الثبات على الطاعة بعد رمضان حتى الممات للشيخ السيد مراد سلامة




خطبة عيد الفطر 1439هـ

الحمد لله الذي سهل للعباد طريق العبادة ويسر، وضاعف لهم الحسنات إلى سبعمائة ضعف أو أكثر، ووفَّاهم أجورهم من خزائن جوده التي لا تحصر، وجعل لهم أعيادًا إسلامية في كل سنة عيدين: عيدَ الفطر وعيدَ النحر بدلاً من أعياد الجاهلية والمنكر، وعيدُ الأسبوع يوم الجمعة، عيدٌ لا ينكر، فهي أعياد إسلامية تُجدد المحبةَ والإخاء وتذكِّر بالفزع الأكبر. وأشكره على نعمه التي لا تحصر.

وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله خير من صلى وصام، اجتهد في عبادة ربه حتى تفطرت قدماه فكان عبدًا شكورًا، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى أصحابه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، الله أكبر! الله أكبر! لا إله إلا الله! الله أكبر! الله أكبر ولله الحمد!

الله أكبر ما صامت الأمة المحمدية شهر رمضان، مخبتين وصابرين، الله أكبر ما قرؤوا القرآن وباتوا لربهم سجدًا وقيامًا، الله أكبر ما توافد المسلمون على المساجد مصلين وذاكرين، يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ولفضله سائلين، وعلى نعمه شاكرين، الله أكبر ما ذكروا بصيامهم أحوال البائسين، وواسوا بزكاتهم الفقراء والمساكين، وخرجوا يوم العيد مسرورين ويهنئ بعضهم بعضًا بما ناله من عظيم الأجر والفضل الأكبر.

الله أكبر ما صام صائم وأفطر، الله أكبر ما تلى قارئ كتاب ربه فتدبر، الله أكبر ما بذل محسن فكشر، وابتلي مبتلى فصبر أما بعد:
حال كثير من الناس بعد رمضان:
أمة الإسلام: كل عام أنتم بخير وتقبل الله منا ومنكم الصيام وخالص الأعمال انقضى رمضان وانقضت أيامه ولياليه وفي أول فجر من شهر شوال زلت أقدام عن الصراط ونامت عن ذكر رب الأرض والسماوات ثم ازداد الأمر سوء في صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء...

أين المصلون؟ أين الذاكرون؟ أين التالون؟ أين ذهب هؤلاء؟
هل استطاع الشيطان في أول لحظة من انطلاقه أن ياسر هؤلاء جميعا؟!
لماذا زلت الأقدام بعد ثبوتها؟
هذا هو حال كثير من المسلمين خفّ زحام المساجد ولم يبق إلا عُمارها الذين شغفت قلوبهم بطاعة ربهم، الذين تعلقت قلوبهم ببيت ربهم، الذين تذوقوا حلاة الطاعة فمن ذاق عرف ومن عرف اغترف.

موانع الثبات على الطاعات:
فإن سألتم إخوة الإسلام: ما هي الموانع التي منعت هؤلاء من الثبات على الطاعة؟
الجواب بحول الملك الوهاب:
اعلم علمني الله وإياك: أن هناك أسباب عديدة تحول بينك وبين الثبات نذكر منها ما ذكره علماؤنا:
أولا: ضعف العزيمة: وذلك أن كثيرا من هؤلاء عزيمته ونيته وإرادته ضعيفة وذلك لأنه ما عقد النية في أول رمضان على المثابرة والثبات على الطاعة بعد رمضان والخواتيم ميراث السوابق فكثير من هؤلاء رمضاني الطاعة والعبادة فاذا مضى رمضان انقطعت عزيمته وفلت إرادته.

ثانيا: طول الأمل: اعلم أنه ما أساء أحد العمل إلا وتجده طويل الأمل، وما زلت قدم بعد ثبوتها إلا لطويل أملها والله تعالى أخبرنا عمن ساء عمله وخاب سعيه فقال محذرا من طول الأمل، ﴿ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ [الحديد: 16]، ويقول جل شأنه: ﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ [الحجر: 3] أي دعهم يعيشوا كالأنعام ولا يهتموا بغير الطعام والشهوات، وقوله: ﴿ وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ ﴾ أي يشغلهم طول الأمل والعمر عن استقامة الحال على الإيمان، والأخذ بطاعة الله تعالى.

ثالثا: التوسع في المباحات من مأكل ومشرب ومركب كلها مقعدات للعبد عن الطاعة لذا أرشدنا من بيده الرشد إلى الاعتدال في المباحات فقال رب الأرض والسماوات ﴿ كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى ﴾[طه: 81].

فأمر -سبحانه- بالأكل ونهى عن الطغيان فيه حتى لا تميل النفس إلى البطالة والكسل، وتتقاعس عن العمل وتطلب الراحة ويعجز المسلم عن حملها عليه، وهذا لا يعني تحريم ما أحل الله، فقد كان -صلى الله عليه وسلم - (يحب العسل والحلواء) (ويأكل اللحم ويقبل ما يقدم إليه إلا أن يعافه) فاستعمال المباح في التقوي على الطاعة طاعة، ولكن الآفة التوسع والاستكثار، فليكن تناول المباح بقدر.

سأل سائل الإمام ابن الجوزي رحمه الله قائلاً: "أيجوز أن أفسح لنفسي في مباح الملاهي"، فأجابه: «عند نفسك من الغفلة ما يكفيها»!!
كان بعض الصحابة و السلف يترفعون عن الدنيا وملذاتها ومن ذلك ما جاء عنهم:
تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (أول بلاء حدث في هذه الأمة بعد نبيها الشبع، فإن القوم لما شبعت بطونهم سمنت أبدانهم، فضعفت قلوبهم وجمحت شهواتهم).

قال رجل لابن عمر رضي الله عنهم: ألا أجيئك بجوارش، قال: وأي شيء هو؟ قال: شيء يهضم الطعام إذا أكلته، قال: ما شبعت منذ أربعة أشهر، وليس ذاك أني لا أقدر عليه، ولكن أدركت أقواماً يجوعون أكثر مما يشبعون. [رواه الإمام أحمد].

رابعا: إلف المعصية:
وقد نبه السلف إلى هذه القضية فقد قال الضحاك: "ما نعلم أحدا حفظ القرآن ثم نسيه إلا بذنب" ثم قرأ: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير).

وسأل رجلٌ الحسنَ البصري قائلا: يا أبا سعيد إني أبيت معافى وأحب قيام الليل وأعد طهوري فما بالي لا أقوم؟ فقال: "ذنوبك قيدتك".

وقال الثوري: "حرمت قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته" قيل وما ذاك الذنب؟ قال: "رأيت رجلا يبكي فقلت هذا مرائي".

وهذا كرز بن وبرة يدخل على بعض الناس وهو يبكي فيقول له أتاك نعي بعض أهلك فيقول أشد؟ فقال وجع يؤلمك قال أشد قال وما ذاك؟ قال: "بابي مغلق وستري مسبل ولم أقرأ حزبي البارحة وما ذاك إلا لذنب أحدثته".
وقال سليمان الداران: "لا تفوت أحدا صلاة الجماعة إلا بذنب".

وقال آخر: "كم من زلة مَنعت قيام الليل، وكم من نظرة منعت قراءة سورة، وإن العبد ليأكل أكلة فيحرم بها قيام سنة، وكما أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فكذلك الفحشاء تنهى عن الصلاة وسائر الخيرات".

قال ابن القيم في الجواب الكافي: "ومنها - أي آثار المعصية -: حرمان الطاعة فلو لم يكن للذنب عقوبة إلا أن يصد عن طاعة تكون بدله, وتقطع طريق طاعة أخرى فيقطع عليه بالذنب طريق ثالثة ثم رابعة وهلم جرا, فيقطع عليه بالذنب طاعات كثيرة كل واحدة منها خير له من الدنيا وما عليها وهذا كرجل أكل أكلة أوجبت له مرضة طويلة منعته من عدة أكلات أطيب منها والله المستعان.

خامساً: الابتعاد عن الأجواء الإيمانية: النفس إن لم تشغلها بالحق والطاعة شغلتك بالمعصية، ومن أصول عقيدتنا أن الإيمان يزيد وينقص، فيضعف ويضمحل إذا تعرض العبد لأجواء الإباحية والفجور والتبرج والسفور أو انشغل قلبه بالدنيا وأهلها.

لذا بين الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن ((أحب البقاع إلى الله المساجد وأبغض البقاع إلى الله الأسواق))، وما ذلك إلا لأن المساجد بيوت الطاعات، ومحل نزول الرحمات، وأساسها على التقوى، والأسواق محل الغش والخداع والربا والأيمان الكاذبة وخلف الوعد والإعراض عن ذكر الله وغير ذلك مما في معناه.

وحينما سأل قاتل المائة العالم: هل له من توبة؟ قال: نعم ومن يحول بينك وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسًا يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء، مما يدل على أن البيئة تؤثر في ثبات المسلم على الطاعة.

لذا حث الشرع على مرافقة الصالحين ليعتاد المسلم فعل الطاعات، وترك السيئات، قال -تعالى-: ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ [الكهف: 28].

وسائل الثبات على الطاعات:
أولا: صدق النية وقوة العزيمة
اعلم أن من أعظم وسائل الثبات على الطاعة ان تكون صادق النية قوة العزيمة عال الهمة ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا * لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [الأحزاب: 23، 24].

روى الخطيب بسنده عن أسد بن عمرو أن أبا حنيفة كان يصلي بالليل ويقرأ القرآن في كل ليلة، ويبكي حتى يرحمه جيرانه.
ومكث أربعين سنة يصلي الصبح بوضوء العشاء.. وكانت وفاته في رجب من هذه السنة -أعني سنة خمسين ومائة -.

ثانيا: الدعاء:
ومما يثبت المؤمن على الطاعة الدعاء فهو سلاح المؤمن وحصنه الذي يلجا إليه، قال -تعالى -: ﴿ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [آل عمران: 101].

ومن صفات عباد الله المؤمنين أنهم يتوجهون إلى الله بالدعاء أن يثبتهم على الطاعة: ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾ [آل عمران: 8].

وهذا من عصمه الله تعالى، فيكثر من الدعاء ويسأل رب الأرض والسماء عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك).

أخرج مسلم من حديث عبدالله بن عمرو سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن عز و جل كقلب واحد يصرفه حيث يشاء ثم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك.
وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - يدعو: ((اللهم يسرني لليسرى وجنبني العسرى)).

ثالثا: قصر الأمل:
عن ابن عمر قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي، فقال: « كن في الدنيا كالغريب، أو كعابر سبيل ». قال: وكان ابن عمر يقول: إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من صحتك لمرضك، وخذ من حياتك لموتك.

عن شداد بن أويس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه وهواها وتمنى على الله عز وجل».

وقال علي بن أبي طالب: [إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى، وطول الأمل، فأما اتباع الهوى فيصدكم عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة، ألا وإن الدنيا ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة ارتحلت مقبلة، ولكل واحدة منها بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل] رواه البخاري تعليقاً، ووصله ابن أبي شيبة في المصنف، ورواه ابن المبارك في الزهد.

ثمرات الثبات على الطاعة:
اعلموا بارك الله فيكم أن للطاعة والمثابرة عليها ثمرات يراها ويجنيها أهل الثبات في الدنيا والأخرة نذكر منها.
الثبات على الطاعة - ولا سِيَّما النوافل - سببٌ لمحبة الله:
يقول تعالى - كما في الحديث القدسي، الذي أخرجه البخاريُّ من حديث أبي هريرة -: ((وما يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أُحِبَّه))، فالمداومة على النَّوافل من العبادات سببٌ لمحبة الله للعبد.

الثبات على الطاعة هو سُنَّة الحبيب محمد -صلَّى الله عليه وسلَّم -:
ففي "صحيح مسلم" من حديث عائشة -رضي الله عنها - أن النبيَّ كان إذا عمل عملاً أثبته، وفي "الصَّحيحين" من حديثها أيضًا أنَّها قالت: "ما كان رسول الله يَزِيد في رمضان ولا في غيره عن إحدى عشرة ركعة".

الثبات على الطاعة سببٌ لِحُسن الخاتمة:
فإذا داومَ العبد على الطَّاعات، كان من أعظم الأسباب لتحقيق حُسْن الخاتمة، وقد جرَتْ سُنَّة الله في خلقه أنَّ من داوم على شيءٍ مات عليه، ومن مات على شيءٍ بُعِث عليه، وكما في الحديث الذي أخرجه مسلمٌ من حديث جابر - رضي الله عنه -: ((يُبعث كلُّ عبد على مات عليه)).


التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات