ظاهرة سبِّ الدِّين د/ أحمد محمد أبو عيد
الحمد للهِ الذي أنزَلَ الكتابَ هُدىً ونورًا، وجعَلَ الدِّينَ قِيمًا يُصلِحُ القلوبَ ويُهذِّبُ النُّفوسَ، ويُؤلِّفُ بينَ الناس، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، صلى الله عليه وعلى آلهِ وصحِبِه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
العناصر
أولًا: فضل الدين ومكانته
ثانيًا: التحذير من سبِّ الدِّين وأدلته
ثالثًا: أسباب انتشار سبِّ الدِّين وعلاجه
الموضوع
أولًا: فضل الدين ومكانته
دين الله جل في علاه؛ قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ﴾ [آل عمران: 19]، وقال تعالى: ﴿ وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ ﴾ [النحل: 52]، وقال تعالى: ﴿ قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ﴾ [الأعراف: 29]، وقال تعالى: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [الأنفال: 39].
أعظم نعمة أنعم الله تعالى بها على البشرية جمعاء؛ كما جاء في كتاب الله جل في علاه: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3]، وفي الصحيحين عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ((أن رجلًا من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا - معشر اليهود - نزلت، لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا، قال: أي آية؟ قال: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3]، قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم، والمكان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قائم بعرفة يوم جمعة)).
لا تصح العبادة إلا به، ولا يُقبَل سواه؛ كما قال الله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [آل عمران: 85].
دين جميع الأنبياء والمرسلين؛ كما قال الله تعالى: ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ ﴾ [الشورى: 13].
ملة أبينا إبراهيم عليه السلام، الذي كسَّر الأصنام، وتعرض لأشد البلاء؛ قال الله تعالى: ﴿ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ ﴾ [الحج: 78].
وتبرأ من أبيه وقومه من أجل هذا الدين؛ كما قال الله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ﴾ [الزخرف: 26].
ومات عليه السلام وهو يوصي أبناءه بهذا الدين العظيم؛ قال الله تعالى: ﴿ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [البقرة: 132].
دين محمد صلى الله عليه وسلم، الذي قضى عمره كله في تبليغه للناس؛ فقام ولم يقعد صلى الله عليه وسلم حتى توفاه الله تعالى؛ قال الله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴾ [الصف: 9].
فكيف كانت بداية الوحي وشدته، وكيف كان الأذى من قريش، حتى وصل الحال إلى التهديد بالقتل؛ كما قال الله تعالى: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ [الأنفال: 30].
ثم يأتيه الأمر من الله تعالى بالهجرة؛ فما إن يصل إلى هناك حتى بدأ صراع الحق والباطل؛ غزواتٌ وقتالٌ خاضه صلى الله عليه وسلم؛ من أجل نصرة هذا الدين العظيم.
ثم يمُنُّ الله تعالى عليه بفتح مكة، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، فما توفاه الله تعالى إلا وقد ترك الناس على محجة بيضاءَ، ليلُها كنهارها؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: ((تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا؛ كتاب الله وسنتي)).
وبعد ثلاث وعشرين سنة من الدعوة والجهاد، توفاه الله تعالى، ويشتد الأمر على الصحابة، لكنهم حملوا الراية من بعده، واستمرت مرفوعة خفَّاقة فتحمَّلوا هذه الأمانة؛ لأنهم تخرجوا من هذه الجامعة النبوية، ولأنهم تربَّوا تربية إيمانية على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فيتولى الخلافة أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وتُفتَح البلاد والأقطار غربًا وشرقًا، وشمالًا وجنوبًا، حتى ما ترك الله تعالى بيتَ مدرٍ ولا وبرٍ، إلا وأدخله الإسلام.
ثانيًا: التحذير من سبِّ الدِّين وأدلته
هو كل قول يتضمن الشتم أو التنقُّص أو الاستهزاء أو الاحتقار الموجَّه إلى دين الإسلام أو إلى شيء من ثوابته ومقدَّساته: كالذات الإلهية، أو القرآن الكريم، أو النبي ﷺ، أو الملائكة، أو الشعائر المعلومة من الدين بالضرورة.
أجمع العلماء على أن سبَّ الدِّين كُفرٌ أكبر مُخرِج من الملَّة، سواء صدر عن جِدٍّ أو هَزْل، وهو من أعظم نواقض الإسلام.
لا يقبل الله عذرهم: قال الله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ● لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: 65-66]
وجه الدلالة: - هذه الآية أصلٌ عظيم في هذا الباب، فقد حكم الله بالكفر على من استهزأ بالله وآياته ورسوله.
- لم يقبل الله عذرهم بأنهم كانوا يلعبون ويخوضون، مما يدلُّ على أن الاستهزاء كفر سواء كان جِدًّا أو هزلًا.
- قال الإمام القرطبي: "ما كان استهزاءً بالله وبآياته وبرسوله فلا يُشكَل في أنه كفرٌ صريح" (الجامع لأحكام القرآن 8/197).
العذاب المهين: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ [الأحزاب: 57]
وجه الدلالة: رتَّب الله اللعن والعذاب المهين على إيذاء الله ورسوله، والسبُّ من أعظم صُوَر الإيذاء.
- قال ابن كثير: "ومعنى إيذاء الله: مخالفته ومعصيته والكفر به والشرك، ويدخل فيه سبُّه تعالى تبارك وتعالى عن ذلك" (تفسير ابن كثير 6/488).
التحذير من سب آلهة المشركين: قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 108]
وجه الدلالة: نهى الله عن سبِّ آلهة المشركين لئلَّا يكون ذلك ذريعة لسبِّ الله تعالى. فإذا كان مجرَّد التسبُّب في سبِّ الله مُحرَّمًا، فكيف بالسبِّ المباشر؟!
- قال الإمام الطبري: "نهاهم الله أن يسبُّوا أوثان المشركين فيسبَّ المشركون الله جهلًا واعتداءً" (جامع البيان 12/67).
إهلاك المستهزئين: قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: 95] ، فقد توعَّد الله المستهزئين بالإهلاك، مما يدلُّ على عِظَم جُرم الاستهزاء.
وقال الله تعالى: ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾ [الحج: 18]، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: 3] ، فقد حكم الله على مُبغِض النبي ﷺ بالبَتْر والخسران.
دمه مهدر: عن ابن عباس رضي الله عنهما أن أعمى كانت له أمُّ ولدٍ تَشتُم النبيَّ ﷺ وتقع فيه، فينهاها فلا تنتهي، ويزجرها فلا تَنْزَجِر، فلما كانت ذاتَ ليلةٍ جعلت تقع في النبي ﷺ وتشتمه، فأخذ المِعْوَل فوضعه في بطنها واتَّكأ عليه فقتلها، فلما أصبح ذُكِر ذلك للنبي ﷺ فجمع الناس فقال: «أَنْشُدُ اللَّهَ رَجُلًا فَعَلَ مَا فَعَلَ لِي عَلَيْهِ حَقٌّ إِلَّا قَامَ»، فقام الأعمى يتخطَّى الناس حتى قعد بين يدي النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أنا صاحبها... فذكر القصة، فقال النبي ﷺ: «أَلَا اشْهَدُوا أَنَّ دَمَهَا هَدَرٌ». (رواه أبو داود: 4361، والنسائي: 4070، وصححه الألباني)
وجه الدلالة: - أهدر النبي ﷺ دمها لسبِّها إياه، مما يدلُّ على أن سبَّ النبي ﷺ موجِب للقتل وأنه كفرٌ.
إيذاء الله: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ، يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي الأَمْرُ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ». (رواه البخاري: 4826، ومسلم: 2246)
وجه الدلالة: بيَّن الله أن سبَّ الدهر يعود على الله بالأذى، لأن الله هو مدبِّر الأمور ومقلِّب الليل والنهار، فالذي يسبُّ الدهر كأنما يسبُّ الله.
- قال الإمام النووي: "معنى يؤذيني: يَنْسُبُ إليَّ ما لا يليق بي" (شرح مسلم 15/3).
مجاهرة بالمعصية: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ». (رواه البخاري: 6069، ومسلم: 2990)
وجه الدلالة: - سبُّ الدين من أعظم صُوَر المجاهَرة بالمعصية والكفر.
من الكبائر: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: «يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ». رواه البخاري: 5973، ومسلم: 90)
وجه الدلالة: - إذا كان التسبُّب في سبِّ الوالدين من أكبر الكبائر، فكيف بالتسبُّب في سبِّ الدين أو سبِّ الله مباشرة؟!
دخول النار: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ». (رواه البخاري: 6477، ومسلم: 2988)
وجه الدلالة: التحذير الشديد من الكلام الذي يُغضِب الله، وسبُّ الدين من أعظم ما يُغضِب الله.
وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ — أَوْ قَالَ: عَلَى مَنَاخِرِهِمْ — إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ». (رواه الترمذي: 2616، وقال: حسن صحيح)
وجه الدلالة: أن اللسان سببٌ رئيسي في دخول النار، وسبُّ الدين من أقبح حصائد اللسان.
النهي عن سب مخلوقات الله فكيف بدينه!: فقد نهي عن سب الريح؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون، فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أُمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها وشر ما أُمرت به))؛ [رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح].
وجاء النهي عن لعن وسب الطيور؛ فعن زيد بن خالد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تسبوا الديك؛ فإنه يوقظ للصلاة)) [رواه أبو داود، وصححه الألباني في صحيح الجامع].
وجاء النهي عن سب ولعن حتى الشيطان؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تسبوا الشيطان، وتعوَّذوا بالله من شره))؛ [صحيح الجامع].
فلا يقل المؤمن: تعِس الشيطان، بل أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم لِما هو أفضل من ذلك؛ فعن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار، فعثر الحمار، فقلت: تعِس الشيطان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تقل: تعس الشيطان؛ فإنك إذا قلت ذلك تعاظم، حتى يصير مثل الجبل، ويقول: بقوتي صرعته، ولكن قل: باسم الله؛ فإنك إذا قلت باسم الله، تصاغرت إليه نفسه، حتى تكون مثل الذباب)).
التحذير من الجلوس معهم: الدليل العاشر: قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: 68]
وجه الدلالة: - أمر الله بمفارقة مجالس الخائضين في آيات الله بالاستهزاء، وهذا يدلُّ على خطورة هذا الفعل.
حكم سب الدين؟ وما جزاء مَن يفعل ذلك؟
الجواب: سب الدين أمر مُحرم شرعًا؛ فإن قصد به المتلفِّظُ طريقةَ الشخص وتدينه وأخلاقه فهو آثمٌ شرعًا مُرتكبٌ لمعصيةٍ سمَّاها النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسقًا؛ فقال: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» ([1]) ، أمَّا مَن سبَّ الدين مريدًا به دينَ الإسلام قاصدًا عالِمًا مختارًا فهذا هو الكفر المخرج عن الملة.
التفاصيل....
اتفق الفقهاء على أن مَن سَبَّ ملة الإسلام أو دين المسلمين فإنه يكون كافرًا، أما مَن شتم دينَ مسلم فإنه لا تجوز المسارعة إلى تكفيره؛ لأنه وإن أقدم على أمر محرَّم شرعًا إلا أنه لما كان محتملًا للدين بمعنى تدين الشخص وطريقته، فإن هذا الاحتمال يرفع عنه وصف الكفر، إلا أنه مع ذلك لا ينفي عنه الإثم شرعًا؛ لأنه أقدم على سب مسلم، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، كما أنه تجرأ بذلك على لفظ سَيِّئ قبيحٍ دائر بين الكفر والإثم؛ فإن سلِم من الكفر فإنه واقع في المعصية.
وقد نهى الشرع عن إطلاق الألفاظ الموهمة التي تحتمل معاني فاسدة، فكيف إذا احتملت الكفر وسب دين الإسلام! وعلى ذلك جرى كلام الفقهاء في تأثيم صاحبه واستحقاقه للأدب من قبل الحاكم، مع المنع مِن المبادرة بتكفيره:
وجرت الفتوى بدار الإفتاء المصرية؛ فقد جاء في الفتوى رقم 638 لسنة 1941م، لفضيلة المفتي الأسبق الشيخ عبد المجيد سليم: [لا يُفتَى بكفر مسلم أمكن حمل كلامه على محمل حسن، وأن من ذلك ما يقع من العامة من سب الدين، فإنه يمكن حمل كلامهم على محمل حسن؛ لأنهم لا يقصدون سب دين الإسلام] اهـ.
وبناءً على ما ذكر وفي واقعة السؤال: فإن سب الدين أمرٌ محرمٌ شرعًا؛ فإن قصد به المتلفظ طريقة الشخص وتدينه وأخلاقه فهو آثم شرعًا مرتكب لمعصية سمَّاها النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسقًا، ولكنه لا يكون كافرًا ولا يجوز إطلاق الكفر عليه، أمَّا مَن سب الدين مريدًا به دينَ الإسلام قاصدًا عالمًا مختارًا فهو كافر مرتد عن الدين.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
ثالثًا: أسباب انتشار سبِّ الدِّين وعلاجه
أسباب الوقوع في سبِّ الدِّين
* ضعف الإيمان وقلة تعظيم الله في القلوب.
* الجهل بخطورة هذا الفعل وأنه كفرٌ مخرج من الملة.
* رفقاء السوء والبيئة الفاسدة.
* التربية السيئة فبعض الناس ينشأ في بيئة يسمع فيها سبَّ الدين حتى يألفه.
* عدم ضبط النفس عند الغضب.
* الاستهتار بالكلام وعدم مراقبة اللسان.
* ضعف الوازع الديني وقلة العلم الشرعي.
* المسكرات والمخدرات التي تُذهب العقل.
* التأثر بالإعلام الفاسد الذي يُهوِّن من الثوابت.
العلاج والوقاية
أولًا: على المستوى الفردي
* تقوية الإيمان بالعلم والعبادة والذكر.
* تعظيم الله في القلب — لقوله تعالى: ﴿مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: 13].
* حفظ اللسان — لقوله ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» (متفق عليه).
* التدرُّب على ضبط النفس عند الغضب — لقوله ﷺ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» (متفق عليه).
وإذا تعرض الإنسان للغضب، فالمشروع له الاستعاذة؛ كما قال الله تعالى: ﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [الأعراف: 200]، وقال تعالى: ﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [فصلت: 36]، وفي صحيح البخاري عن سليمان بن صرد رضي الله عنه قال: ((استبَّ رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم، فغضب أحدهما، فاشتد غضبه حتى انتفخ وجهه وتغير؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إني لأعلم كلمةً لو قالها لذهب عنه الذي يجد، فانطلق إليه الرجل فأخبره بقول النبي صلى الله عليه وسلم وقال: تعوَّذ بالله من الشيطان)).
* مجالسة الصالحين ومجانبة الفاسقين.
* التفكُّر في عظمة الله وفي الموت والآخرة.
* الإكثار من ذكر الله؛ لأنه يُحصِّن اللسان.
* التوبة والرجوع إلى الله، فالتوبة مقبولة عند الله تعالى بإجماع العلماء إذا استوفت شروطها، لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 53]
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران: 89]
* وجوب تعظيم شعائر الله: قال الله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32] ، جعل الله تعظيم شعائره من تقوى القلوب، ومفهومه أن تحقيرها والاستهزاء بها من ضدِّ التقوى.
* وجوب تعظيم حرمات الله: قال الله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ [الحج: 30].
على المستوى المجتمعي
* نشر العلم الشرعي وبيان خطورة هذا الأمر.
* دور الأئمة والخطباء في التحذير منه.
* الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمن سمع أحدًا يسبُّ الدين وجب عليه إنكاره.
* دور الأسرة في التربية على تعظيم الله وحفظ اللسان.
* المناهج التعليمية التي تُرسِّخ الأدب مع الله ومع الدين.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
%%%%%%%%


0 التعليقات