الآداب العامة للطريق للشيخ أحمد أبو عيد












الحمد لله رب العالمين وأشهد ان لا إله ولي الصالحين وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إمام النبيين

وبعد

فعن أَبي سعيد الخُدري - رضي الله عنه - عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إيَّاكُمْ وَالجُلُوسَ في الطُّرُقَاتِ!» فقالوا: يَا رَسُول الله، مَا لنا مِنْ مجالِسِنا بُدٌّ، نتحدث فِيهَا. فَقَالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «فَإذَا أبَيْتُمْ إلا المَجْلِسَ، فَأَعْطُوا الطَّريقَ حَقَّهُ» . قالوا: وما حَقُّ الطَّريقِ يَا رسولَ الله؟ قَالَ: «غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلامِ، وَالأمْرُ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهيُ عن المُنْكَرِ» ([1])

في هذ الحديث: استحباب ترك الجلوس في الطريق، وأنَّ مَنْ جلس فعليه القيام، بما ذكر من غض البصر عما لا يحل، وكف الأذى بفعل أو قول، وإذا رأى ما يعجبه فليقل: ما شاء الله، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ([2]).

وهذه أربع خطب حول آداب الطريق

ولتصفح الخطب بسهولة اضغط على عنوان الخطبة ستفتح مباشرة بإذن الله

 

1.                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                    غـض البصر

2.                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                    كـف الأذى

3.                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                    رد السلام

4.                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                    الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

 

 


 

وجوب غـض البصر

الحمد لله رب الأرض ورب السماء، خلق آدم وعلمه الأسماء، وأسجد له ملائكته، وأسكنه الجنة دار البقاء، وحذره من الشيطان ألد الأعداء، ثم أنفذ فيه ما سبق به القضاء، فأهبطه إلى دار الابتلاء، وجعل الدنيا لذريته دار عمل لا دار جزاء.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ليس له أنداد ولا أشباه ولا شركاء، خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء، خلق الخلق فمنهم السعداء ومنهم الأشقياء، محيط بخلقه فليس لهارب منه نجاه، قادر مقتدر فكل الممكنات في قدرته سواء، سميع بصير يرى النملة السوداء في الليلة الظلماء.

وأشهد أن سيدنا محمدًا خاتم الرسل والأنبياء، وإمام المجاهدين والأتقياء، والشهيد يوم القيامة على الشهداء، المعصوم ﷺ فما أخطأ قطُّ وما أساء، دعا أصحابه إلى الهدى فلبَّوُا النداء، فإذا ذاته رحمة لهم ونور، وإذا سلوكه إشراق وضياء.

العناصر

أولًا: غَضُّ الْبَصَرِ وأنواعه  

ثانيًا: فضل نعمة البصر

ثالثًا: عواقب النظر للحرام 

رابعًا: كيفية الوقاية من النطر للحرام

الموضوع

أولًا: تعريف غَضُّ الْبَصَرِ وأنواعه

قال الشوكاني: هو إطباق الجفن على العين بحيث تمتنع الرؤية

ومنه قول جرير: فغض الطرف إنك من نمير ** فلا كعبا بلغت ولا كلابا

وقول عنترة: وأغض طرفي ما بدت لي جارتي ** حتى تواري جارتي مأواها

والمعنى غض البصر عما يحرم والاقتصار به على ما يحل.

أنواع غض البصر في الشريعة:

قال ابن تيمية: والله سبحانه قد أمر فى كتابه بغض البصر وهو نوعان:

1 -  غض البصر عن العورة: كغض الرجل بصره عن عورة غيره.

2-  غضه عن محل الشهوة: كالنظر إلى الزينة الباطنة من المرأة الأجنبية فهذا أشد من الأول كما أن الخمر أشد من الميتة والدم ولحم الخنزير وعلى صاحبها الحد وتلك المحرمات إذا تناولها مستحلا لها كان عليه التعزير لأن هذه المحرمات لا تشتهيها النفوس كما تشتهى الخمر. ([3])

3- غض البصر عن بيوت الناس فبيت الرجل يستر بدنه كما تستره ثيابه وقد ذكر سبحانه غض البصر وحفظ الفرج بعد آية الاستئذان ، وذلك أن البيوت سترة كالثياب التي على البدن ، كما جمع بين اللباسين في قوله تعالى { وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (81) } سورة  النحل فكل منهما وقاية من الأذى الذى يكون سموما مؤذيا كالحر والشمس والبرد وما يكون من بنى آدم من النظر بالعين واليد وغير ذلك .

ثانيًا: فضل غض البصر

البصر من نعم الله على العباد: قال تعالى: (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2)سورة الإنسان ، قال تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8)سورة الغاشية

دخول الجنة: عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " اضْمَنُوا لِي سِتًّا مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَضْمَنُ لَكُمُ الْجَنَّةَ: اصْدُقُوا إِذَا حَدَّثْتُمْ وَأَوْفُوا إِذَا وَعَدْتُمْ وأدوا إِذا ائتمتنم واحفظوا فروجكم وغضوا أبصاركم وَكفوا أَيْدِيكُم " ([4])

الامتثال لأمر الله الذي هو غاية سعادة العبد في معاشه ومعاده وليس للعبد في دنياه وآخرته أنفع من إمتثال أوامر ربه تبارك وتعالى وما سعد من سعد في الدنيا والآخرة إلا بامتثال أوامره وما شقي من شقى في الدنيا والآخرة الا بتضييع أوامره ([5]).

وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ t، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ»، فَقَالُوا: مَا لَنَا بُدٌّ، إِنَّمَا هِيَ مَجَالِسُنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا، قَالَ: «فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا المَجَالِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا»، قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ؟ قَالَ: «غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلاَمِ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ» ([6])، (إياكم) أحذركم. (بد) غنى عنه. (المجالس) الجلوس في تلك المجالس. (حقها) ما يليق بها من آداب. (غض البصر) خفض النظر عمن يمر في الطريق من النساء وغيرهن مما يثير الفتنة. (كف

الأذى) عدم التعرض لأحد بقول أو فعل يتأذى به.

من السبعة الذين الله في ظله: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الإِمَامُ العَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ، أَخْفَى حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ " ([7])

لا يخفى على الله شيء: قال تعالى: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19)سورة غافر

يُخْبِرُ عزَّ وجلَّ عَنْ عِلْمِهِ التَّامِّ الْمُحِيطِ بِجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، جَلِيلِهَا وَحَقِيرِهَا، صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا، دَقِيقِهَا وَلَطِيفِهَا لِيَحْذَرَ النَّاسُ ربهم، فيتقوه حَقَّ تَقْوَاهُ، وَيُرَاقِبُوهُ مُرَاقَبَةَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يراه، فإنه عزَّ وجلَّ يعلم العين الخائنة، ويعلم مَا تَنْطَوِي عَلَيْهِ خَبَايَا الصُّدُورِ مِنَ الضَّمَائِرِ والسرائر، قال ابن عباس {يَعْلَمُ خَآئِنَةَ الأعين وَمَا تُخْفِي الصدور} : هو الرَّجُلُ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ بَيْتَهُمْ، وَفِيهِمُ الْمَرْأَةُ الْحَسْنَاءُ، أَوْ تَمُرُّ بِهِ وَبِهِمُ الْمَرْأَةُ الْحَسْنَاءُ، فَإِذَا غَفَلُوا لَحَظَ إِلَيْهَا، فَإِذَا فَطِنُوا غض بصره عنها، فإذا غفلوا لخظ، فإذا فطنوا غض، وقد اطلع الله تعالى من قلبه أنه ود ولو اطلع على فرجها، وَقَالَ الضَّحَّاكُ {خَآئِنَةَ الْأَعْيُنِ} : هُوَ الْغَمْزُ، وَقَوْلُ الرجل رأيت ولم ير، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْلَمُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْعَيْنِ فِي نَظَرِهَا هَلْ تُرِيدُ الْخِيَانَةَ أَمْ لا؟ {وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} يَعْلَمُ إِذَا أَنْتَ قَدَرْتَ عَلَيْهَا هَلْ تَزْنِي بِهَا أَمْ لَا؟ وَقَالَ السُّدِّيُّ: {وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} أَيْ مِنَ الْوَسْوَسَةِ.  ([8])

أمر الله بغض البصر عن الحرام: قال تعالى: ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ إن الله خبير بما يصنعون .وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ......) سورة النور 

قال القرطبي: البصر هو الباب الأكبر إلى القلب وأعمر طرق الحواس إليه وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته ووجب التحذير منه وغضه واجب عن جميع المحرمات وكل ما يخشى الفتنة من أجله.

قال ابن كثير: هَذَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ عَمَّا حَرَّمَ عليهم، فلا ينظروا إلاّ لما أباح لهم النظر إليه، وأن يغمضوا أَبْصَارَهُمْ عَنِ الْمَحَارِمِ، فَإِنِ اتَّفَقَ أَنْ وَقَعَ الْبَصَرُ عَلَى مَحْرَمٍ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَلْيَصْرِفْ بصره عنه سريعاً، فعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي» ([9])  (نظر الفجاءة) أن يقع نظره على الأجنبية من غير قصد فلا إثم عليه في أول ذلك فيجب عليه أن يصرف بصره في الحال فإن صرف في الحال فلا إثم عليه وإن استدام النظر أثم. ([10])

وقال القرطبي: البصر هو الباب الأكبر إلى القلب وأعمر طرق الحواس إليه وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته ووجب التحذير منه وغضه واجب عن جميع المحرمات وكل ما يخشى الفتنة من أجله، وقالوبدأ بالغض قبل الفرج لأن البصر رائد للقلب كما أن الحمى رائدة الموت وأخذ هذا المعنى بعض الشعراء فقال: ألم تر أن العين للقلب رائد فما تألف العينان فالقلب آلف، وقال: غض البصر وحفظ الفرج أطهر في الدنيا وأبعد من دنس الأنام{ إن الله خبير } أي عالم { بما يصنعون} : تهديد ووعيد ([11])

وغض البصر لا يقتصر على الرجال فحسب فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ الرِّجَالَ عَاقِدِي أُزُرِهِمْ فِي أَعْنَاقِهِمْ مِثْلَ الصِّبْيَانِ مِنْ ضِيقِ الْأُزُرِ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ. فَقَالَ قَائِلٌ: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ لَا تَرْفَعْنَ رُءُوسَكُنَّ حَتَّى يَرْفَعَ الرِّجَالُ» ([12])

(عاقدي أزرهم) الأزر جمع إزار مثل كتب في جمع كتاب قال القاضي عياض فعلوا ذلك لضيق الأزر وخوف الانكشاف ولهذا أمر النساء أن لا يرفعن قبلهم لئلا تقع أبصارهن على ما ينكشف من الرجال وكان هذا في بدء الإسلام لضيق الحال، فإذا كان النبي ﷺ يأمرهن بغض البصر في المسجد؛ فما بالك بخارجه.

نور القلب وصحة الفراسة :قال أبو شجاع الكرماني : من عمر ظاهره باتباع السنة وباطنه بدوام المراقبة وكف نفسه عن الشهوات وغض بصره عن المحارم واعتاد أكل الحلال لم تخطئ له فراسة ، وقد ذكر الله سبحانه قصة قوم لوط وما ابتلوا به ثم قال بعد ذلك {: إن في ذلك لآيات للمتوسمين } [الحجر : 75 ] وهم المتفرسون الذين سلموا من النظر المحرم والفاحشة ، وقال تعالى عقيب أمره للمؤمنين بغض أبصارهم وحفظ فروجهم : { الله نور السموات والأرض ) سورة النور
وسر هذا : أن الجزاء من جنس العمل فمن غض بصره عما حرم الله عز وجل عليه عوضه الله تعالى من جنسه ما هو خير منه فكما أمسك نور بصره عن المحرمات أطلق الله نور بصيرته وقلبه فرأى به ما لم يره من أطلق بصره ولم يغضه عن محارم الله تعالى . وهذا أمر يحسه الإنسان من نفسه فإن القلب كالمرآة والهوى كالصدأ فيها فإذا خلصت المرآة من الصدأ انطبعت فيها صور الحقائق كما هي عليه وإذا صدئت لم تنطبع فيها صور المعلومات فيكون علمه وكلامه من باب الخرص والظنون ([13])

قال محمد بن سعيد الوراق: من غض بصره عن محرم أورثه الله بذلك حكمة على لسانه يهتدي بها سامعوه ومن غض نفسه عن شبهة نور الله قلبه نورا يهتدي به إلى طريق مرضاة الله([14])
ويتفرع عن هذه الثمرة أن نور القلب وإشراقه يظهر في العين وفي الوجه وفي الجوارح كما أن إطلاق البصر يورثه ظلمة تظهر في وجهه وجوارحه ([15]).

 أنه يقوي عقله ويزيده ويثبته فإن إطلاق البصر وإرساله لا يحصل إلا من خفة العقل وطيشه وعدم ملاحظته للعواقب فإن خاصة العقل ملاحظة العواقب، ومرسل النظر لو علم ما تجني عواقب نظره عليه لما أطلق بصر.

 أنه يفتح له طرق العلم وأبوابه ويسهل عليه أسبابه وذلك بسبب نور القلب فإنه إذا استنار ظهرت فيه حقائق المعلومات وانكشفت له بسرعة ونفذ من بعضها إلى بعض ومن أرسل بصره تكدر عليه قلبه وأظلم وانسد عليه باب العلم وطرقه.

 أنه يورث القلب سرورا وفرحة وانشراحا أعظم من اللذة والسرور الحاصل بالنظر وذلك لقهره عدوه بمخالفته ومخالفة نفسه وهواه.

 أنه يخلص القلب من أسر الشهوة فإن الأسير هو أسير شهوته وهواه، و يخلصه من رقدة الغفلة فإن إطلاق البصر يوجب استحكام الغفلة عن الله والدار الآخرة ويوقع في سكرة العشق .

سبب في دخول الغير للإسلام: شاب أمريكي في مقتبل العمر وبدأ يتعلم أحكام الدين، ومنها: غض البصر، وكان من متطلبات عمله أن يودع في البنك المجاور لعمله أرباح كل يوم في صباح الغد، وفي ذلك البنك أعجبته فتاة عاملة في المحاسبة، فكان كلما مد يده بالنقود إليها أغمض عينيه حتى أنها قد تقبض المبلغ دون أن يشعر إلا بعد قليل، حاولت هذه الفتاة أن تحادثه أو تبتسم إليه، لكنه مصر على إغماض عينيه، وفي يوم من الأيام قررت هذه الفتاة أن تعرف سبب هذا التصرف العجيب فسألته فأجابها وهو مغمض عينيه، قال لها: يُحرِّم علي ديني أن أنظر لغير محارمي، فطلبت كتابًا يتكلم عن الإسلام ودخلت هذه الفتاة في الإسلام، ويسر الله زواجهما على العفاف والتقى"   ([16])

ثالثًا: عواقب النظر للحرام

النظر هو بداية الفتن: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ، فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ» وَفِي حَدِيثِ ابْنِ بَشَّارٍ: «لِيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ» ([17])

 (إن الدنيا حلوة خضرة) يحتمل أن المراد به شيئان أحدهما حسنها للنفوس ونضارتها ولذتها كالفاكهة الخضراء الحلوة فإن النفوس تطلبها طلبا حثيثا فكذا الدنيا والثاني سرعة فنائها كالشيء الأخضر في هذين الوصفين (إن الله مستخلفكم فيها) أي جاعلكم خلفاء من القرون الذين قبلكم فينظر هل تعملون بطاعته أم بمعصيته وشهواتكم (فاتقوا الدنيا واتقوا النساء) هكذا هو في جميع النسخ فاتقوا الدنيا ومعناه اجتنبوا الافتتان بها وبالنساء وتدخل في النساء الزوجات وغيرهن وأكثرهن فتنة الزوجات لدوام فتنتهن وابتلاء أكثر الناس بهن.

فيبدأ الانسان بنظرة ويتبعها بأخرى فتدخل الفتنة الى قلبه وتتابع النظرات حتى يصل الأمر الى ما لا يحمد عقباه من زنا وغيره.

قال مجاهد: إذا أقبلت المرأة جلس الشيطان على رأسها فزينها لمن ينظر فإذا أدبرت جلس على عجزها فزينها لمن ينظر . ([18])

من أعظم الفتن: عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ t، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ» ([19]) (فتنة) سببا للفتنة وذلك بتكليف الرجال من النفقة ما لا يطيق أحيانا وبإغرائهن وإمالتهن عن الحق إذا خرجن واختلطن بالرجال لا سيما إذ كن سافرات متبرجات. (أضر) أكثر ضررا وأشد فسادا لدينهم ودنياهم]

وقال بعض العارفين: ما أيس الشيطان من إنسان قط إلا أتاه من قبل النساء لأن حبس النفس ممكن لأهل الكمال إلا عنهن لأنهن من ذوات الرجال وشقائقهم.

عموم البلاء وانتشار الفتنة في هذا العصر بسبب الانفجار الإعلامي عبر وسائل الإعلام المتعددة وعرضها الصور المحرمة، مثل: المجلات، البرامج  التلفزيونية، القنوات الفضائية، شبكة الإنترنت.

غربة الحجاب الشرعي _بكل ما يحويه من مفردات _ في كثير من بلاد المسلمين، وانتشار مظاهر التبرج والسفور سواء في وسائل الإعلام أو الطرقات أو الأسواق أو الأماكن العامة. فحيثما توجه المسلم العفيف فإنه في الغالب سيواجه في طريقه شيئاً من هذه المظاهر، والله المستعان .

عدم الحياء من الله:

إذا ما قال لي ربي أما استحييت تعصيني ؟
فكيف أجيبُ يا ويحي ومن ذا سوف يحميني؟
وأنسى ما وراءُ الموت ماذا سوف تكفيني
وجاءت سكرة الموتُ الشديدة من سيحميني؟؟
سأسأل ما الذي قدمت في دنياي ينجيني
ويا ويحي ألــــم أسمع كلام الله يدعوني؟؟
ألـــم أسمع مُنادي الموت يدعوني يناديي
سوى رب غفور واسعُ للحقِ يهدييني
وخفَفَ في جزائي أنتَ أرجـى من يجازيني

**

**

**

**

**

**

**

**

وتُـخفي الذنبَ عن خلقيَ وبالعصيانِ تأتيني
أسُلي النفس بالآمالِ من حينٍ الى حيني ..
كأني قد ضّمنتُ العيش ليس الموت يكفيني!
نظرتُ الى الوُجوهِ أليـس منُهم سيفدينـــي؟
فكيف إجابتي من بعد ما فرطت في ديني
ألــــم أسمع بما قد جاء في قاف ويسِ
فيا ربــــاه عبدُ تــائبُ من ذا سيؤويني ؟
أتيتُ إليكَ فارحمني وثقل في موازيني

السؤال عن نعمة البصر يوم القيامة: قال تعالى: (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) سورة الإسراء

شهادة الأعضاء على صاحبها: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَضَحِكَ، فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ أَضْحَكُ؟» قَالَ قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: " مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ، يَقُولُ: يَا رَبِّ أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ قَالَ: يَقُولُ: بَلَى، قَالَ: فَيَقُولُ: فَإِنِّي لَا أُجِيزُ عَلَى نَفْسِي إِلَّا شَاهِدًا مِنِّي، قَالَ: فَيَقُولُ: كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا، وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ شُهُودًا، قَالَ: فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ، فَيُقَالُ لِأَرْكَانِهِ: انْطِقِي، قَالَ: فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ، قَالَ: ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ، قَالَ فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ " ([20]) ، (لأركانه) أي جوارحه (أناضل) أي أدافع وأجادل

يؤدي إلى ضياع الحسنات: فعَنْ ثَوْبَانَ t ، عَنِ النَّبِىِّ r أَنَّهُ قَالَ : " لأَعْلَمَنَّ أَقْوَاماً مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضاً ، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُوراً " ، قَالَ ثَوْبَانُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا ، جَلِّهِمْ لَنَا ، أَنْ لاَ نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لاَ نَعْلَمُ ، قَالَ : " أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ

جِلْدَتِكُمْ ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا "([21])

دع عنك ما قد فات في زمن الصبا

**

واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب



لم ينسه الملكان حين نسيته

**

بل أثبتاه وأنت لاه تلعب




  

والروح منك وديعة أودعتها

**

ستردها بالرغم منك وتسلب  
 

وغرور دنياك التي تسعى لها

**

دار حقيقتها متاع يذهب

الليل فاعلم والنهار كلاهما

**

أنفاسنا فيها تعد وتحسب

 باب من أبوب الزنا ومن أخطر وسائله وذرائعه الموصلة إليه: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال :مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا أَدْرَكَ ذَلِكَ لا مَحَالَةَ فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي ، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ ([22])

قال الغزالي : ونبه به على أنه لا يصل إلى حفظ الفرج إلا بحفظ العين عن النظر وحفظ القلب عن الفكرة وحفظ البطن عن الشبهة وعن الشبع فإن هذه محركات للشهوة ومغارسها قال عيسى عليه السلام : إياكم والنظر فإنه يزرع في القلب الشهوة وكفى بها لصاحبها فتنة ثم قال الغزالي : وزنا العين من كبار الصغائر وهو يؤدي إلى الكبيرة الفاحشة وهي زنا الفرج ومن لم يقدر على غض بصره لم يقدر على حفظ دينه([23])

أنه يورث الغفلة واتباع الهوى وانفراط الأمر: فإن صحة القلب أن يفرغه للفكرة في مصالحه والاشتغال بها، وإطلاق البصر يشتت عليه ذلك ويحول عليه بينه وبينها فتنفرط عليه أموره ويقع في اتباع هواه وفي الغفلة عن ذكر ربه قال تعالى } ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا } وإطلاق النظر يوجب هذه الأمور الثلاثة بحبسه ([24]).

سب لكثير من المفاسد: والنظرة تفعل في القلب ما يفعل السهم في الرمية فإن لم تقتله جرحته وهي بمنزلة الشرارة من النار ترمى في الحشيش اليابس فإن لم يحرقه كله أحرقت بعضه كما قيل 

كل الحوادث مبداها من النظر
كم نظرة فتكت في قلب صاحبها
والمرء ما دام ذا عين يقلبها
يسر مقلته ما ضر مهجته

**

**

**

**

ومعظم النار من مستصغر الشرر
فتك السهام بلا قوس ولا وتر
في أعين الغيد موقوف على الخطر
لا مرحبا بسرور عاد بالضرر

والناظر يرمي من نظره بسهام غرضها قلبه وهو لا يشعر فهو إنما يرمي قلبه ولي من أبيات :

يا راميا بسهام اللحظ مجتهدا
وباعث الطرف يرتاد الشفاء له

**

**

أنت القتيل بما ترمي فلا تصب
توقـه إنـه يأتيك بالعطب

من خطوات الشيطان: قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} سورة النور

والنظر أصل عامة الحوادث التى تصيب الانسان فإن النظرة تولد خطرة ثم تولد الخطرة فكرة ثم تولد الفكرة شهوة ثم تولد الشهوة إرادة ثم تقوى فتصبر عزيمة جازمة فيقع الفعل ولا بد ما لم يمنع منه مانع وفى هذا قيل : الصبر على غض البصر أيسر من الصبر علي ألم ما بعده ([25]) .

قد يخرج من الإسلام: يذكر ابن كثير رحمه الله في أحداث عام 277هـ: " توفي عبدة بن عبد الرحيم -قبحه الله-، ذكر ابن الجوزي أن هذا الشقي كان من المجاهدين كثيرًا في بلاد الروم، وكان في بعض الغزوات والمسلمون يحاصرون بلدة من بلاد الروم إذ نظر إلى امرأة من نساء الروم في ذلك الحصن فهويها، فراسلها: ما السبيل إلى الوصول إليك؟ قالت: أن تتنصر وتصعد إلي، فأجابها في ذلك، فما راع المسلمين إلا وهو عندها، فاغتم المسلمون بسبب ذلك غمًا شديدًا، وشق عليهم مشقة عظيمة، فلما كان بعد مدة مروا عليه وهو مع تلك المرأة في ذلك الحصن فقالوا: يا فلان ما فعل قرآنك؟ ما فعل علمك؟ ما فعل صيامك؟ ما فعل جهادك؟ ما فعلت صلاتك؟ فقال: اعلموا أني أنسيت القرآن كله إلا قوله: {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ * ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الحجر:2-3]، وقد صار لي فيهم مال وولد". ([26])

وقد علم الكفار خطورة الشهوة في صد الناس عن سبيل الله؛ فسعيا إلى إغراق الأمة في الشهوات، يقول أحد أقطاب المستعمرين: "كأس وغانية يفعلان في تحطيم الأمة الإسلامية أكثر مما يفعله ألف مدفع، فأغرقوها في حب المادة والشهوات"!

رابعًا: كيفية الوقاية من النطر للحرام

وجوب شكر الله عليها وشكر الله على هذه النعمة بحفظها وغضها عن الحرام: قال تعالى: (وَاللَّهُ

أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78)سورة النحل، وقال تعالى: (قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (23)سورة الملك

البعد عن أماكن الفتن وإثارة الشهوات: دل على هذا العلاج حديث النبي ﷺ إذ قال لأصحابه: «إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ». فَقَالُوا: مَا لَنَا بُدٌّ إِنَّمَا هِيَ مَجَالِسُنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا. قَالَ: «فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلا الْمَجَالِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا». قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ؟ قَالَ: «غَضُّ الْبَصَرِ وَكَفُّ الأَذَى وَرَدُّ السَّلامِ وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ» ([27]).

إذا كان النبي ﷺ ينهى عن الجلوس في طرقات المدينة النبوية المطهرة التي لا تمر فيها امرأة إلا بكامل حجابها، فماذا نقول عن طرقاتنا اليوم، بل ماذا نقول عن شواطئ البحار، والملاهي الليلية؟! وكيف بمن يَدخل على الفتن وهو في بيته بالقنوات الإباحية والمواقع المشبوهة والمجلات الساقطة؟! فهذه الأماكن لا يجوز لمسلم أن يتواجد فيها .

كف النظر عن العورات عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَلَا الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ، وَلَا يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَلَا تُفْضِي الْمَرْأَةُ إِلَى الْمَرْأَةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ» ([28])

وذلك لأن النفس ضعيفة أمام رؤية العورات.

الاستئذان: قال ﷺ: «إِنَّمَا جُعِلَ الاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ» ([29])، فحتى لا ترى عورات أهل بيت يجب أن تستأذن عليهم، بل يجب أن تستأذن على محارمك.

عدم الخلوة بالأجنبية: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ t، أَنَّهُ: سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ، يَقُولُ: «لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، وَلاَ تُسَافِرَنَّ امْرَأَةٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ»، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، وَخَرَجَتِ امْرَأَتِي حَاجَّةً، قَالَ: «اذْهَبْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ» ([30])

فبماذا تتوقع أن يأمرهما الشيطان؟! أسيأمرهما بالعفة وغض الأبصار؟!

ترك الاختلاط المستهتر والخضوع بالقول والمصافحة للأجنبية، فكل هذا داعية إطلاق الأبصار، بل داعية الوقوع في الفاحشة.

تربية الأولاد على غض الأبصار: فهذه مسئولية الآباء والأمهات وأولياء الأمور، وكذلك المعلمين

 في المدارس والمساجد، فسعيد بن جبير كان يقول لابنه: "يا بني امش وراء الأسد والأسود، ولا تمش وراء امرأة"، وصدق رحمه الله فلو مشى ابنه وراء أسد فأكله ضاعت دنياه، وهي هينة على الله، أما لو مشى وراء امرأة فسيضيع دينه، وهذه هي الكارثة. فالعجب ممن يترك أولاده أمام القنوات المشبوهة والمواقع الإباحية! أما المدرسون فإن بعضهم يحدث الطلاب أحاديث تثير الغرائز حتى يحبونه!

مراقبة الله عز وجل: سئل الجنيد: "بم يستعان على غض البصر؟"، قال: "بعلمك أن نظر الله إليك أسبق إلى من تنظر إليه". والله عز وجل الذي نراقبه {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [غافر:19]، ويقول الله تعالى بعد الأمر بغض البصر: {إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ}، والخبير: هو العليم ببواطن الأمور، فسبحانه لا تخفى عليه خافية. وسوف يسأل اللهُ العبد عن نظراته يوم القيامة: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً} [الإسراء من الأية:36]. وإن لم تجب أنت عندما تسأل فسوف يجيب بصرك ويشهد عليك، ويعترف بغدراتك: {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ . حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [فصلت:19-20]. وسوف تشهد عليك الملائكة التي تحصي كل شيء: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الانفطار:10-12]، فإن هذه الملائكة لا تدع شاردة ولا واردة، لا نظرة ولا همسة إلا كتبوها.

تأكد أن الله يراك ونظره إليك يسبق ما تنظر أنت إليه: قال تعالى: { أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (14) سورة البلد وقال تعالى: { يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19) } سورة غافر

إذا ما خلوت بريبة في ظلمة
فاستح من نظر الإله وقل لها

**

**

والنفس داعية إلى العصيان
يا نفس إن الذي خلق الظلام يراني

وقال آخر:

إِذَا مَا خَلَوْتَ الدَّهْرَ يَوْمًا فَلا تَقُلْ
وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ يَغْفَلُ سَاعَةً
لَهَوْنَا لَعَمْرُ اللهِ حَتَّى تَتَابَعَتْ
فَيَا لَيْتَ أَنَّ اللهَ يَغْفِرُ مَا مَضَى

**

**

**

**

خَلَوْتُ وَلَكِنْ قُلْ عَلَيَّ رَقِيْبُ
وَلا أَنَّ مَا يَخْفَى عَلَيْهِ يَغِيْبُ
ذُنُوبٌ عَلَى آثَارِهِنَّ ذُنُوْبُ
وَيَأْذَنَ في تَوْبَاتِنَا فَنَتُوْبُ

وذكر أبو الفرج ابن الجوزي: أن امرأة جميلة كانت بمكة، وكان لها زوج، فنظرت يومًا إلى وجهها في المرآة فقالت لزوجها: أترى أحدًا يرى هذا الوجه ولا يفتن بقفال: نعم. قالت: مَنْ؟ قال: عبيد بن عمير قالت: فائذن لي فيه فلأفتنه، قال: قد أذنت لك. فأتته كالمستفتية، فخلا معها في ناحية في المسجد الحرام، فأسفرت عن وجه مثل فلقة القمر، فقال لها: يا أَمَةَ الله استتري، فقالت: إني قد فتنت بك. قال: إني سائلك عن شيء، فإن أنت صدقتني نظرت في أمرك. قالت: لا تسألني عن شيء إلا صدقتك. قال: أخبريني لو أن ملك الموت أتاكِ ليقبض روحك أكان يَسُرُّكِ أن أقضي لك هذه الحاجة؟ قالت: اللهم لا. قال: صدقت. قال: فلو أُدخلتِ قبركِ، وأجلستِ للمسألة أكان يَسُرُّكِ أني قضيتها لك؟ قالت: اللهم لا. قال: صدقت. قال: فلو أن الناس أعطوا كتبهم، ولا تدرين أتأخذين كتابك بيمينك أم بشمالك أكان يَسُرُّكِ أني قضيتها لك؟ الت: اللهم لا. قال: صدقت. قال: فلو أردت الممر على الصراط، ولا تدرين هل تنجين أو لا تنجين، أكان يَسُرُّكِ أني قضيتها لك؟ قالت: اللهم لا. قال: صدقتِ. قال: فلو جيء بالميزان، وجيء بك، فلا تدرين أيخف ميزانك أم يثقل أكان يَسُرُّكِ أني قضيتها لك؟ قالت: اللهم لا. قال: صدقتِ. قال: اتقي الله، فقد أنعم عليك وأحسن إليك. قال: فرجعت إلى زوجها. فقال: ما صنعتِ؟ قالت: أنت بطالٌ ونحن بطالون، فأقبلت على الصلاة والصوم والعبادة، فكان زوجها يقول: مالي ولعبيد بن عمير أفسد على امرأتي، كانت في كل ليلة عروسًا فصيرها راهبة ([31]).

الدعاء: لما جاء الشاب يستأذن النبي ﷺ في الزنا فصرفه النبي ﷺ عن ذلك بأنك لا تحبه لأمك، وابنتك، وأختك، وخالتك، وعمتك، وكذلك الناس لا يحبونه لهن، وضع النبي ﷺ يده الحانية عليه، ثم دعا له فقال: «اللهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ» ([32]). وكان من دعاء النبي ﷺ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ سَمْعِي، وَمِنْ شَرِّ بَصَرِي، وَمِنْ شَرِّ لِسَانِي، وَمِنْ شَرِّ قَلْبِي، وَمِنْ شَرِّ مَنِيِّي» ([33]). ومن دعائه أثناء الذهاب إلى المسجد: «وَاجْعَلْ فِي بَصَرِي نُورًا» ([34]).

أيها المسلم لابد أن تأخذ القرار الآن فالإنسان الذي لا يُحسن السباحة ماذا يصنع؟ ينزل إلى البحر ويبدأ في تطبيق برامج السباحة تحت إشراف أحد المدربين أو أحد أقاربه، ومع الأيام يُصبح سبَّاحًا ماهرًا، أما لو تركناه هكذا دون أن يأخذ أي مهارة فإنه من المتعذر عليه جدًّا حقيقة أن يُجيد السباحة، كذلك لو ترك الإنسان نفسه بدون قرار فإنه من المتعذر عليه أن يترك هذه المعصية أو غيرها.

الإستعاذة بالله من الشيطان: قال تعالى: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

 (200) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201) ) سورة آل عمران

على الفور إذا وسوس لك الشيطان بالنظر للحرام فاستعذ بالله منه فورا وسيعصمك الله منه، وانظر أخي الحبيب إلى ما فعل سيدنا يوسف لما دعته امرأة العزيز قال تعالى: (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) ) سورة  يوسف اعتصم بالله فورا ولذلك نجاه الله، وكذلك أنت اعتصم بالله بصدق وسينجيك الله تعالى.

حكي عن بعض السلف أنه قال لتلميذه: ما تصنع بالشيطان إذا سول لق الخطايا ؟ قال : أجاهده .قال : فإن عاد ؟ قال : أجاهده .قال : فإن عاد ؟ قال : أجاهده .قال : هذا يطول أرأيت إن مررت بغنم فنبحك كلبها أو منعك من العبور ما تصنع ؟ قال : أكابده وأرده جهدي .قال : هذا يطول عليك ، ولكن استعن بصاحب الغنم يكفه عنك .- إن صدقت هذه الرواية - لم يكن تاركاً الدنيا كسباً، بل قلباً([35])

وروى : أنّ رجلاً تزوّج امرأة من بلدة ، وكان بينهما مسيرة شهر ، فأرسل إلى غلام له من تلك البلدة ليحملها إليه فسار بها يوماً ، فلما جنّه الليل أتاه الشيطان فقال له : إنّ بينك وبين زوجها مسيرة شهر فلو تمتعت بها ليالي هذا الشهر إلى أن تصل إلى زوجها ، فإنها لا تكره ذلك وتثني عليك عند سيدك فتكون أحظى لك عنده ، فقام الغلام يصلي فقال : يا رب ، إنّ عدوك هذا جاءني فسوّل لي معصيتك ، وإنه لا طاقة لي به في مدة شهر وأنا أستعيذك عليه يا رب فأعذني عليه ، واكفني مؤونته ، فلم تزل نفسه تراوده ليلته أجمع وهو يجاهدها حتى أسحر فشّد على دابة المرأة وحملها وسار بها ، قال : فرحمه اللّه تعالى ، فطوى له مسيرة شهر فما برق الفجر حتى أشرف على مدينة مولاه ، قال : وشكر اللّه تعالى له هربه إليه من معصيته فنبأه ، فكان نبيّاً من أنبياء بني إسرائيل ([36]).

اصرف بصرك، ولا تتبع النظرة النظرة: عن جرير بن عبد الله t قال: "سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي"([37]). وأوصى النبي ﷺ عليًا t فيقول له: «يَا عَلِيُّ لاَ تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فَإِنَّ لَكَ الأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الآخِرَةُ» ([38])

الزواج: عن ابن مسعود t قال: قال لنا رسول الله ﷺ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ

 فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» ([39]) وهذا هو الواقع، فالشاب من خلال الزواج يجد وسيلة مباحة لتفريغ شهوته؛ لذلك على الزوجة الصالحة أن تتزين لزوجها وأن تستجيب لدعوته لها مهما كان الحال، ويؤكد النبي ﷺ على أن من رأى من أي امرأة شيئًا ففي أهله غنية عنها، ولكن المشكلة أن الشيطان يبغض الزوجة لزوجها ويزين الأجنبية له؛ فعن جابر بن عبد الله t: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى امْرَأَةً فَأَتَى امْرَأَتَهُ زَيْنَبَ وَهِيَ تَمْعَسُ مَنِيئَةً لَهَا فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: «إِنَّ الْمَرْأَةَ تُقْبِلُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ وَتُدْبِرُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ فَإِذَا أَبْصَرَ أَحَدُكُمْ امْرَأَةً فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ مَا فِي نَفْسِهِ» ([40])

الصوم: وهو البديل عن الزواج -كما في الحديث-، فإن الصوم يضعف الشهوة، والشهوة تستعر بكثرة الأكل والشرب، والصوم الذي هو وجاء فعلاً الصوم الذي قد استوفى شروطه؛ ليحقق به معانيه وغاياته، ونؤكد على الصوم في هذه الأيام التي أصبح شهر رمضان وشعبان ورجب يأتي في فصل الصيف حيث تبرج كثير من النساء، وحيث يعرض في نهار رمضان من الأفلام التي تضيع على العبد صيامه.

الصحبة الصالحة: وهي من أكثر ما يعين المسلم على غض البصر فإن الشاب الفاسد لو سار مع الصالحين يستحيي أن يطلق بصره في الحرام أمامهم، وعلى العكس فلو سار صالح مع مجموعة من الفاسدين لقالوا: انظر إلى هذا المنكر وانظر إلى هذه الجميلة، وصدق من قال: "الصاحب ساحب"، فإما أن يسحبك إلى مجالس العلم والقرآن والخير وإما أن يسحبك إلى السينما والمسرح وأماكن اللهو، عَن أبي سعيد أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لاَ تُصَاحِبْ إِلاَّ مُؤْمِنًا، وَلاَ يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلاَّ تَقِيٌّ» ([41])

ترك فضول النظر: فإن كثرة الالتفات والنظر إلى ما لا يعني توشك أن توقع العبد في النظر المحرم. مرَّ حسان بن أبي السنان بغرفة فقال: "متى بنيت هذه؟ ثم أقبل على نفسه فقال: تسألين عما لا يعنيك لأعاقبنك سنة فصامها"، وعن نافع: "أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ دَخَلُوا عَلَى ابْنِ عُمَرَ، فَرَأَوْا عَلَى خَادِمٍ لَهُمْ طَوْقًا مِنْ ذَهَبٍ، فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: مَا أَفْطَنَكُمْ لِلشَّرِّ" ([42])

مجاهدة النفس على غض البصر: قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت:69]، فلو جاهد العبد نفسه على غض البصر فإن الله سيوفقه -بإذن الله

حسان بن أبي السنان لما خرج يوم العيد قيل له: "ما رأينا عيدًا أكثر نساءً منه". فقال: "ما تلقتني امرأة حتى رجعت"، من شدة حفظه للبصر لم ير امرأة أصلاً. ولما عاد إلى بيته يوم العيد قالت له امرأته: "كم امرأة حسنة قد نظرت اليوم، فلما أكثرت عليه قال: ويحك ويحك... ما نظرت إلا في إبهامي هذا منذ خرجت من عندك حتى رجعت إليك"؛ فكان يُدرِّب نفسه على غض البصر بالنظر في أصبعه الإبهام.

يحكي سفيان الثوري عن الربيع بن خثيم أنه مر به نسوة فأطرق إطراقًا شديدًا -نظر إلى الأرض بشدة- حتى ظن النسوة أنه أعمى فتعوذن بالله من العمى! واستوعب سفيان الدرس فلما جاء العيد قال: "أول ما نبدأ به اليوم غض البصر". ويقول أنس بن مالك t: "إذا مرت بك امرأة فغمض عينيك حتى تجاوزك". وقال العلاء بن زياد: "لا تتبع بصرك حسن رِدف المرأة، فإن النظر يجعل الشهوة في القلب".

وكان محمد بن واسع يكثر الزيارة لصديق له فإذا طرق الباب فتحت الجارية فيغمض عينيه ويقول لها: أين سيدك؟ فتدخل فتقول لسيدها: رجل يريدك على الباب، فيقول: من هو؟ فتقول: "صاحبك الأعمى الذي يأتيك كل يوم". فمنهم من درّب نفسه على غض البصر بتغميض عينيه ومنهم من ينظر في أصبعه، ومنهم من ينظر إلى الأرض، ومنهم من يعاقب نفسه بالصيام، ومنهم من يعاقبها بعدم رفع رأسه إلى السماء، فكذلك جاهد أنت نفسك وابتكر وسائل لمجاهدة النفس على غض البصر.

شغل الأوقات بالطاعات: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ "  ([43]فمعنى الحديث: أنه بسبب انشغاله بالطاعات المختلفة أصبح لا يبصر إلا ما يحبه الله، وكما قالوا: "نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل"، فالمسلم المنشغل بالطاعات لن يكون متفرغًا للنظر إلى المحرمات.

الخوف من سوء الخاتمة: تخيل أخي لو أنك مت فكانت آخر نظرة نظرتها إلى حرام فماذا ستقول

 لربك؟! ماذا لو خرجت روحك أمام مشاهدة الفيلم أو الصورة العارية؟! يحكي أحد الإخوة -وهو مغسل للأموات- أنه جاء ليغسل شابًا وقد اسود وجهه ويده مربوطة بالشاش فأراد أن يفك الشاش فعارض أهل الشاب فصمم على فك الشاش فإذا بيده "ريموت" وأهله قد دخلوا عليه وهو ميت وأمامه على الشاشة فيلم إباحي! نعوذ بالله من سوء الخاتمة، ونسأله الستر في الدنيا والآخرة.

 تذكر الحور العين: فإن المسلم إذا تذكر الحور العين وجمالهن، وأن الله أعدهن لمن صبر عن الحرام في الدنيا؛ كان ذلك عونًا له على غض البصر عن الحرام.

التوبة والرجوع إلى الله: قال الله تعالى (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) سورة الشورى

نسأل الله تعالى أن يحفظ أبصارنا من الحرام، وأن يرزقنا النظر إلى وجهه الكريم 

وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

%%%%%%%%


 

كـف الأذى

 

الحمد لله الذي جعل الفردوس لعباده المؤمنين نُزُلا؛ فله الحمد أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً، جعل الجنة لهم مقرًا وسكنًا؛ فلم يتخذ السالكون إلى الله سواها شغلاً، وسهل لهم سبلها فلم يسلكوا سواها سبلاً، خلقها قبل أن يخلقهم، وأسكنهم إياها قبل أن يوجدهم، وحفَّها بالمكاره ليبلوهم أيهم أحسن عملاً، وأودعها ما لا عين رأتْ، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وفوق ذلك: {خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا } [الكهف:108].

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، شهادة أدَّخرها لي ولكم إلى يوم المصير، شهادة عبده وابن عبده وابن أَمَتِه، ومن لا غنى به طرفة عين عن رحمته وفضله ومنِّه وكرمه، ولا مطمع له في الفوز بالجنة والنجاة من النار إلا بمنِّه وكرمه ورحمته.

وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، ومحجة للسالكين، وحجة على العباد أجمعين، شرح الله به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً وآذاناً صمّاً وقلوباً غلفاً:

قدْ كانَ هذا الكونُ قبلَ وُصولِه

**

  شُؤْماً لظالِمِهِ وللمظلومِ

لمَّا أَطَلَّ محمدٌ زَكَتِ الرُّبا 

**

واخضرَّ في البُسْتانِ كلُّ هشيمِ

صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، وسلم تسليماً كثيراً.

العناصر

أولًا: الترغيب في كف الأذى                                    ثانيًا: نماذج على كف الأذى

ثالثًا: صور الإيذاء                                                   رابعًا: حرمة الإيذاء

خامسًا: كيف تتعامل مع من يؤذيك

الموضوع

أولًا: الترغيب في كف الأذى

كف الأذى صدقة: عَنْ أَبِى ذَرٍّ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَىُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ قَالَ « الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَالْجِهَادُ فِى سَبِيلِهِ ». قَالَ قُلْتُ أَىُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ قَالَ « أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا وَأَكْثَرُهَا ثَمَنًا ». قَالَ قُلْتُ فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ قَالَ « تُعِينُ صَانِعًا أَوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَ ». قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ ضَعُفْتُ عَنْ بَعْضِ الْعَمَلِ قَالَ « تَكُفُّ شَرَّكَ عَنِ النَّاسِ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ » ([44]).

من صفات المسلمين: عن عبد الله بن عمرو بن العاص t، عن النَّبيّ - r - ، قَالَ : (( المُسْلِمُ منْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ، وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ )) ([45]) ، قال الإمام ابنُ حجر - رحمه الله -: "فيقتضي حَصْر المسلم فيمن سلِم المسلمون من لسانه ويده، والمراد بذلك المسلم الكامل الإسلام الواجب؛ إذْ سلامة المسلمين من لسان العبد ويده واجبةٌ، وأذى المسلم حرامٌ باللِّسان واليد.

من صفات المتقين: قال تعالى: (وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (136) ) آل عمران

الأمر بالكلام الأطيب: قال تعالى: (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوًّا مُبِينً) الإسراء

من حقوق الطرقات: عن أبي سعيدٍ الخدريِّ - t - عن النبِيِّ - r - أنه قال: ((إيَّاكم والجلوس على الطُّرقات))، فقالوا: ما لنا بدٌّ، إنَّما هي مجالسنا نتحدَّث فيها قال: ((فإذا أبيتم إلاَّ المجالس فأعطوا الطَّريق حقَّها))، قالوا: وما حقُّ الطَّريق؟ قال: ((غضُّ البصر وكفُّ الأذى وردُّ السَّلام، وأمرٌ بالمعروف، ونهيٌ عن المنكر)) ([46]) ، فالمؤذي مُعْتَدٍ، فإذا دَعَوا عليه، استجيب دعاؤهم، ومن ذلك ما يفعله البعضُ بتعطيل كاتم صوت السَّيَّارة أو الدرَّاجة النارية، فإذا مَرَّ آذى مَن في المساجد والبُيُوت بصوت سيارته أو درَّاجته، فالبيوت لا تخلو من نائم أو مريض، وكذلك المساجد لا تخلو من مصلٍّ ومتعلم، فليحذر المؤذي من دعوةٍ تُفتَح لها أبواب السماء، توبق دنياه وآخرته.

لا ضرر ولا ضرار: وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله r قال ((لا ضَرَر ولا ضِرَار)) ([47])

من محاسن الأعمال: عن أبي ذَرٍّ - t - عن النبي - r - قال: «عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا فَوَجَدْتُ في مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا الْأَذَى يُمَاطُ عن الطَّرِيقِ وَوَجَدْتُ في مَسَاوِي أَعْمَالِهَا النُّخَاعَةَ

 تَكُونُ في الْمَسْجِدِ لَا تُدْفَنُ» ([48]).

دخول الجنة:عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -r- « مَرَّ رَجُلٌ بِغُصْنِ شَجَرَةٍ عَلَى ظَهْرِ طَرِيقٍ فَقَالَ وَاللَّهِ لأُنَحِّيَنَّ هَذَا عَنِ الْمُسْلِمِينَ لاَ يُؤْذِيهِمْ. فَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ »([49]).

فانظروا ثواب من كفَّ عن المسلمين الأذى وإن كان يسيرًا، أو لَم يتسبب فيه، إنَّ مجرد كف الأذى معروف وإحسانٌ يُثاب عليه المسلم.

وصية النبي r: عَنْ أَبَانَ بْنِ صَمْعَةَ حَدَّثَنِى أَبُو الْوَازِعِ حَدَّثَنِى أَبُو بَرْزَةَ قَالَ قُلْتُ يَا نَبِىَّ اللَّهِ عَلِّمْنِى شَيْئًا أَنْتَفِعُ بِهِ قَالَ « اعْزِلِ الأَذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ » ([50]).

حظ المسلم من أخيه: قال يحيى بن معاذ الرازي رحمه الله: ليكن حظ المؤمن منك ثلاثة: إن لم تنفعه فلا تضره وإن لم تفرحه فلا تغمه، وإن لم تمدحه فلا تذمه ([51]).

ثانيًا: نماذج على كف الأذى:

النبي r: أ- عن عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ -r- حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ -r- يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ فَقَالَ « لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِى عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلاَلٍ فَلَمْ يُجِبْنِى إِلَى مَا أَرَدْتُ فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِى فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلاَّ بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ فَرَفَعْتُ رَأْسِى فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِى فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِى فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ قَالَ فَنَادَانِى مَلَكُ الْجِبَالِ وَسَلَّمَ عَلَىَّ. ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ وَقَدْ بَعَثَنِى رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِى بِأَمْرِكَ فَمَا شِئْتَ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ ». فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -r- « بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلاَبِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا »([52].

فلو لم يكظم غيظه ويكف أذاه عنهم كما آذوه وطردوه وأغروا به غلمانهم وعذبوا أصحابه لدعا عليهم فأهلكهكم الله جميعا، لكن كان الجواب أرجوا أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا شريك له ، فاستجاب الله تعالى لدعوة نبيه r وخرج من أصلابهم الكثير من المؤمنين الصادقين ممن عبدوا الله حق عبادته ودافعوا عن الإسلام ونشروه في كل مكان....

ب- عن أنس قال كان النبي صلى الله عليه و سلم عند بعض نسائه فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفة فيها طعام فضربت التي النبي صلى الله عليه و سلم في بيتها يد الخادم فسقطت الصحفة فانفلقت فجمع النبي صلى الله عليه و سلم فلق الصفحة ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة ويقول ( غارت أمكم ) ثم حبس لخادم حتى أتي بصحفة من عند التي هو في بيتها فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كسرت صحفتها وأ مسك المكسورة في بيت  التي كسرت) ([53])

فكف اذاه عنها ولم يمسها بسوء، وهذا خلق جميل ينبغي ان نتعلمه ونطبقه في حياتنا ، فانظر كيف احتوى رسول الله r الموقف .

عمر بن الخطاب t: عن ابْنِ عباسٍ t ، قَالَ : قَدِمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ ، فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ أخِيهِ الحُرِّ بنِ قَيسٍ ، وَكَانَ مِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمرُ - t - ، وَكَانَ القُرَّاءُ أصْحَابَ مَجْلِس عُمَرَ - t - وَمُشاوَرَتِهِ كُهُولاً كانُوا أَوْ شُبَّاناً ، فَقَالَ عُيَيْنَةُ لابْنِ أخيهِ : يَا ابْنَ أخِي ، لَكَ وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الأمِيرِ فَاسْتَأذِنْ لِي عَلَيهِ ، فاسْتَأذَن فَأذِنَ لَهُ عُمَرُ . فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ : هِي يَا ابنَ الخَطَّابِ ، فَواللهِ مَا تُعْطِينَا الْجَزْلَ وَلا تَحْكُمُ فِينَا بالعَدْلِ . فَغَضِبَ عُمَرُ - t - حَتَّى هَمَّ أنْ يُوقِعَ بِهِ . فَقَالَ لَهُ الحُرُّ : يَا أميرَ المُؤْمِنينَ ، إنَّ الله تَعَالَى قَالَ لِنَبيِّهِ - r - : { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ } وإن هذا من الجاهلين . والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه وكان وقافا عند كتاب الله  ([54])

والكهل من الرجال من زاد على ثلاثين سنة إلى الأربعين ، وقيل : من ثلاث وثلاثين إلى تمام

الخمسين ، وقيل : أراد بالكهل الحليم العاقل، والجزل : أي ما تعطينا العطاء الكثير.

غلام لأبي ذر: جاء غلام لأبي ذرّ- t- وقد كسر رجل شاة له فقال له: من كسر رجل هذه؟ قال: أنا فعلته عمدا لأغيظك فتضربني فتأثم. فقال: لأغيظنّ من حرّضك على غيظي، فأعتقه)

أحد حكام الصين: يُحكى أن أحد الحكام فى الصين وضع صخرة كبيرة على طريق رئيسي فأغلقه تماماً، ووضع حارساً ليراقبها من خلف شجرة ويخبره بردة فعل الناس!!؟ مر أول رجل وكان تاجر كبير في البلدة فنظر إلى الصخرة باشمئزاز منتقداً من وضعها دون أن يعرف أنه الحاكم، فدار هذا التاجر من حول الصخرة رافعاً صوته قائلاً: ” سوف أذهب لأشكو هذا الأمر، وسوف نعاقب من وضعها”. ثم مر شخص ثان وكان يعمل في البناء، فقام بما فعله التاجر، لكن صوته كان أقل علواً، لأنه أقل شأناً في البلاد. ثم مر ثلاثة أصدقاء معاً، من الشباب الذين ما زالوا يبحثون عن هويتهم في الحياة، وقفوا إلى جانب الصخرة وسخروا من وضع بلادهم، ووصفوا من وضعها بالجاهل والأحمق والفوضوي، ثم انصرفوا إلى بيوتهم!!. وبعد مرور يومين جاء فلاح من الطبقة الفقيرة، فلم يتكلم وإنما بادر إليها مشمراً عن ساعديه محاولاً دفعها، وطلب المساعدة ممن يمر، فتشجع أخرون وساعدوه، ودفعوا الصخرة بعيدا عن الطريق. وبعد أن أزاح الفلاح الصخرة وجد صندوقاً وبالصندوق قطع من ذهب ورسالة مكتوب فيها: ” من الحاكم إلى من يزيل هذه الصخرة، هذه مكافأة لك لأنك إنسان إيجابي بادرت لحل المشكلة بدلاً من الشكوى منها والصراخ ؛

فهذه القصه تجسد تعاليم رسولنا الكريم بـ (وَيُمِيطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ) ([55])

ثالثًا: صور الإيذاء

إيذاء الخالق جل جلاله: قال تعالى﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا ﴾ مريم، وعن أَبِي هُرَيْرَةَ t، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ r: (قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ، يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي الأَمْرُ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) ([56])

إيذاء الأنبياء: قال تعالى ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ

إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ الصف.

إيذاء المسلم في مشاعره: عن عبدالله قال: قال رسول اللهِ - r -: ((إذا كُنْتُمْ ثَلاثَةً فلا يَتَناجى اثْنانِ دُونَ الآخَرِ حتى تَخْتَلِطوا بِالنَّاسِ من أَجْلِ أَنْ يُحْزِنَه)) ([57]) ،أي لا ينفرد اثنان مع بعضهما ويتركان الثالث وحده فان هذا إيذاء لمشاعره.

التخلي في طرق الناس وظلهم: عن أبي هريرة أنَّ رسول اللهِ - r- قال: ((اتَّقُوا اللاَّعِنَيْنِ)) قالوا: وما اللاَّعِنانِ يا رَسُولَ اللهِ؟ قال: ((الذي يَتَخَلَّى في طَرِيقِ الناس أو ظِلِّهِمْ))([58]) ، ويكون إيذاء  الناس في طرقهم بتسريب مياه الصَّرف الصحي فيها، فيتأذَّى الناس بالرائحة، إضافةً إلى تنجيسهم، وتأذِّي الناس بذلك أعظمُ من تأذِّيهم بقضاء الحاجة في الطَّريق.

تخطي الرقاب: عن عبدالله بن بُسْرٍ أن رَجُلاً جاء إلى النبي - r- وهو يَخْطُبُ الناسَ يومَ الجُمُعةِ،

 فقال: ((اجلِسْ؛ فَقدْ آذَيْتَ وآنيْتَ)) ([59])

رفع الصوت بالقراءة مما يؤذي غيرك: عن أبي سعيد قال (اعتكف رسول الله صلى الله عليه و سلم في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر وقال ألا إن كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضا ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة أو قال في الصلاة) ([60])

الرائحة الكريهة: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِىِّ -r- قَالَ « مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الْبَقْلَةِ الثُّومِ - وَقَالَ مَرَّةً مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّومَ وَالْكُرَّاثَ - فَلاَ يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا فَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ » ([61])،وهذا يدلُّ على منع أذيَّة المؤمنين، ولو لم تكن متعمَّدة، وحتى لو كانت لغرضٍ شرعي، فكيف بالأذى المتعمَّد في موافقة هوى النَّفْس وشهوتها؟!

عن صفوان بن سليم عن عدة من أبناء أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم عن آبائهم دنية ( أي متصلو النسب ) عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال ((من ظلمَ معاهدًا أو انتقَصَه، أو كلَّفَه فوق طاقته، أو أخذَ منه شيئًا بغير طيب نفسٍ، فأنا حجيجه يوم القيامة))([62])، فإذا كان هذا ظلم المعاهدين، فكيف بمن ظلمَ إخوانه المؤمنين؟!

إيذاء الجار: عن أبي هريرة قال : قيل للنبي صلى الله عليه و سلم : يا رسول الله ! إن فلانة تقوم الليل وتصوم النهار وتفعل وتصدق وتؤذي جيرانها بلسانها ! فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لا خير فيها ؛ هي من أهل النار . قال : وفلانة تصلي المكتوبة وتصدق بأثوار ( من الأقط ) ولا تؤذي أحدا . فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : هي من أهل الجنة) ([63])  ومعنى ( أتوار : جمع تور بالمثناة : إناء من صفر وأثوار بالمثلثة وهو الصواب جمع ثور : وهي قطعة من الأقط وهو لبن جامد مستحجر ).

السِّباب والشِّتام، والغيبة والنميمة، والقدح في الأعراض: قال تعالى: ﴿ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ﴾ [النور: 15].

وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -r- قَالَ « أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ ». قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ « ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ ». قِيلَ أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِى أَخِى مَا أَقُولُ قَالَ « إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ » ([64]).

إيذاء الرجل زوجته: قال تعالى: (وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا) البقرة

ويكون بالجور والظلم والقهر والقسوة والغلظة والحرمان والتهمة والظن والتخوين والشك في غير ريبة ، ومعاملتها بالخلق الدني واللسان البذي الذي لا تبقى معه عشرة ولا يدوم معه استقرار ولا سكون ولا راحة ، ومن الرجال من يترك زوجته معلقة لا ذات زوج ولا مطلقة ليحملها على الافتدا ودفع عوض المخالعة ظلماً وعدواناً ، ومن الرجال من يحرم المرأة أولادها بعد تطليقها إمعاناً في الإساءة والأذى.

وهذا حوار بين زوج وطبيب نفسي

المعالج: ماهي مشكلتك سيدي؟  السيد: روتين وضغط العمل المعالج: ماهي وظيفتك سيدي ؟

الزوج: محاسب في بنك .. المعالج: ما هي وظيفة زوجتك؟ الزوج: لا تعمل مجرد ربة منزل .. !! المعالج: من يوقظك ويوقظ ابنائك ويصنع الفطور لك ولهم في الصباح؟ الزوج: زوجتي ﻷنها لا تعمل .. !! المعالج: متى تستيقظ زوجتك ومتى تستيقظ أنت صباحا؟ الزوج: زوجتي في الساعة الخامسة صباحا وأنا في الساعة السابعة لأنها تعد الأطفال للمدارس وتعد لنا الفطور!!!

المعالج: من يوصل أطفالك للمدرسة؟ الزوج: زوجتي فهي لا تعمل .. !! المعالج: ماذا تفعل زوجتك بعد توصيل اﻷطفال للمدرسة ؟ وماذا تفعل أنت ?? الزوج: تعود وتعد الغداء وتغسل الملابس وتنظم البيت وتنتظر عوده الأبناء فهي بدون وظيفة و لا تعمل .. !! وانا أذهب لعملي حتى الثالثه بعد الظهر !!!! المعالج: في المساء حين عودتك من العمل ماذا تفعل سيدي ؟ وماذا تفعل زوجتك ؟؟ الزوج : آخذ قسطاً من الراحة بعد الغداء بعد يوم شاق من العمل .. وزوجتي: تستذكر مع الأبناء واجباتهم اليومية وتوقظني بعد ذلك لنشرب الشاي معا !!! المعالج: ماذا تفعل أنت بعد ذلك وماذا تفعل زوجتك في المساء ؟؟ الزوج: أتصفح أنا الصحف وأتابع التلفاز وأخبار العالم وزوجتي تعد العشاء لي وللأطفال ثم تغسل الصحون وتنظف المنزل وتجهز اﻷطفال للنوم ..

اﻵن ؟!؟! من منكما محتاج إلى طبيب نفسي أنت أم هي سيدي !!! ومن محتاج للراحه من ضغط العمل أنت ام هي سيدي !!!!!

هل الروتين اليومي للزوجة من الصباح الباكر حتى وقت متأخر من الليل يسمى " لااااا تعمل وبدون وظيفة !!!!! تعمل بدون ساعات عمل وبدون راتب وبدون تأمين وبدون علاوات وبدون حوافز وبدون كلمة شكر ومع كل هذا لا تكل ولا تمل ولا تشتكي ...كل هذا ويقال عنها انها لا تعمل

تحية لكل أم وكل اخت وكل زوجة وكل بنت .... للأسف مع هذا يدعون انها عاطله ،؛؛

إيذاء الزوجة لزوجها: عن معاذ بن جبل - t - ، عن النَّبيّ - r - ، قَالَ : (( لاَ تُؤْذِي امْرَأةٌ زَوْجَهَا في الدُّنْيَا إلاَّ قَالَتْ زَوْجَتُهُ مِنَ الحُورِ العِينِ لاَ تُؤذِيهِ قَاتَلكِ اللهُ ‍! فَإِنَّمَا هُوَ عِنْدَكِ دَخِيلٌ يُوشِكُ أنْ يُفَارِقَكِ إِلَيْنَا ))([65]) ومعنى دخيل : ضيف، وإيذاء المرأة زوجها بالمعاندة والمعارضة والمكايدة والاستفزاز وعدم رعاية حقه في المغيب والمشهد .. إلى غير ذلك من صور الأذى التي يرفضها الشرع الحكيم ويأباها الطبع السليم والعقل المستقيم .

سب الأموات: عن عائشة رَضِيَ اللهُ عنها ، قالت : قَالَ رسُولُ الله - r - : (( لا تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ ، فَإنَّهُمْ قَدْ أفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا )) ([66])

إيذاء الفقراء: قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى ﴾ البقرة.

وهناك الكثير والكثير من صور الإيذاء فيجب على كل مسلم أن يتجنبها جميعها....

رابعًا: حرمة الإيذاء

النهي الصريح عن الإيذاء: عن ابن عمر t قال صعد رسول الله r المنبر فنادى بصوت رفيع فقال يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه لا تؤذوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله ونظر ابن عمر إلى الكعبة فقال ما أعظمك وما أعظم حرمتك والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك) ([67]).

أيها المسلمون .. إيذاء المسلم ومكايدته وإلحاق الشر به واتهامه بالباطل ورميه بالزور والبهتان ، وتحقيره وتصغيره وتعييره وتنقصه وثنم عرضه وغيبته وسبه وشتمه وطعنه ولعنه وتهديده وترويعه ، وابتزازه وتتبع عورته ونشر هفوته وإرادة إسقاطه ، وفضيحته وتكفيره وتبديعه وتفسيقه ، وقتاله وحمل السلاح عليه وسلبه ونهبه وسرقته وغشه وخداعه والمكر به ، ومماطلته في حقه وإيصال الأذى إليه بأي وجه أو طريق ظلم وجرم وعدوان .. لا يفعله إلا دنيء مهين لئيم وضيع ذميم .. قد شحن جوفه بالضغناء والبغضاء وأفعم صدره بالكراهية والعداء ؛ فتنفش للمجابهة وتشمر للمشاحنة .. ينصب الشرك ويبري سهام الحتف .. دأبه أن يحزن أخاه ويؤذيه وهمه أن يهلكه ويرديه .. وكفى بذلك إثماً وحوباً وفسوقاً.

الإثم المبين: قال تعالى:﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا

وَإِثْمًا مُبِينًا ﴾ [الأحزاب: 58]، أيْ: ينسبون إليهم ما هم بُرآء منه لَم يعملوه ولَم يفعلوه، وهذا هو البهت البيِّن أن يحكي أو ينقل عن المؤمنين والمؤمنات ما لَم يفعلوه على سبيل العيب والتنقُّص لهم.

ويَعْظُم الإثم إذا كانت الأذيَّة للصالحين والأخيار، وأشد لو كانت الأذيَّة للعلماء والناصحين.

لعنة الله له: قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا ﴾ [الأحزاب: 57].

وجبت لعنة الناس عليه: عن حُذَيْفَةَ بن أُسَيْدٍ أَنَّ النبي - r - قال: ((من آذَى المسلمين في طرقِهم، وجبَتْ عليه لعنتهم)) ([68])

الوعيد بالإفلاس يوم القيامة: عن أبي هُريرةَ - t - : أنَّ رسولَ الله  r قَالَ : (( أتدرونَ مَنِ المُفْلِسُ ؟ )) قالوا : المفْلسُ فِينَا مَنْ لا دِرهَمَ لَهُ ولا مَتَاع ، فَقَالَ : (( إنَّ المُفْلسَ مِنْ أُمَّتي مَنْ يأتي يَومَ القيامَةِ بصلاةٍ وصيامٍ وزَكاةٍ ، ويأتي وقَدْ شَتَمَ هَذَا ، وقَذَفَ هَذَا ، وَأَكَلَ مالَ هَذَا ، وسَفَكَ دَمَ هَذَا ، وَضَرَبَ هَذَا ، فيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، وهَذَا مِنْ حَسناتهِ ، فإنْ فَنِيَتْ حَسَناتُه قَبْل أنْ يُقضى مَا عَلَيهِ ، أُخِذَ منْ خَطَاياهُم فَطُرِحَتْ عَلَيهِ ، ثُمَّ طُرِحَ في النَّارِ ))([69])

سباب المسلم فسوق: عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعودٍ أَنَّ النَّبِيّ r قَالَ: (سِبَابُ الْمُسْلِم فُسُوقٌ وَقِتالُهُ كُفْرٌ) ([70]) ، والمقصود بالفسق فى الشرع الخروج عن الطاعة وأما معنى الحديث فسب المسلم بغير حق حرام باجماع الامة وفاعله فاسق كما أخبر به النبى صلى الله عليه و سلم وأما قتاله بغير حق فلا يكفر به عند أهل الحق كفرا يخرج به من الملة كما قدمناه فى مواضع كثيرة إلا اذا استحله([71])

العذاب في النار يوم القيامة: عن يزيد بن شجرة قال (إن لجهنم لجبابا في كل جب ساحلا كساحل البحر فيه هوام وحيات كالبخاتي وعقارب كالبغال الدلم فإذا سأل أهل النار التخفيف قيل اخرجوا إلى الساحل فتأخذهم تلك الهوام بشفاههم وجنوبهم وما شاء الله من ذلك فتكشطها فيرجعون فيبادرون إلى معظم النيران ويسلط عليهم الجرب حتى إن أحدهم ليحك جلده حتى يبدو العظم فيقال يا فلان هل يؤذيك هذا فيقول نعم فيقال له ذلك بما كنت تؤذي المؤمنين) ([72])

خامسًا: كيف تتعامل مع من يؤذيك

الصبر : قال تعالى: ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ ﴾ [النحل].

مقابلة الإساءة بالإحسان: قال تعالى: ﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ [فصلت]

كظم الغيظ: عن ابن عمر- t- قال: قال رسول الله r: «ما من جرعة أعظم أجرا عند الله من جرعة غيظ كظمها عبد ابتغاء وجه الله» ([73])

وعن أنس- t- أنّه قال: إنّ النّبيّ r مرّ بقوم يصطرعون، فقال: «ما هذا؟» قالوا: فلان، ما يصارع أحدا إلّا صرعه، قال: «أفلا أدلّكم على من هو أشدّ منه؟ رجل كلّمه رجل فكظم غيظه فغلبه وغلب شيطانه وغلب شيطان صاحبه» ([74]) ، وعن معاذ بن أنس عن أبيه- t- أنّ رسول الله r قال: «من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله- عزّ وجلّ- على رؤوس الخلائق حتّى يخيّره من الحور ما شاء»([75])

لا تغضب: عن أبي هريرة- t- أنّ رجلا قال للنّبيّ r: أوصني: قال: «لا تغضب» فردّد مرارا، قال: «لا تغضب» ) ([76])

الإستعاذة بالله من الشيطان الرجيم: عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ قَالَ اسْتَبَّ رَجُلاَنِ عِنْدَ النَّبِىِّ -r- فَجَعَلَ أَحَدُهُمَا تَحْمَرُّ عَيْنَاهُ وَتَنْتَفِخُ أَوْدَاجُهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -r- « إِنِّى لأَعْرِفُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ الَّذِى يَجِدُ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ». فَقَالَ الرَّجُلُ وَهَلْ تَرَى بِى مِنْ جُنُونٍ) ([77]) ، والأوداج: العروق المحيطة بالعنق التى تقطع حالة الذبح واحدها الودج

العفو والإعراض عن الجاهلين: قال تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) الأعراف

أعلم أن الله لا يضيع أجر المحسنين: قال تعالى: عاقبة الصِّدِّيق يوسف u مع إخوته: ﴿ قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف: 90].

وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

%%%%%%%%


 

أفشوا السلام بينكم

 

الحمد لله الذي نور بجميل هدايته قلوب أهل السعادة، وطهر بكريم ولايته أفئدة الصادقين فأسكن فيها وداده، ودعاها إلى ما سبق لها من عنايته فأقبلت منقادة، الحميد المجيد الموصوف بالحياة والعلم والقدرة والإرادة، نحمده على ما أولى من فضل وأفاده، ونشكره معترفين بان الشكر منه نعمة مستفاده.

واشهد إن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كل شيء قدير شهادة أعدها من أكبر نعمه وعطائه، وأعدها وسيلة إلي يوم لقاءه

تعطف بفضل منك يا مالك الورى

**

فأنت ملاذي سيدي ومعيني



لئن أبعدتني عن حماك خطيئتي  

**

فأنت رجائي شافعي ويقيني




  

ولست أرى لي حجة أبتغي بها  

**

رضاك إن العفو منك يقيني
 

 

 

 

 

وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وشفيعنا محمد عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه

الذي أقام به منابر الإيمان ورفع عماده، وأزال به سنان البهتان ودفع عناده 

وشفع فيّ خير الخلائق محمد

**

نبيا لم يزل أبدا حبيبا



هو الهادي المشفع في البرايا

**

وكان له رحيما مستجيبا




  

عليه من المهيمن كل وقت 

**

صلاة تملأ الأكوان طيبا
 

 

 

 

 

وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه وتمسك بسنته واقتدى بهديه واتبعهم بإحسان إلي يوم الدين ونحن معهم يا أرحم الراحمين

 

العناصر

 

أولاً: تعريف إفشاء السلام

ثانياً: أهمية إفشاء السلام وثمراته

ثالثاً: آداب إفشاء السلام

رابعاً: عادات خاطئة في إفشاء السلام

 

الموضوع

 

أولاً: تعريف إفشاء السلام

1-الإفشاء لغة: مصدر قولهم: أفشى بمعنى أذاع ونشر، قال في الصّحاح: فشا الخبر يفشو فشوّا، أي ذاع، وأفشاه غيره، وتفشّى الشّيء أي اتّسع، وقال ابن منظور: يقال «فشا الشّيء يفشو فشوّا إذا ظهر، وهو عامّ في كلّ شيء ومنه إفشاء السّرّ (في معنى إظهاره) .

السلام لغة: السّلام: السّلامة، والسّلام: الاستسلام والسّلام الاسم من التّسليم، والسّلام: البراءة من العيوب، وقيل العافية، ومنه قوله تعالى: وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً (الفرقان/ 63) معناه تسلّما وبراءة لا خير بيننا وبينكم ولا شرّ. وقال نحوه ابن عرفة. وقيل: قالوا سلاما، أي سدادا من القول وقصدا لا لغو فيه. وقيل: أي سلّموا سلاما.

والسّلام: التّحيّة. وقال أبو الهيثم: السّلام والتّحيّة معناهما واحد، ومعناهما السّلامة من جميع الآفات.

2-إفشاء السلام اصطلاحا: قال ابن حجر-رحمه الله-: إفشاء السّلام المراد نشره سرّا أو جهرا أو هو: نشر السّلام بين النّاس ليحيوا سنّته r، أخرج البخاريّ في الأدب المفرد «إذا سلّمت فأسمع فإنّها تحيّة من عند الله» قال النّوويّ:أقلّه أن يرفع صوته بحيث يسمعه المسلّم عليه، فإن لم يسمعه لم يكن آتيا بالسّنّة ، فكلمة السلام تعني سلامة الدين، وتعني سلامة الصحة، وتعني سلامة العرض.........

فإذا قلت لإنسان: السلام عليكم فأنت تدعو له بكل أنواع السلامة بدءاً من سلامة الدين والعقيدة إلى سلامة الصحة إلى سلامة العرض والسمعة.......

3-السلام بمعنى الثناء الجميل:قال تعالى:" يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12) وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا (13) وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا (14) وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا "مريم

وقال تعالى:" وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34)" ،وقال تعالى:" سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ (79)" ، وقال تعالى:"  سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ (109)" ، وقال تعالى:" سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ" ،وقال تعالى:" سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ" ، وقال تعالى:" سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181)وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (182) ،وقال تعالى "وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى" طه.

4-السلام بمعنى السلامة من كل شر:قال تعالى:" فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (89) وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (91) "

وقال تعالى:" وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (31) هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33) ادْخُلُوها بِسَلامٍ ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (34) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ (35)"

5-السلام بمعنى الخير: قال تعالى "تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ" القدر.

6-السلام بمعنى التحية المعروفة: قال تعالى" وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (54)"الأنعام

 

ثانياً: أهمية إفشاء السلام وثمراته

1-السلام من أسماء الله تعالى: قال تعالي: "هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ "(الحشر/23).

قال الغزاليّ: السّلام هو الّذي تسلم ذاته عن العيب، وصفاته عن النّقص، وأفعاله عن الشّرّ، حتى إذا كان كذلك، لم يكن في الوجود سلامة إلّا وكانت معزيّة إليه صادرة منه.

وقال ابن حجر-رحمه الله-: السّلام من أسماء الله تعالى، فقد جاء في حديث التّشهّد: «فإنّ الله هو السّلام»

ومعنى السّلام: السّالم من النّقائص، وقيل: المسلم لعباده، وقيل: المسلّم على أوليائه.

وقال ابن منظور: والسّلام الله-عزّ وجلّ-، اسم من أسمائه لسلامته من النّقص والفناء، وقيل معناه: أنّه سلم ممّا يلحق الغير من آفات الغير والفناء، وأنّه الباقي الدّائم الّذي تفنى الخلق ولا يفنى، وهو على كلّ شيء قدير

وعن عبدالله بن مسعود قال : كنا إذا صلينا مع النبي r قلنا السلام على الله قبل عباده السلام على جبريل السلام على ميكائيل السلام على فلان وفلان فلما انصرف النبي r أقبل علينا بوجهه قال : " لا تقولوا السلام على الله فإن الله هو السلام فإذا جلس أحدكم في الصلاة فليقل التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فإنه إذا قال ذلك أصاب كل عبد صالح في السماء والأرض أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعوه "([78])

يقول العلماء: هذا الاسم معناه أنه جل جلاله ذو السلامة، ذو السلام أي ذو السلامة كأن تقول الرضاع من الرضاعة، هذا الاسم أساسه اللغوي السلامة ومعنى السلامة أي أن ذاته جل جلاله سلمت من كل عيب وسلمت صفاته من كل نقص وسلمت أفعاله عن الشر.

2-تحية أهل الجنة: قال تعالى" وأدخل الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ "إبراهيم

وقال تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (9) دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ "يونس

وقال تعالى: "أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً "الفرقان.

وقال تعالى "تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً" الأحزاب.

3-تحية الملائكة لأهل الجنة: قال تعالى "سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ "الرعد

قال تعالى" وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها وقال تعالى: "سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ (73)"الزمر

 

4-تحية الملائكة لسيدنا إبراهيم uقال تعالى "وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ "هود

قوله " إذ دخلوا عليه " يعني حين دخلوا على إبراهيم " فقالوا " له " سلاما " على وجه التحية له أي اسلم سلاما " فقال " لهم جوابا عن ذلك " سلام " ، فلما ارتاب u بهم قال " قوم منكرون " أي انتم قوم منكرون، والإنكار بنفي صحة الأمن ونقيضه الإقرار، ومثله الاعتراف.

وإنما قال: منكرون، لأنه لم يكن يعرف مثلهم في أضيافه، وسماهم الله أضيافا، لانهم جاؤه في صفة الاضياف وعلى وجه مجيئهم.

5-مغفرة الذنوب: عن حذيفة بن اليمان t عن النبي r قال إن المؤمن إذا لقي المؤمن فسلم عليه وأخذ بيده فصافحه تناثرت خطاياهما كما يتناثر ورق الشجر" ([79])

وعن البراء t قال قال رسول الله r ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا "([80])

وعن هانئ بن يزيد قال قال رسول الله r "إن موجبات المغفرة بذل السلام و حسن الكلام"([81])

6-الأجر العظيم: عن سهل بن حنيف t قال قال رسول الله r من قال السلام عليكم كتبت له عشر حسنات ومن قال السلام عليكم ورحمة الله كتبت له عشرون حسنة ومن قال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كتبت له ثلاثون حسنة"([82])

وعن أبي هريرة t أن رجلا مر على رسول الله r وهو في مجلس فقال سلام عليكم فقال عشر حسنات ثم مر آخر فقال سلام عليكم ورحمة الله فقال عشرون حسنة ثم مر آخر فقال سلام عليكم ورحمة الله وبركاته فقال ثلاثون حسنة فقام رجل من المجلس ولم يسلم فقال النبي r ما أوشك ما نسي صاحبكم إذا جاء أحدكم إلى المجلس فليسلم فإن بدا له أن يجلس فليجلس وإن قام فليسلم فليست الأولى بأحق من الآخرة " ([83])

يقول الإمام ابن القيم –رحمه الله- : لما كان الإنسان لا سبيل له إلى انتفاعه بالحياة إلا بثلاثة أشياء: أحدها: سلامته من الشر ومن كل ما يُضاد حياته وعيشه ، والثاني: حصول الخير له ، والثالث: دوامه وثباته له ، فإن بهذه الثلاثة يكمل انتفاعه بالحياة ، لهذا شرعت التحية متضمنة للثلاثة .

7-أولى الناس من بدأ بالسلام: عن أبي أمامة t قال قال رسول الله r إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام" ([84])

عَنْ أَبِى أَيُّوبَ الأنصاري أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -r- قَالَ « لاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِى يَبْدَأُ بِالسَّلاَمِ »([85])

 8-السلام تحية الإسلام: عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ َقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -r: « خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ وَهُمْ نَفَرٌ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ جُلُوسٌ فَاسْتَمِعْ مَا يُجِيبُونَكَ فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ قَالَ فَذَهَبَ فَقَالَ السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ فَقَالُوا السَّلاَمُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ - قَالَ - فَزَادُوهُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ - قَالَ - فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدَهُ حَتَّى الآنَ »([86])

عن أبي ذر قال: أتيت النبي r حين فرغ من صلاته، فكنت أول من حياه بتحية الإسلام، فقال: "وعليك، ورحمة الله، ممن أنت؟". قلت: من غفار"([87])

وعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -r- يُعَلِّمُهُمْ إِذَا خَرَجُوا إِلَى الْمَقَابِرِ فَكَانَ قَائِلُهُمْ يَقُولُ - فِى رِوَايَةِ أَبِى بَكْرٍ - السَّلاَمُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ - وَفِى رِوَايَةِ زُهَيْرٍ - السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَلاَحِقُونَ أَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ"([88]).

9-دخول الجنة: عن عبد الله بن سلام t قال أول ما قدم رسول الله r المدينة انجفل الناس إليه فكنت فيمن جاءه فلما تأملت وجهه واستبنته عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب قال فكان أول ما سمعت من كلامه أن قال أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام"([89])

10-كلام أهل الجنة:قال تعالى:" لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (26) ".

قال " لا يسمعون فيها لغوا " أي لا يسمع المثابون في الجنة لغوا يعنى مالا فائدة فيه من الكلام، لان كل ما يتكلمون به فيه فائدة (ولا تأثيما) ولا يجري فيها ما يؤثم فيه قائله من قبيح القول (إلا قيلا سلاما سلاما) يعني لكن يسمعون قول بعضهم لبعض على وجه التحية " سلاما سلاما " إنهم يتداعون بالسلام على حسن الآداب وكريم الاخلاق الذي يوجب التواد، لان طباعهم قد هذبت على أتم الكمال ([90])

11-الجنة هي دار السلام:قال تعالى" وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ * لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ" الأنعام

12-السلام من خيرية الإسلام:عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ -r- أَىُّ الإِسْلاَمِ خَيْرٌ قَالَ «تُطْعِمُ الطَّعَامَ وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» ([91]).

13-سبيل للحب بين الناس: عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -r: «لاَ تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلاَ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا أَوَلاَ أَدُلُّكُمْ عَلَى شَىْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ أَفْشُوا السَّلاَمَ بَيْنَكُمْ» ([92]).

ويقول الإمام الرازي: " الحكمة في طلب السلام عند التلاقي لأنها أول أسباب الألفة؛ مع تضمن تحية السلام للتواضع وتجنب الكبر مع التأنيس للوحشة واستمالة القلب وسكون النفس للآتي بها فنفتح أبواب المودة وتتألف القلوب([93])

14-سبب للسلامة من الحقد وسلامة الصدر: فعَنِ الْبَرَاءِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ r ، قَالَ : " أَفْشُوا السَّلامَ تَسْلَمُوا والأشرَةُ شرّ"([94]قال أبو معاوية: والأشرة: العبث.

15-ختم بعد كل صلاة: عَنْ أَبِى أَسْمَاءَ عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -r- إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلاَتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلاَثًا وَقَالَ « اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلاَمُ وَمِنْكَ السَّلاَمُ تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ ». قَالَ الْوَلِيدُ فَقُلْتُ لِلأَوْزَاعِىِّ كَيْفَ الاِسْتِغْفَارُ قَالَ تَقُولُ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ([95])

16-يحسد اليهود المسلمون عليها:عن عائشة، عن رسول الله r قال: " ما حسدكم اليهود على شيء ما حسدوكم على السلام والتأمين"([96])

17-حمل السلام للغير أمانة: عن أبي سلمة أن عائشة قالت: قال رسول الله r : " يا عائش هذا جبريل يقرئك السلام " . قالت : وعليه السلام ورحمة الله . قالت : وهو يرى ما لا أرى" ([97])

قال النووي: في هذا الحديث مشروعية إرسال السلام ويجب على الرسول تبليغه؛ لأنه أمانة.

18-إلقاء التحية سنة: فعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ t قال: أَمَرَنَا النَّبِيُّ r بِسَبْعٍ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ، أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الْجِنَازَةِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَإِبْرَارِ الْقَسَمِ، وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ، وَإِفْشَاءِ السَّلَامِ…"([98])

19-رد التحية واجب: قال تعالى:" وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا "النساء.

هذا خطاب من الله تعالى لجميع المكلفين، يأمرهم إذا دعي لهم انسان بطول الحياة، والبقاء والسلامة، ان يحيوهم بأحسن من ذلك أو يردوا عليهم مثله.

قال النحويون: أحسن ههنا صفة لا ينصرف، لأنه على وزن افعل وهو صفة لا تنصرف والمعنى حيوا بتحية أحسن منها.

والتحية: مفعلة من حييت. ومعناها ههنا السلام قال السدي: وابن جريج وعطا، وإبراهيم: إنه إذا سلم عليك

واحد من المسلمين، فسلم عليه بأحسن مما سلم عليك. أورد عليه مثل ما قال. وذلك إذا قال السلام عليك، فقل أنت وعليك السلام ورحمة الله أو تقول كما قال لك.

 

ثالثاً: آداب إفشاء السلام

1-بدئ الغير بالسلام: عن الأغر أغر مزينة t قال كان رسول الله r أمر لي بجريب من تمر عند رجل من الأنصار فمطلني به فكلمت فيه رسول الله r فقال اغد يا أبا بكر فخذ له تمره فوعدني أبو بكر المسجد إذا صلينا الصبح فوجدته حيث وعدني فانطلقنا فكلما رأى أبا بكر رجل من بعيد سلم عليه فقال أبو بكر t أما ترى ما يصيب القوم عليك من الفضل لا يسبقك إلى السلام أحد فكنا إذا طلع الرجل من بعيد بادرناه بالسلام قبل أن يسلم علينا"([99])

عن أبي  هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -r: « يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِى وَالْمَاشِى عَلَى الْقَاعِدِ وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ ». "([100])

2-عند لقاء أخاك المسلم:عن أبي هريرة؛ أنه قال: " من لقي أخاه فليسلم عليه؛ فإن حالت بينها شجرة أو حائط، ثم لقيه فليسلم عليه"([101])

عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -r- قَالَ « حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ قِيلَ مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ « إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَسَمِّتْهُ وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ »([102])

3-التسليم على بني آدم إذا لقيتهم: عن أبي هريرة أن رسول الله r قال : إن للإسلام صوى ومنارا كمنار الطريق من ذلك أن تعبد الله لا تشرك به شيئا وأن تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتسلم على بني آدم إذا لقيتهم فإن ردوا عليك ردت عليك وعليهم الملائكة وإن لم يردوا عليك ردت عليك الملائكة ولعنتهم إن سكت عنهم وتسليمك على أهل بيتك إذا دخلت عليهم فمن انتقص منهن شيئا فهو سهم في الإسلام تركه ومن تركهن فقد نبذ الإسلام وراء ظهره"([103])

4-إذا حال بينك وبن أخيك حائل ثم لقيته ثانيا:عن أنس بن مالك: "أن أصحاب النبي r كانوا يكونون فتستقبلهم الشجرة، فتنطلق طائفة منهم عن يمينها وطائفة عن شمالها، فإذا التقوا سلم بعضهم على بعض" ([104])

5-تسليم الراكب على الماشي: عن أبي هُرَيْرَةَ قال قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -r-« يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِى وَالْمَاشِى عَلَى الْقَاعِدِ وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ »([105])

6-عند دخول البيت: فقال الله تعالى﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ النور 27

وقال تعالى: "فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً "النور

وعن أنس بن مالك t قال قال لي رسول الله r يا بني إذا دخلت على أهلك فسلم فتكون بركة عليك وعلى أهل بيتك"([106])

 7-عند الدخول والخروج من المجلس: عن أبي هريرة t عن النبي r قال : " إذا انتهى أحدكم إلى مجلس فليسلم فإن بدا له أن يجلس فليجلس ثم إذا قام فليسلم فليست الأولى بأحق من الآخرة " ([107])

8-من خرج يسلم ويُسلم عليه: عن الطفيل بن أبي بن كعب: أنه كان يأتي عبد الله بن عمر، فيغدو معه إلى السوق، قال: فإذا غدونا إلى السوق لم يمرّ عبد الله بن عمر على سقّاط ، ولا صاحب بيعة، ولا مسكين، ولا أحدٍ غلا يسلم عليه قال الطفيل: فجئت عبد الله بن عمر يوماً. فاستتبعني إلى السوق. فقلت: ما تصنع بالسوق؟ وأنت لا تقف على البيع، ولا تسأل عن السلع، ولا تسوم بها، ولا تجلس في مجالس السوق، فاجلس بنا ها هنا نتحدث. فقال لي عبد الله: "يا أبا بطن! - وكان الطفيل ذا بطن- إنما نغدو من أجل السلام نسلم على من لقينا"([108]) ، ومعنى: "سقّاط "هو الذي يبيع سقط المتاع، وهو رديئه وحقيره، و" صاحب البيعة" : بالكسر من (البيع) : الحالة ، كالركبة، والقعدة

9-الجهر بإلقاء السلام وكذلك الرد:فقد كان هدي النبي r في السلام أن يرفع صوته بالسلام، وكذلك في الرد، فلا يحصل بالإسرار الأجر؛ إلا ما استثني. فقد ذكر ابن القيم:" أن من هديه r أنه كان يُسمع المسلم رده عليه"([109])

وقال ابن حجر:" واستدل بالأمر بإفشاء السلام على أنه لا يكفي السلام سراً بل يشترط الجهر، وأقله أن يسمع في الابتداء والجواب ولا تكفي الإشارة باليد ونحوه"([110])

10-التسليم بصوت يسمعه اليقظان ولا ينزعج منه النائم :فعن المقداد t في حديثه الطويل أنهم كانوا يرفعون للنبي r نصيبه من اللبن، قال : فَيَجِيءُ مِنْ اللَّيْلِ فَيُسَلِّمُ تَسْلِيمًا لَا يُوقِظُ نَائِمًا وَيُسْمِعُ الْيَقْظَانَ ... "([111])

11-استحباب تكرار السلام ثلاثاً:خاصة إذا كان الجمع كثيراً، أو شُك في سماع المُسَّلم عليه. فعَنْ أَنَسٍ t : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r :" كَانَ إِذَا سَلَّمَ سَلَّمَ ثَلَاثًا؛ وَإِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا([112])

قال ابن حجر: لو سلم وظن أنه لم يسمع فتسن الإعادة فيعيد مرة ثانية وثالثة ولا يزيد على الثالثة

12-البشاشة وطلاقة الوجه عند السلام: فعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قَالَ لِيَ النَّبِيُّ r لَا تَحْقِرَنَّ مِنْ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ " ([113])

13-استحباب السلام على الصبيانعن أنس-t- "أَنَّ رسول الله r مَرَّ على غِلْمَانٍ فَسَلَّمَ عليهم"([114])

فيستحب السلام على الصبيان لما في ذلك من إتباع السنة، سنة النبي r والتواضع، حتى لا يظن الإنسان بنفسه، ويشمخ بأنفه ويعلو برأسه، وتعويد الصبيان على محاسن الأخلاق بتقليدك ،وأن تجلب المودة للصبي، فالصبي يحب الذي يُسلم عليه ويفرح بذلك، وربما لا ينساها أبدا، لأن الصبي لا ينسى ما مرَّ به.

رابعاً: عادات خاطئة في إفشاء السلام

أ-تسليم الخاصة: عن طارق بن شهاب عن النبي r قال: " بين يدي الساعة : تسليم الخاصة، وفشوّ التجارة حتى تعين المرأة زوجها على التجارة، وقطع الأرحام، وفشوّ القلم، وظهور الشهادة بالزور، وكتمان شهادة الحق"([115]) ، ومعنى "فشو القلم" أي : الكتابة

وتسليم الخاصة بمعنى أن يسلم الشخص على من يعرفه فحسب ويترك الباقين ،فالسلام ليس مقتصراً على أشخاص دون آخرين ، بل لجميع المسلمين ، من تعرف ومن لا تعرف ، فمن حق أخيك المسلم عليك أن تسلم عليه إذا لقيته ، وأن ترد عليه السلام إذا بدأك بالسلام .

ب-أبخل الناس من بخل بالسلام: عن أبي هريرة قال: " أبخل الناس الذي يبخل بالسلام، وإن أعجز الناس من عجز الدعاء"([116])

ج -السؤال قبل السلام: عَنْ ابْنِ عُمَر َ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ r:" السّلَامُ قَبْلَ السّؤَالِ، فَمَنْ بَدَأَكُمْ بِالسّؤَالِ قَبْلَ السّلَامِ فَلَا تُجِيبُوهُ "([117])

وهذا هو الذي عليه سلف الأمة وخلفها أنهم كانوا يقدمون السلام قبل كلامهم، وسؤال حاجتهم. قال النووي:" السنة أن المسلم يبدأ بالسلام قبل كل كلام، والأحاديث الصحيحة وعمل سلف الأمة وخلفها على وفق ذلك مشهورة، فهذا هو المعتمد في هذا الفصل".

د -تخصيص أحد من الجالسين بالسلام: فإن هذا من شأنه يوغر صدور الجالسين، ويزرع البغض والحقد. " قال أبو سعد المتولي: يكره إذا لقي جماعة أن يخص بعضهم بالسلام دون البعض؛ لأن القصد بمشروعية السلام تحصيل الألفة، وفي التخصيص إيحاش لغير من خص بالسلام"([118])

ذ-الامتناع عن إجابة السلام: عن هشام بن عامر t قال قال رسول الله r "لا يحل لمسلم أن يهجر مسلما فوق ثلاث ليال فإنهما ناكبان عن الحق ما داما على صرامهما وأولهما فيئا يكون سبقه بالفيء كفارة له وإن سلم فلم يقبل ورد عليه سلامه ردت عليه الملائكة ورد على الآخر الشيطان فإن ماتا على صرامهما لم يدخلا الجنة جميعا أبدا"([119])

إن السلام اسم من أسماء الله وضعه في الأرض فأفشوه بينكم فإن الرجل إذا سلم على القوم فردوا عليه كان له عليهم فضل درجة لأنه ذكرهم فإن لم يردوا عليه رد عليه من هو خير منهم وأطيب "([120])

وقال الألباني: ومن إفشاء السلام السلام على المصلي والتالي للقرآن والطاعم وغيرهم وبسط ذلك له مجال آخر. 

ر -التسليم ورده بالإشارة: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده y أن رسول الله r قال ليس منا من تشبه بغيرنا لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع وإن تسليم النصارى بالأكف " ([121])

فبعض الناس يهز لك رأسه وكأنه سلم عليك، وليس هذا بسلام أبداً، وبعضهم يرفع يده لك ويتوهم أنه سلام ، وليس بسلام ، وبعضهم ربما كان في سيارته ويضرب لك بالبوري ويرفع يده بدون تحريك شفته بالسلام ، فليس ذاك بسلام ، بل لابد أن يتحرك اللسان بالسلام حتى تؤجر عليه ، ولو كنت بعيداً لا يسمعك من سلمت عليه فالله معك يسمع ويرى ويسجل لك سلامك في ميزان حسناتك فتنبه يا رعاك الله ، ولا تتشبه باليهود والنصارى ، فأنت مسلم عزيز بدينك ، كريم بإيمانك .

ز-التسليم ورده بغير تحية الإسلام: مثل: صباح الخير ومساء الخير وعواف وغيرها الكثير والكثير لأن الله تعالى يقول" وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا "النساء.

فلابد من رد التحية مهما كانت بتحية الإسلام وبالتالي تكون أحسن منها، أو أن يقال لك السلام عليكم فقط دون زيادة فتجيب أنت بقولك وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته فبالتالي تكون أحسن منها، ومن الناس من تسلم عليه، ويرد بقوله : هلا هلا ، أو مرحباً ، أو حياك الله ونحو ذلك من الردود ، ولا شك أن ذلك خطأ وصاحبه آثم ، فرد السلام يكون بأفضل منه أو بمثله على أقل تقدير ، كما ورد في الآية السابقة .

س -أحوال استثنائية لا يشرع فيها السلام

قال الشيخ محمد ابن عبد القوي المرداوي في منظومة الآداب

ويكره تسليم على متـــــــــشاغل

**

بذكر وقرآن وقول محمد



خطيب وذي درس ومن يبحثون في

**

العلوم وذي الوعظ لنفع الموحد




  

مكرر فقه والمـــــــــــــؤذن بعده

**

المصلي وذي طهر لفعل تعبد
 

ودع آكلا مع ذي الـــــتغوط ثم من

**

يقاتل للأعداء في حرب جحد

 

 

 

 

قال الشيخ صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله في شرحه إتحاف الطلاب:

هذه المواضع التي يكره السلام فيها.

1-يكره التسليم على متحدث، لأنه منشغل بالكلام مع غيره.

2-"متشاغل بذكر" من تسبيح وتهليل وتلاوة قرآن.

3-متشاغل بالحديث من قول محمد r

4-السلام على الخطيب، غير خطبة الجمعة، فخطبة الجمعة يحرم الكلام فيها، والسلام على الخطيب، والسلام على المأمومين لا يجوز ذلك.

5-وذي الدرس" يُلقي درساً في القرآن أو في الحديث، أو في الفقه أو في النحو، لا تسلم عليه، بعض الناس إذا جاء للحلقة والدرس قائم يُسلم ويرفع صوته، وهذا مكروه لأن هذا يشغل المدرس، ويشغل الجلوس والمستمعين، وينصرفون إليه.

6-"ومن يبحثون في العلوم" ومن يبحث عن مسألة من مسائل العلم لا تسلم عليه وتقطع بحثه، هذا غير مشروع.

7-"وذي وعظ" ومن يعظ الناس، فلا تسلم إذا أتيت، اجلس واستمع للموعظة، ولا تسلم لأنك تشغل الواعظ وتشغل المستمعين.

8-مكرر الفقه وهو الذي يذاكر الفقه.

9-المؤذن إذا كان يؤذن لا تسلم عليه وهو يؤذن، لأنك تقطع عليه الأذان.

10-"المصلي" إذا جئت وواحد يصلي فلا تسلم عليه حتى يفرغ من صلاته، ويروي أن النبي r سلَم عليه أحد الصحابة وهو يصلي فرد عليه بالإشارة، فلو سلم عليك وأنت تصلي ترد عليه بالإشارة.

11-"وذي طهر" الذي يتوضأ، فلا تسلم عليه حتى يفرغ من وضوءه، أما الذي يغتسل لغير العبادة للتبرد أو التنظيف، فلا مانع من أنك تسلم عليه.

12-كذلك لا يشرع السلام على المشتغل بالأكل.

13-"مع ذي التغوط" وهذا أشد، وهو الذي يتبول أو يتغوط لا تسلم عليه وهو على حاجته، لأنه يُكره للمتغوط أو المتبول أنه يتكلم في هذه الحالة، فلا تسلم عليه.

14-"ثم من يقاتل للأعداء في حرب جحد" النوع الأخير المجاهد في حال القتال، لا تسلم على المقاتل، لأنه مشغول عنك بالقتال، لأعداء الله.

 

وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد

 


 

أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

 

الحمد لله رب العرش رب العوالم، يتولى الخلائق بلطفه فنعم الوكيل، ترى في الأناسيِّ كل مصحح وسالم، وقد ترى فيهم الكل العليل، وفيهم ذوات الفضل الكرائم، وكثرة من أرباب الجهل والرأي الهزيل، والإله من ورائهم محيط وعالم، قد يهدي ويصلح أو يرسل الطير الأبابيل، فدعِ الخلق لربهم وسلِّم وسالم فله الأمر من قبل ومن بعد كما جاء في التنزيل.

وأشهد أن لا إله إلا الله الحيُّ الدائم، يقول الحق وهو يهدي السبيل، ألهم الإنسان من الخلق المكارم، وحذره من الفعل والخلق الرذيل، أمره في السلم بأن يسالم، وبالنصر حربًا أو يكون هو القتيل، وأباح في الغنى التنوع في المطاعم، وحين الفقر عليه أن يقنع بالقليل.

وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله بالشرع قائم، مَن تبع سنته رشد، ومن تركها حُرم الدليل، فأنعم به مسكًا للنبين خاتم، وأكرم به مبعوثًا للشرور يزيل، فانظر إذا شئت واقرأ في التراجم، لن تجد في الناس عذبًا كهذا السلسبيل، لولاه ما استيقظ من غفلة الشرك نائم، ولأصبح إحياء القلوب من المستحيل،  فيا رب، صلِّ على تاج أولي العزائم، من ليس لشريعته شرع بديل، وجازه عن كل قائم من أمته وصائم، وعن نوره الذي به انقشع الليل الطويل.

عناصر الخطبة

أولاً: الترغيب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأثره في الدنيا والآخرة

ثانياً: الترهيب من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأثره 

ثالثاً: من أحكام الامر بالمعروف والنهي عن المنكر

الموضوع

المعروف في اللغة:  ضد المنكر، والعرف ضد النكر، والعارِفُ والعَروفُ الصبور، ويطلق المعروف على الوجه لأن الإنسان يعرف به، كما يطلق على الجود وقيل: هو اسم ما تبذله وتسديه.

المعروف في الاصطلاح:  اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله، والتقرب إليه، والإحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه الشرع ونهى عنه من المحسنات والمقبحات، وقيل: هو كل ما يحسن في الشرع، وقيل: هو كل ما عرف في الشرع من خير وطاعة مندوباً كان أو واجباً، وسمي معروفاً لأن العقول السليمة تعرفه.

المنكر في اللغة:  هو واحد المَناَكِر، وهو النكر، قال تعالى﴿ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرً ﴾[الكهف: 74]،

والنَكِير والإنْكارُ: تغيير المنكر، والإنكارُ: الجحود، والتناكرُ: التجاهل.

المنكر في الاصطلاح:  كل ما قبحه الشرع وحرمه وكرهه، وقيل: ما عرف قبحه شرعاً وعقلاً.

وقيل: كل قول وفعل وقصد قبحه الشارع ونهى عنه.

أولاً: الترغيب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأثره في الدنيا والآخرة

أمر الله تعالى وسوله به: قال تعالى ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿104﴾ آل عمران.

وعن أبي سعيد الخدري عن رسول الله r قال: ﴿مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ﴾ ﴿[122].

قدمه الله عزّ وجلّ على الإيمان : قال تعالى: ﴿كنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ آل عمران.، ولا نعلم السر في هذا التقديم، إلا عظم شأن هذا الواجب، وما يترتب عليه من المصالح العظيمة، ولا سيما في هذا العصر؛ فإن حاجة المسلمين وضرورتهم إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شديدة؛ لظهور المعاصي وانتشار الفساد في غالب المعمورة.

قدمه الله عزّ وجلّ على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة : فقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿71﴾﴾ التوبة.

من مهام وأعمال الرسل عليهم السلام: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ

وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ النحل.

من صفات الرسول r : قال تعالى﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ الأعراف.

من صفات المؤمنين : قال تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿112﴾ التوبة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه: ومن لم يكن في قلبه بغض ما يبغضه الله ورسوله من المنكر الذي حرّمه من الكفر والفسوق والعصيان، لم يكن في قلبه الإيمان الذي أوجبه الله عليه، فإن لم يكن مبغضاً لشيء من المحرمات أصلاً لم يكن معه إيمان أصلاً.

من خصال الصالحين : قال تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴿113﴾ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴿114﴾ وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ﴾ آل عمران.

من خيرية هذه الأمة : قال تعالى: ﴿كنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ

 الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾

يقول الإمام القرطبي -رحمه الله -: هذه الآية مدح لأمة محمد r لأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، ويظل هذا معها ما أقاموا ذلك، فإذا تركوا ذلك التغيير زال عنهم اسم المدح، ولحقهم اسم الذم، وكان ذلك سبباً لهلاكهم؛ فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو شرط الخيرية ﴿[123].

من أسباب النصر والتمكين في الأرض: قال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴿40﴾ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴿41﴾ الحج.

من أسباب تكفير الذنوب : عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ فَقَالَ أَيُّكُمْ يَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ -r -في الْفِتْنَةِ كَمَا قَالَ قَالَ فَقُلْتُ أَنَا. قَالَ إِنَّكَ لَجَرِىءٌ وَكَيْفَ قَالَ قَالَ قُلْتُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -r -يَقُولُ ﴿فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِى أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ يُكَفِّرُهَا الصِّيَامُ وَالصَّلاَةُ وَالصَّدَقَةُ وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْىُ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ﴿[124].

من علامات البطانة الصالحة: عن أبي سعيد الخدري: عن النبي r قال ﴿ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه فالمعصوم من عصم الله تعالى﴾ ﴿[125]

من أعظم الجهاد: عن أبي سعيد الخدري أن النبي r قال ﴿إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند

 سلطان جائر﴾﴿[126]

عظم فضل القيام به : قال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴿114﴾﴾ النساء.

وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -r -قَالَ ﴿مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لاَ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلاَلَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لاَ يَنْقُصُ

ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا﴾ ﴿[127]

الدين النصيحة: عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِىِّ أَنَّ النَّبِىَّ -r-قَالَ ﴿الدِّينُ النَّصِيحَةُ﴾ قُلْنَا لِمَنْ قَالَ ﴿لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ﴾ ﴿[128].

عدم الخوف من قول الحق: وعن أبي سعيد الخدري t قال قال رسول الله r لا يمنعن رجلا هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه ﴿أو شهده أو سمعه﴾ ﴿[129]

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس تدخلاً في شؤون الغير: شاع في بعض أوساط الناس الغفلة عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واعتبروا ذلك تدخلاً في شؤون الغير؛ وهذا من قلة الفهم ونقص الإيمان، فعن أبي بكر t قال: يا أيها الناس! إنكم لتقرؤون هذه الآية: ﴿يا أيها الذين ءامنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم﴾ وإني سمعت رسول الله r يقول: ﴿إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه﴾ ﴿[130]

أعظم المعروف: الدعوة إلى التوحيد الخالص: إن أعظم معروف ذكره الله تعالى في كتابه العزيز هو الدعوة إلى توحيده سبحانه وتعالى، وإخلاص العمل له وحده، والتوحيد هو الرسالة التي أرسل الله بها رسله إلى الناس كاف، قال تعالى:﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾النحل.

 سبب للنجاة في الدنيا والآخرة: قال تعالى﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾الأعراف.

وعن النعمان بن بشير t، عن النَّبيّ r، قَالَ: مَثَلُ القَائِمِ في حُدُودِ اللهِ وَالوَاقعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَومٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فَصَارَ بَعْضُهُمْ أعْلاها وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، وَكَانَ الَّذِينَ في أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أنَّا خَرَقْنَا في نَصِيبِنَا خَرْقاً وَلَمْ نُؤذِ مَنْ فَوقَنَا، فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أرَادُوا هَلَكُوا جَميعاً، وَإنْ أخَذُوا عَلَى أيدِيهِمْ نَجَوا وَنَجَوْا جَميعا﴾﴿[131]       

من كره المنكر برئ ومن أنكر سلم: عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ -r-عَنِ النَّبِىِّ -r-أَنَّهُ قَالَ ﴿إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ وَلَكِنْ مَنْ رَضِىَ وَتَابَعَ﴾. قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلاَ نُقَاتِلُهُمْ قَالَ ﴿لاَ مَا صَلَّوْا﴾. أَيْ مَنْ كَرِهَ بِقَلْبِهِ وَأَنْكَرَ بِقَلْبِهِ ﴿[132].

الأمر بالمعروف وانكار المنكر فرض كفاية : والدليل قوله تعالى﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى

 الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿104﴾ آل عمران.

وقوله تعالى﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴿122﴾التوبة. ، وهكذا، فإن هذه الفرقة التي تفقهت في الدين، هي التي تستطيع أن تقوم بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -r- قَالَ ﴿ مَا مِنْ نَبِىّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِى أُمَّةٍ قَبْلِى إِلاَّ كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ وَيَفْعَلُونَ مَا لاَ يُؤْمَرُونَ فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ ﴾﴿[133].

وسمع ابن مسعود t رجلا يقول: ﴿ هلك من لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر، فقال ابن مسعود: هلك من لم يعرف بقلبه المعروف والمنكر ﴾ يشير ابن مسعود إلى أن معرفة المعروف والمنكر بالقلب فرض لا يسقط عن أحد، فمن لم يعرفه هلك، وأما الإنكار باللسان واليد فإنما يجب بحسب الطاقة، ويقول أبي حامد الغزالي –رحمه الله -في الإحياء: أما فرض الكفاية فهو علم لا يستغني عنه في قوام أمور الدنيا كالطب إذ هو ضروري في حاجة بقاء الأبدان وكالحساب فإنه ضروري في المعاملات وقسمة الوصايا والمواريث وغيرهما وهذه هي العلوم التي لو خلا البلد عمن يقوم بها حرج أهل البلد وإذا قام بها واحد كفى وسقط الفرض عن الآخرين ﴿[134].

وقال الحافظ ابن رجب -رحمه الله -: ﴿ فمن شهد الخطيئة فكرهها بقلبه كان كمن لم يشهدها إذا عجز عن إنكارها بلسانه ويده، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها وقدر على إنكارها ولم ينكرها؛ لأن الرضا بالخطايا من أقبح المحرمات ويفوت به إنكار الخطيئة بالقلب وهو فرض على كل مسلم لا يسقط عن أحد في حال من الأحوال ﴾.

يدلّ كلام ابن رجب أن قولهم إنكار المنكر فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين بأن مرادهم الإنكار باليد واللسان اللذين يحصل تغيير المنكر بهما أو بأحدهما، وأما الإنكار بالقلب ففرض عين على كل مسلم، وهذا أمر ينبغي التفطن له

ثانياً: الترهيب من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأثره 

من صفات المنافقين: على عكس أهل الشر والفساد ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ

 يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴿67﴾ ﴾ التوبة.

وقوع الهلاك والعذاب: قال الله عزّ وجلّ: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿25﴾﴾ الأنفال.

وعن زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ أَنَّ النَّبِىَّ -r-اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ وَهُوَ يَقُولُ ﴿لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ﴾. وَعَقَدَ سُفْيَانُ بِيَدِهِ عَشَرَةً. قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ قَالَ ﴿نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ﴾ ﴿[135].

عدم إجابة الدعاء: عن حذيفة t عن النبي r قال﴿ والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذابا منه ثم تدعونه فلا يستجيب لكم﴾﴿[136]﴾.

اللعنة والطرد من رحمة الله: قال تعالى ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴿78﴾ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾المائدة.

توبيخ الله لهم : قال تعالى ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿62﴾ لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴿63﴾المائدة ، وقال ابن جرير الطبري: ﴿كان العلماء يقولون ما في القرآن آية أشد توبيخاً للعلماء من هذه الآية ولا أخوف عليهم منها﴾ ﴿[137]﴾.

أعظم المنكر: الشرك بالله تعالى: ينبغي أن يكون من المعلوم أن أعظم المنكر، هو الشرك بالله تعالى، لأنه محبط للأعمال، ولا يغفره الله تعالى، يقول الله تعالى:﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً ﴾النساء.

حال من خالف قوله فعله: قال تعالى﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ

 أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿44﴾ البقرة.، وقال تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴿3﴾﴾ الصف، وعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أن النبي r قال ﴿يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِى النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ فَيَدُورُ بِهَا كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِالرَّحَى فَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ أَهْلُ النَّارِ فَيَقُولُونَ يَا فُلاَنُ مَا لَكَ أَلَمْ تَكُنْ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ فَيَقُولُ بَلَى قَدْ كُنْتُ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلاَ آتِيهِ وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ ﴿[138]، ومعنى ﴿فتندلق﴾ تخرج وتنصب بسرعة. ﴿أقتابه﴾ جمع قتب وهي الأمعاء والأحشاء. ﴿برجاه﴾ حجر الطاحون التي يديرها.

هذه حال من خالف قوله فعله -نعوذ بالله من ذلك -تسعر به النار، ويفضح على رؤوس الأشهاد، ينظر إليه أهل النار، ويتعجبون !! كيف يلقى في النار ؟!! ويدور في النار كما يدور الحمار بالرحى، وتندلق أقتاب بطنه، يسحبها، لماذا ؟!! لأنه كان يأمر بالمعروف ولا يأتيه، وينهى عن المنكر ويأتيه فعُلِمَ بذلك أن المقصود الأمر بالمعروف مع فعله، والنهي عن المنكر مع تركه.

تسلُّط الفساق والفجار:  وتزيين المعاصي، وشيوع المنكر واستمراره، ظهور الجهل، واندثار العلم، وتخبط الأمة في ظلمة حالكة لا فجر لها. ويكفي عذاب الله عزّ وجلّ لمن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتسلط الأعداء والمنافقين عليه، وضعف شوكته وقلة هيبته.

ثالثاً: من أحكام الامر بالمعروف والنهي عن المنكر

           الحكم الأول: آداب من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر:

لقد ذكر أهل العلم آداباً ينبغي أن يتحلى بها كل من يريد أن يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، نوجزها فيما يلي:

إخلاص العمل لله وحده: إن أساس قبول الأعمال، وحصول ثواب الله تعالى هو إخلاص الأعمال لله تعالى؛ فإن من احتسب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفقه الله تعالى للقيام بهذه المهمة السامية، قال الله تعالى في محكم التنـزيل:﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾البينة.

 العلم: لا بد لمن يقوم بالأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أن يكون على علم بموقع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يكون على علم بحال من يأمره وينهاه، حتى يقتصر في تصرفه على حدود الشرع الحنيف، لأنه إذا كان جاهلاً بهذه الأمور، فإنه سوف يفسد أكثر مما يصلح، ولذا قال بعض العلماء: ﴿إن على من يقوم بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون عالماً بما يأمر به وعالماً بما ينهى عنه﴾ ﴿[139].

 الرفق وحسن الخلق: يعتبر الرفق وحسن الخلق من صفات من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فالعنف والغضب المفرط في الدعوة قد يؤديان إلى مفسدة عظيمة لا يحمد عقباها، وهذا الخلق المبارك من الرفق ولين الجانب، هو الذي تربى عليه الأنبياء والمرسلون، وساروا عليه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الحكام وعامة الناس.

قال تعالى عند الحديث عن موسى وهارون:﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى *فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾طه.، وقال الله تعالى أيضاً مخاطباً النبي r ومخاطباً كل من يدعو إلى الله تعالى:﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾النحل.

وقال سبحانه:﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾[آل عمران] ، وعَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ -r-أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -r-قَالَ ﴿يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِى عَلَى الرِّفْقِ مَا لاَ يُعْطِى عَلَى الْعُنْفِ وَمَا لاَ يُعْطِى عَلَى مَا سِوَاهُ﴾ ﴿[140].

وقال سفيان الثوري رحمه الله: ﴿لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فيه ثلاث خصال: رفيق بما يأمر، رفيق بما ينهى، عدل بما يأمر، عدل بما ينهى، عالم بما يأمر، عالم بما ينهى﴾ ﴿[141].

وقال الشيخ سيد قطب -رحمه الله -: ﴿إن الرفق في الموعظة كثيراً ما يهدي القلوب الشاردة، ويؤلف القلوب النافرة، ويأتي بخير من الزجر والتأنيب والتوبيخ﴾ ﴿[142].

 الصبر وتحمل الأذى: يعتبر الصبر على الأذى من الدعائم التي يجب أن يستند عليها من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وطالما كان هناك أمر بمعروف ونهي عن منكر، فالغالب أن يصاحبهما أذى من الناس، ويظهر هذا جلياً في وصية لقمان لابنه: قال تعالى ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ لقمان. ، ولذا أوصى الله تبارك وتعالى الرسل بالصبر، فقال سبحانه مخاطباً نبيه r: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ الأحقاف، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ﴿لا بد من العلم والرفق والصبر، فالعلم قبل الأمر والنهي، والرفق معه، والصبر بعده﴾ ﴿[143].

           الحكم الثاني: شروط الفعل المطلوب إنكاره:

لقد اشترط أهل العلم للفعل المطلوب إنكاره شروطاً يمكن أن نوجزها فيما يلي ﴿[144]:

أن يكون الفعل منكراً: لا بد للفعل المطلوب إنكاره أن يكون قبيحاً شرعاً، ولا يختص وجوب الإنكار على الكبائر دون الصغائر، ولا يشترط أن يكون معصية، فمن رأى صبياً أو مجنوناً يشرب

 الخمر، فعليه أن يمنعه، وإن كان هذا لا يسمى منكراً في حق الصبي والمجنون.

أن يكون المنكر موجوداً: ويشترط في الفعل المنكر المطلوب منعه أن يكون مستمراً، فإن من فرغ من شرب الخمر مثلاً، لم يكن لأحد من الناس الإنكار عليه إلا بالوعظ والتعريف، إذا أفاق من سكره، ومن الأفضل الستر عليه مع ذلك، حتى لا يقام عليه الحد إذا وصل أمره إلى الإمام، وذلك بدليل ما رواه الشيخان من حديث ابن عمر أن رسول الله r قال: ﴿ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة﴾ ﴿[145].

 أن يكون المنكر ظاهراً بغير تجسس: لا يجوز للمحتسب التجسس من أجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن الله حرم التجسس على عورات الناس، فقال سبحانه:﴿ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ﴾الحجرات.

 أن يكون المنكر معلوماً بغير اجتهاد: قال الإمام النووي: ﴿إن العلماء إنما ينكرون على ما أجمع على إنكاره، وأما المختلف فيه فلا إنكار فيه، لأن على أحد المذهبين كل مجتهد مصيب، وهذا هو المختار عند كثير من المحققين أو أكثرهم﴾ ﴿[146].

          الحكم الثالث: كيف تنهى عن المنكر؟

ذكر الإمام ابن قدامة في كتابه مختصر منهاج القاصدين درجات لنسير عليها، عند تغيير المنكر وهي بالترتيب كما يلي:

التعريف بالمنكر: قد يقدم العبد على فعل المنكر، وهو لا يدري أنه منكر، ومثل هذا الشخص ربما إذا علم أن ذلك منكر، أقلع عنه في الحال، فيجب تعريفه باللطف والرفق، ويقال له مثلاً: إن الإنسان لا يولد عالماً، وإننا كنا كذلك فسخر الله لنا من علمنا، وليس من العيب أن نخطئ، ولكن من العيب أن نعلم الخطأ ونستمر في عمله.

 النهي عن المنكر بالوعظ، والنصح، والتخويف بالله: إذا أقدم إنسان على فعل منكر مع علمه بأن ذلك حرام، مثل: الغيبة والنميمة والرشوة، والتعامل بالربا، وأكل أموال اليتامى ظلماً، فإن مثل هذا ينبغي أن ينصح بالحكمة والموعظة الحسنة وأن يذكر بآيات القرآن الكريم، والأحاديث الصحيحة التي تحتوي على التهديد والوعيد من رب العالمين، وينبغي للمحتسب أن ينظر إلى فاعل المنكر بعين الرحمة، وأن يتخيل نفسه مكانه، فكيف يجب أن يعامله الآخرون في مثل هذا الموقف؟

وليتذكر المحتسب أيضاً قول النبي r: ﴿لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه﴾ ﴿[147].

 النهي عن المنكر بالتغليظ في القول: إذا رأى من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أن صاحب المنكر لم يرجع عنه بالتعريف، ولا بالوعظ، ولا التخويف بآيات الله، وعلم أنه مصر على الاستمرار في عمل المنكر وأظهر الاستهزاء، فإن الناهي ينتقل إلى التغليظ في القول، مثل أن يقول له: يا من لا يخاف الله، يا ........ مع الحذر من استرسال الناهي في تغليظ القول حتى لا يقول ما لا يجوز شرعاً، وقد جاء بيان هذه الدرجة من النهي عن المنكر في كلام إبراهيم لقومه حيث يقول الله تعالى:﴿ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ﴾الأنبياء.

 النهي عن المنكر عن طريق التهديد بالأذى: إذا رأى الناهي عن المنكر أن التغليظ في القول لا تأثير له على صاحب المنكر، فإنه ينتقل إلى التهديد بإيقاع الأذى كأن يقول لصاحب المنكر: إن لم تتوقف عن فعل هذا الأمر، لأفعلن بك كذا وكذا، فلعل هذا التهديد يجعله يترك هذا المنكر، ويراعى أن يكون التهديد بشيء يقدر عليه الناهي كطرد صاحب المنكر من العمل، أو السكن، أو بإبلاغ ولاة الأمر عنه.

 النهي عن المنكر عن طريق التغيير باليد: إذا رأى الناهي عن المنكر أن هذا الفعل المنكر الذي هو بصدده لم يتوقف باستخدام التعريف، أو الوعظ، أو التغليظ في القول، أو التهديد بالأذى فإنه يلجأ إلى تغيير هذا المنكر باليد، وذلك بشرطين كما يلي:

أ-أن تكون لديه القدرة على هذا التغيير، كأن يكون ولي أمر، أو محتسباً من قبل الإمام.

ب-ألا يؤدي هذا التغيير إلى منكر أكبر، فإذا ترتب على ذلك مفسدة عظيمة، أصبح عدم التغيير واجباً، وقال بعض العلماء: إن التغيير باليد يكون لولاة الأمور فقط، حتى لا تحدث مفسدة بين الناس، وأن يُعطى الإذن للمحتسب للتغيير باليد.

ومن أمثلة التغيير باليد إراقة الخمر، وكسر آلات اللهو، وغير ذلك، وقد فعل ذلك رسول الله r، كما يلي: عن عمر بن الخطاب أنه قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ تَأْكُلُونَ شَجَرَتَيْنِ لاَ أَرَاهُمَا إِلاَّ خَبِيثَتَيْنِ هَذَا الْبَصَلَ وَالثُّومَ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -r-إِذَا وَجَدَ رِيحَهُمَا مِنَ الرَّجُلِ في الْمَسْجِدِ أَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ إِلَى الْبَقِيعِ فَمَنْ أَكَلَهُمَا فَلْيُمِتْهُمَا طَبْخًا﴾ ﴿[148]،  وقال الإمام القرطبي -رحمه الله -: قال العلماء: ﴿الأمر بالمعروف باليد على الأمراء وباللسان على العلماء، وبالقلب على الضعفاء يعني عوام الناس﴾ ﴿[149].

التغيير بضرب صاحب المنكر: إذا لم ينته صاحب المنكر عنه بعد التخلص من الآلات التي يستخدمها في عمل هذا المنكر، فإن للناهي عن المنكر أن يضربه باليد، أو العصا، أو غير ذلك مع عدم الاسترسال في الضرب حتى لا يؤدي إلى منكر أكبر، مع مراعاة أن هذه الطريقة تكون من ولي الأمر، أو من فوضه ولي الأمر.

 النهي عن المنكر عن طريق الاستعانة بالناس: إذا وجد الناهي عن المنكر أنه لا يستطيع التغيير بنفسه، ورأى أنه يحتاج إلى الاستعانة بالناس، فله ذلك بشرط الحصول على إذن من ولاة الأمور، لأن صاحب المنكر ربما يستعين بأعوانه، ويؤدي ذلك إلى قتال بين الناس ويترتب على ذلك فساد كبير.

             الحكم الرابع: أحوال تغيير المنكر

قسم الإمام ابن قدامة أحوال تغيير المنكر إلى أربعة أحوال هي:

الحالة الأولى: أن يعلم المسلم أن المنكر يزول بقوله، أو فعله من غير مكروه يلحقه، فهذا يجب عليه الإنكار؟

الحالة الثانية: أن يعلم الناهي أن كلامه لا ينفع، وأنه إن تكلم ضرب، فهذا يرتفع عنه الوجوب.

الحالة الثالثة: أن يعلم المسلم أن إنكاره لا يفيد، ولكنه لا يخاف مكروهاً، فلا يجب عليه الأمر بالمعروف لعدم الفائدة، ولكن يستحب الإنكار لإظهار شعائر الإسلام والتذكير بالدين.

الحالة الرابعة: أن يعلم الناهي عن المنكر أنه يصاب بمكروه وحده، ولكن يبطل المنكر بفعله، فإنه يسقط عنه الوجوب ويبقى الاستحباب.

ويجب أن تعرف أن المقصود بالعلم في هذه الأحوال الأربعة هو غلبة الظن.

نسأل الله تعالى ان يجعلنا من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر الله آمين

وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

%%%%%%%%

 

نسألكم الدعاء



[1])) متفق عليه

[2])) تطريز رياض الصالحين

[3])) مجموع الفتاوى 15 / 414

[4])) السلسلة الصحيحة

[5])) الجواب الكافي

[6])) صحيح مسلم

[7])) متفق عليه

[8])) تفسير ابن كثير

[9])) صحيح مسلم

[10])) تفسير ابن كثير

[11])) تفسير القرطبي

[12])) متفق عليه

[13])) إغاثة اللهفان ج: 1

[14])) البداية والنهاية ج: 11 ص: 167

[15])) روضة المحبين ج: 1 / 97

[16])) كتاب قصص لن أنساها

[17])) صحيح مسلم

[18])) تفسير القرطبي

[19])) صحيح مسلم

[20])) صحيح مسلم

([21]) السلسلة الصحيحة

[22])) صحيح البخاري

[23])) فيض القدير

[24])) الجواب الكافي ج: 1

[25])) الجواب الكافي ج: 1 ص: 106

[26])البداية والنهاية

[27])) متفق عليه

[28])) صحيح مسلم

[29])) متفق عليه

[30])) متفق عليه

([31]) روضة المحبين

[32])) السلسلة الصحيحة

[33])) صحيح الجامع

[34])) صحيح مسلم

[35])) تلبيس إبليس 35

[36])قوت القلوب 2/235.

[37])) صحيح مسلم

[38])) صحيح الجامع

[39])) متفق عليه

[40])) صحيح مسلم

[41])) صحيح الجامع

[42])) صحيح الأدب المفرد

[43])) صحيح البخاري

([44]) متفق عليه

([45]) متفق عليه

([46]) متفق عليه

([47]) السلسلة الصحيحة

([48]) صحيح مسلم

([49]) صحيح مسلم

([50]) صحيح مسلم

([51])جامع العلوم والحكم: صـ 294

([52]) صحيح مسلم

([53]) صحيح البخاري

([54]) صحيح البخاري

([55]) صحيح البخاري

([56]) صحيح البخاري

([57]) متفق عليه

([58]) صحيح مسلم

([59]) صحيح الترغيب والترهيب

([60]) صحيح سنن أبي داوود

([61]) صحيح مسلم

([62]) صحيح سنن أبي داوود

([63]) السلسلة الصحيحة

([64]) صحيح مسلم

([65]) صحيح سنن الترمذي

([66]) صحيح البخاري

([67]) صحيح الترغيب والترهيب

([68]) السلسلة الصحيحة

([69]) صحيح مسلم

([70]) متفق عليه

([71]) شرح النووي على مسلم

([72]) صحيح الترغيب والترهيب

([73]) صحيح سنن ابن ماجة

([74]) السلسلة الصحيحة

([75]) صحيح سنن الترمذي

([76]) صحيح البخاري

([77]) متفق عليه

([78]) متفق عليه

([79]) صحيح الترغيب والترهيب

([80]) صحيح الترغيب والترهيب

([81]) صحيح الجامع

([82]) صحيح الترغيب والترهيب

([83]) صحيح الترغيب والترهيب

([84]) صحيح الترغيب والترهيب

([85]) صحيح مسلم

([86]) متفق عليه

([87]) صحيح الأدب المفرد

([88]) صحيح مسلم

([89]) صحيح الترغيب والترهيب

([90])مشكاة الأنوار

([91]) متفق عليه

([92]) صحيح مسلم

([93])فيض القدير للمناوي بتصرف

([94]) صحيح الأدب المفرد

([95]) صحيح مسلم

([96])صحيح الأدب المفرد

([97]) متفق عليه

([98]) متفق عليه

([99]) صحيح الترغيب والترهيب

([100]) صحيح مسلم 

([101]) السلسلة الصحيحة

([102]) صحيح مسلم

([103]) السلسلة الصحيحة

([104]) السلسلة الصحيحة

([105]) متفق عليه

([106]) صحيح الترغيب والترهيب

([107]) مشكاة المصابيح

([108]) صحيح الأدب المفرد للبخاري

([109])زاد المعاد

([110]) فتح الباري

([111]) صحيح مسلم

([112]) صحيح البخاري

([113]) صحيح مسلم

([114]) صحيح مسلم

([115]) السلسلة الصحيحة

([116]) صحيح الأدب المفرد للبخاري

([117]) السلسلة الصحيحة

([118]) فتح الباري

([119]) صحيح الترغيب والترهيب

([120]) السلسلة الصحيحة

([121]) صحيح الترغيب والترهيب

([122]) صحيح مسلم

([123]) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج4 ص173.

([124]) متفق عليه

([125]) صحيح البخاري

([126]) صحيح سنن الترمذي

([127]) متفق عليه

([128]) صحيح مسلم

([129]) السلسلة الصحيحة

([130]) صحيح سنن الترمذي

([131]) صحيح البخاري

([132]) صحيح مسلم

([133]) صحيح مسلم

 ([134]) إحياء علوم الدين ج1 ص16.

([135]) متفق عليه

([136]) صحيح الترغيب والترهيب

([137]) جامع البيان للطبري ج6 ص298.

([138]) متفق عليه

([139]) مختصر منهاج القاصدين ص164.

([140]) متفق عليه 

([141]) جامع العلوم والحكم ج3 ص963.

([142])  في ظلال القرآن للشيخ سيد قطب ج4 ص2302.

([143])  مجموع فتاوى ابن تيمية ج28 من ص134 إلى ص 137.

([144]) الموازين ص18 إلى ص 21.

([145]) متفق عليه

([146])  مسلم بشرح النووي ج2 ص23، 24.

([147]) متفق عليه

([148]) صحيح مسلم

 ([149]) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج4 ص49.


وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
إعداد: الشيخ أحمد أبو عيد
0109 809 58 54


نسألكم الدعاء

التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات