهُ حَتَّى سَبَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- وَذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ ثُمَّ تَرَكُوهُ فَلَمَّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ :« مَا وَرَاءَكَ؟ ». قَالَ : شَرٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تُرِكْتُ حَتَّى نِلْتُ مِنْكَ وَذَكَرْتُ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ. قَالَ :« كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟ ». قَالَ : مُطْمَئِنًا بِالإِيمَانِ. قَالَ :« إِنْ عَادُوا فَعُدْ ».
كما يظهر مبدأ اليسر والمسامحة في الطهارة واضحًا لأنه المدخل إلى العبادات ، واليسر فيها أمر ضروري ، لأن المسلم يتوضأ في اليوم والليلة خمس مرات ، ويغتسل من الجنابة كذلك ، ويتعرض لبعض النجاسات هنا وهناك ، فإن الشدة في الطهارة توقعه في الضيق والحرج ويجعل نفسه تمل من العبادة نفسها فضلا عن الطهارة ، كما هي حال كثير من المصابين بالوسوسة أثناء الوضوء أو الطهارة أو وقوع بعض النجاسات على الثوب وغيرها ، وهذا ما نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهو جزء من سماحة هذا الدين ويسره ، وفضل من الله – تعالى – على عباده ليندفعوا نحو الطاعة وأداء العبادات بالصورة المطلوبة ، حيث يقول عليه الصلاة والسلام في طهارة الماء كما في سنن ابن ماجة (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « إِنَّ الْمَاءَ لاَ يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلاَّ مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ ».
وفي سنن الترمذي (سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا أَفَنَتَوَضَّأُ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ ».
ويتبين يسر هذا الدين في الطهارة من قصة الأعرابي الذي بال في المسجد فقام الناس ليقعوا به ، ففي صحيح البخاري (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – « دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلاً مِنْ مَاءٍ ، أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ »
ومن صور اليسر في الإسلام – جواز الصلاة في أي مكان من الأرض ، حيث لم تكن جائزة عند الأمم السابقة إلا في المعابد والصوامع ،
ففي صحيح البخاري (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ « أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا ، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِى أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ فَلْيُصَلِّ ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي ، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً ، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً » . ومن صور اليسر في الإسلام – تخفيف الصلاة وعدم الإطالة فيها ، لأن صلاة الجماعة تجمع بين الصغير والكبير والمريض ، فينبغي مراعاة ذلك ، وهذا ما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يحذر أصحابه منه ،
ففي الصحيحين (عَنْ أَبِى مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لاَ أَكَادُ أُدْرِكُ الصَّلاَةَ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنَا فُلاَنٌ ، فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْ يَوْمِئِذٍ فَقَالَ « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّكُمْ مُنَفِّرُونَ ، فَمَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ ، فَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ »
ومن صور اليسر في الإسلام – رفعت الصلاة عن الحائض والنفساء ، ولا تقضى بعد الطهر ، وهذا يسر ولطف على المرأة ، حيث تعاني في فترة الحيض والنفاس آلامًا ودماء ، يصعب معها الصلاة ، وقد تطول هذه المدة فيشق القضاء ، فجاءت الرحمة الربانية على المرأة بهذا التيسير ، ولم يطلب منها قضاء تلك الصلوات الفائتة عنها بعد ذلك .
ومن صور اليسر في الإسلام – مشروعية سجود السهو لجبر الخلل الذي يحصل في الصلاة ، ولم تطلب إعادتها .
أيها المسلمون
وتتبين مظاهر اليسر والتسهيل في أداء فريضة الزكاة من خلال الأمور الآتية :
– أنها لم تأت على جميع الممتلكات والعقارات والأموال ، وإنما اقتصرت على بعض الأصناف مثل : بهيمة الأنعام ، والأثمان ، والزروع ، وعروض التجارة .ويشترط في الأصناف التي تجب فيها الزكاة أن تبلغ النصاب ،
– ومن يسر الإسلام أيضًا في أداء هذه الفريضة أنه لم يجعل دفع الزكاة إلا مرة واحدة في السنة ، وذلك بعد أن يحول عليه الحول .
– ومن ذلك أن مقدار المال الواجب دفعه للزكاة قليل جدًّا بالنسبة للمال الذي يوجب فيه الزكاة ، بحيث لا يؤثر فيه كثيرا ، ولا يتأثر بذلك صاحبه
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

أما بعد أيها المسلمون
وتتضح صور السماحة في الحج من خلال النقاط الآتية :
– الاستطاعة في الزاد والراحلة ، وأن لا يكون عليه دين أو التزام مالي آخر من حقوق الآخرين ، لقوله تعالى : ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)(سورة آل عمران الآية 97) .
– وجوبه في العمر مرة واحدة ، لأن فيه المشقة والعناء ، فيصعب على المؤمن أن يؤديه كل عام ، ففي صحيح مسلم (عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ « أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا ». فَقَالَ رَجُلٌ أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلاَثًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ – ثُمَّ قَالَ – ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلاَفِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ ».

–ومن صور التيسير التخيير بين المناسك الثلاثة : التمتع ، والقران ، والإفراد .
– وكذا التخيير في الترتيب بين الأعمال الثلاثة يوم العيد ، الرمي والحلق والطواف ، ففي البخاري (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ – رضى الله عنهما – قَالَ سُئِلَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – فَقَالَ رَمَيْتُ بَعْدَ مَا أَمْسَيْتُ . فَقَالَ « لاَ حَرَجَ » . قَالَ حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ . قَالَ « لاَ حَرَجَ » ويقول عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما – في رواية مسلم : فما رأيته صلى الله عليه وسلم سئل يومئذ عن شيء إلا قال افعلوا ولا حرج .
– ومن اليسر أن كل خلل في واجبات الحج من غير قصد يجبر بفدية ، وحجه صحيح إذا كان القصور من هذا الوجه فقط .
أيها المسلمون
ولم يقتصر التيسير في الإسلام على العقيدة والعبادة بل تعداه إلى المعاملات التي تأخذ مساحة واسعة من حياة الإنسان العملية ، فالتجارة والصناعة والزراعة والتعليم وغيرها ، يدخل جميعها تحت مظلة المعاملات ، والناس في المعاملات أكثر عرضة للمعاصي والآثام ، لأن المحرك لها هو المال ، ومعلوم مدى تأثير المال في نفس الإنسان وطباعه وسلوكه ، لذلك كانت النصوص القرآنية والنبوية تترى في اتباع التيسير والمسامحة في المعاملات ، ففي صحيح البخاري (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ – رضى الله عنهما – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ « رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً سَمْحًا إِذَا بَاعَ ، وَإِذَا اشْتَرَى ، وَإِذَا اقْتَضَى »
وفي سنن أبي داود وغيره (عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا أَقَالَهُ اللَّهُ عَثْرَتَهُ ».

–ومن صور التيسير في المعاملات التيسير على المدين المعسر : وهو مبدأ عظيم جاء به الإسلام ، رحمة بحاله وتقديرًا لظروفه القاسية ، وهو عنصر قوي من عناصر التكافل الاجتماعي بين أبناء الأمة ، حيث يجعل من المجتمع وحدة متينة ، قائمة على الحب والوئام ، والتعاون والتراحم ، وهو تطبيق عملي لقوله تعالى : (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)(سورة البقرة الآية 280 ) .
إن هذا المبدأ المبارك في التيسير على المدين المعسر يفتقده العالم المعاصر في ظل هذا التطور الحضاري الهائل ، ومع وجود الجمعيات العالمية الكبرى التي تعنى بشؤون الإنسان وحرياته وحقوقه ، وهو وصية الرسول عليه الصلاة والسلام منذ أربعة عشر قرنًا لأصحابه وللأمة من بعدهم ففي صحيح مسلم أن ( رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ أَوْ يَضَعْ عَنْهُ ».
ولقد تميزت الشريعة الإسلامية عن غيرها من الشرائع والقوانين في التشريع الجنائي ووضع العقوبات المناسبة لأفعال الناس التي تضر بالأنفس والأموال والأعراض وغيرها ، حيث أضفت الشريعة على هذه العقوبات ألوانًا من السماحة واليسر ، بحيث تتقبلها النفس الإنسانية في كل أحوالها بل تطالب بها إذا وقعت مثل تلك الأفعال ، ويمكن أن نبين هذه السماحة والسعة من خلال بيان عقوبتين فقط ، وهما :
أ – عقوبة قتل النفس :
ويظهر يسر الإسلام وسماحته في تطبيق العقوبة على القاتل من خلال النقاط الآتية :
– لا يؤخذ أحد بجريمة أحد ، أي أنه لا يعاقب إلا القاتل نفسه ، وليس لأهله وذويه وقبيلته شأن في فعله وتطبيق العقوبة عليه ، بدون تعسف أو تعد ، بخلاف ما كانت عليه الجاهلية ، حيث كانت تشب حروب وتنتهك أعراض ، ويقتل بالرجل أكثر من الواحد ، كلها بسبب جريمة قتل وقعت لأحد أفرادهم ، لقوله عز وجل : ( وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا)(سورة الإسراء الآية 33)
– إن من يسر الإسلام وسماحته أن جعل المجال مفتوحًا أمام ولي أمر المقتول وخيره بين إحدى ثلاث : القصاص أو الدية أو العفو ، ففي سنن ابن ماجة قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم « مَنْ أُصِيبَ بِدَمٍ أَوْ خَبْلٍ – وَالْخَبْلُ الْجُرْحُ – فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ إِحْدَى ثَلاَثٍ فَإِنْ أَرَادَ الرَّابِعَةَ فَخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَنْ يَقْتُلَ أَوْ يَعْفُوَ أَوْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ فَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَعَادَ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ».
– ومن يسر الإسلام أيضًا وسماحته قبل تطبيق هذه العقوبة أنه يغري أهل المقتول بما عند الله تعالى ، إذا تجاوزوا عن القاتل وعفوا عنه ، ففي مسند أحمد (عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « مَا عَفَا رَجُلٌ إِلاَّ زَادَهُ اللَّهُ بِهِ عِزًّا وَلاَ نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ وَلاَ عَفَا رَجُلٌ قَطُّ إِلاَّ زَادَهُ اللَّهُ عِزًّا ».
ومن يسر الإسلام وسماحته في إنفاذ العقوبة على الزاني أنه طلب شهادة أربعة أشخاص على الفاحشة ، وهذا من باب التحري الزائد ، وتجنبًا لتطبيق العقوبة ، وحتى لا يقع الناس في أعراض غيرهم ، ليس هذا فحسب وإنما حدد عقوبة للذي يقذف الآخرين ويتهمهم بالزنا من غير أن يحضروا أربعة أشخاص فحينها ينال عقوبة القذف ، يقول الله تعالى وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) ( سورة النور الآية 4) --------------------------- وايضا نجد .ان رسول الله صلى الله عليه وسلم سمحًا في تعامله وهو المثل الأكمل في السَّمَاحَة، يحكي لنا أنس رضي الله عنه ما لاقاه من النَّبي صلى الله عليه وسلم من حسن المعاملة فيقول: «خدمتُ النَّبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي: أف، ولا: لم صنعت؟ ولا: ألا صنعت؟» [1739] رواه البخاري (6038). وعنه أيضًا قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن النَّاس خلقًا، فأرسلني يومًا لحاجة، فقلت: والله لا أذهب، وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجت حتى أمر على صبيان، وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قبض بقفاي من ورائي، قال: فنظرت إليه وهو يضحك، فقال: «يا أنيس ذهبت حيث أمرتك؟ قلت: نعم أنا أذهب يا رسول الله» [1740] رواه مسلم (2310). ومن سماحته صلى الله عليه وسلم قضاء حوائج النَّاس، فعن أنس رضي الله عنه قال: «إن كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنطلق به حيث شاءت» [1741] رواه البخاري (6072). ومن سماحته صلى الله عليه وسلم، عفوه عمن أراد قتله، فعن جابر رضي الله عنه أنَّه غزا مع النَّبي صلى الله عليه وسلم قِبَلَ نجد، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم، قفل معهم فأدركتهم القائلة في واد كثير العضاه، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرق النَّاس يستظلون بالشجر، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت سمرة، فعلق بها سيفه، ونمنا نومة، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا، وإذا عنده أعرابي فقال: «إن هذا اخترط عليَّ سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتًا قال: من يمنعك مني؟ قلت: الله ثلاثًا، ولم يعاقبه وجلس» [1742] رواه البخاري (2910). ومن سماحته صلى الله عليه وسلم، تعامله مع الأعرابي الذي جذب رداءه بشدة؛ ليأمر له بعطاء، فعن أنس رضي الله عنه قال: «كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجبذه بردائه جبذة شديدة، ورجع نبي الله صلى الله عليه وسلم في نحر الأعرابي، حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ضحك، ثم أمر له بعطاء» [1743] رواه البخاري (5809)، ومسلم (1057) ---------------------------. نماذج من سماحة السلف مع غير المسلمين:------------ في خلافة أبي بكر رضي الله عنه، كتب خالد بن الوليد رضي الله عنه في عقد الذمة لأهل الحيرة بالعراق وكانوا من النصارى: وجعلت لهم أيما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنيًّا فافتقر، وصار أهل دينه يتصدقون عليه، طرحت جزيته، وعيل من بيت مال المسلمين هو وعياله [1744] كتاب الخراج لأبي يوسف (ص 157). وأوصى عمر رضي الله عنه الخليفة من بعده بأهل الذمة أن يُوفَى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم وأن لا يكلفوا فوق طاقتهم [1745] رواه البخاري (1392). وذبحت لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، شاة في أهله، فلما جاء، قال: أهديتم لجارنا اليهودي؟ أهديتم لجارنا اليهودي؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنَّه سيورثه» [1746] رواه أبو داود (5152)، الترمذي (1943)، والبيهقي في معرفة السنن والآثار (6/214). قال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه. وصححه الألباني في الترغيب والترهيب (2574). وفي خلافة عمر بن عبد العزيز رحمه الله كتب إلى عدي بن أرطأة: وانظر من قبلك من أهل الذمة، قد كبرت سنه، وضعفت قوته، وولَّت عنه المكاسب، فأجر عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه

التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات