الطريق إلى السعادة للشيخ السيد مراد سلامة



الخطبة الأولى


العنصر الأول مفهوم السعادة في الإسلام:

أما بعد:....

أخي المسلم، إن الناظر في أحوال جميع البشر على اختلاف ألوانهم واختلاف لغاتهم ومعتقداتهم يرهم جميع يبحث عن شيء واحد ألا وهو السعادة، فمنهم من ظنها في المال، ومنهم من ظنها في الشهرة ومنهم من ظنها في المنصب ومنهم من ظنها في الأولاد وكل هؤلاء يمشون في سراب خادع ووهم كاذب!



فما مفهوم السعادة؟

السعادة في أدق عبارة وأرق إشارة: سكينة النفس، واطمئنان القلب، وراحة البال، ورضى بالحال، وشعور بسعة الصدر وانشراحه.



• السعادة في الإسلام جاءت في الكتاب والسنة بألفاظ وتعابير متعددة، فقد جاءت باسم (الحياة الطيبة)، كما قال - تعالى-: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 97].



• كما جاء التعبير عن السعادة بنفي الشقاء، والضلال، وبذكر مقابلها، وهو الضنك، قال - تعالى-: ﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ﴾ [طه: 123، 124]، فالشقاء الذي هو ضد السعادة مقرون بالإعراض عن ذكر الله، وإتباع هدى الله هو سبيل البعد عن الشقاء، وتحقيق السعادة.



• كما جاء التعبير عن السعادة بانشراح الصدر، قال - تعالى -: ﴿ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ﴾ [الأنعام: 125].



وجاء التعبير عنها بطمأنينة القلب، قال - تعالى-: ﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد: 28]، فطمأنينة القلب، وانشراح الصدر كلها من السعادة، وتتحقق بذكر الله، والاهتداء للإسلام.



• والسعادة التامة الكاملة هي في تحقيق العبودية لله، والنجاة من النار في الآخرة، ودخول الجنة، قال - تعالى-: ﴿ يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ [هود: 105 - 108]



• السعادة هي الرضا بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولاً، وإتباع هذا الرضا بركعات وسجدات وخضوع وتسليم لله.



• السعادة والفلاح - عباد الله - في الإسلام الذي هو الاستسلام الكامل لله جل وعلا والخضوع له والخلوص له من الشرك والأنداد والخروج عن داعية الهوى إلى داعية الرحمن، ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 97].



العنصر الثاني: وهم السعادة:

أمة الإسلام: إن كثيرا من الناس يعيشون في شيء يسمى وهم السعادة فبعضهم يظنها في المال والبعض الأخر يظنها المنصب وآخر يظنها في الشهر و كلها أوهام لا يقف على حقيقتها إلا أولوا الأفهام.



وهم السعادة في المال:

فقد أشار القرآن الكريم إلى شقاء أصحاب الأموال الذين لا يتقون الله تعالى في جمعها وإنفاقها، ومعرفة حق الله عز وجل فيها، فقال تعالى: ﴿ فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴾ [التوبة: 55].



عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، قَالَ:سَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ قَالَ: هَذَا الْمَالُ وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيان: قَالَ لِي: يَا حَكِيم، إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلاَ يَشْبَعُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى. أخرجه البُخَارِي.



قال البستي:

ويا حريصاً على الأموالِ تجمعُها
أُنْسيتَ أنَّ سرورَ المالِ أحزانُ؟
زع الفؤاد عن الدنيا وزينتها
فَصَفْوُها كدرٌ والوصلُ هِجْرانُ


وقال آخر:

ولست أرى السعادة جمع مال ٍ 
ولكن التقي هو السعيد ُ
وتقوى الله خير الزاد ذخراً
وعند الله للأتقى مزيدُ


ويحكى أن أحد الأثرياء كان لديه خادم يحرس القصر الذي يسكن فيه ذلك الثري،فكان هذا الثري في قصره الكبير لا يحس بطعم الراحة فهو مريض يتناول الأدوية قبل الأكل وفي وسطه وفي آخره، بل يظل طوال الليل يتقلب من الألم ولا يستطيع النوم، وذاك الخادم الفقير يسكن بجوار باب القصر في غرفة صغيرة هو وزوجته وأولاده، فيظلون إلى منتصف الليل يضحكون ويصفقون ويغنون، فقال الثري في نفسه هؤلاء لا يملكون إلا قوت يومهم ويعيشون في هذه السعادة فما بالهم لو كان معهم بعض المال، فذهب إليهم ذات يوم وقال لهذا الحارس سأعطيك كل يوم خمسون جنيهاً تشترى بها بيضاً وتجلس تبيعه أما القصر ونتقاسم المكسب، وفي الليلة الأولى سمعهم يضحون ويغنون ولكن إلى ما بعد العشاء بساعة وليس إلى منتصف الليل، وفي الليلة الثانية سكتت أصواتهم بعد العشاء مباشرة، وفي الليلة الثالثة سمع أصوات الشجار والصراخ، ثم دخل عليه ذلك الحارس المسكين ومعه ما تبقى من البيض وما كسب من مال، وقال له يا سيدي هذا بيضك ومالك، ودعنا نعود إلى حالنا السابق من الضحك والغناء، فلقد أفسد علينا المال سعادتنا.



وهم السعادة في المنصب والجاه:

وقد يظن البعض أن السعادة في الجاه والسلطان والمناصب والولايات: وهذا فهمٌ وظن خاطئ أيضاً، فأهل الجاه والسلطان والمناصب البعيدين عن الله، هم في شقاء وتعاسة وهمٍّ ونكد و عناء و هم وبلاء، ومع ذلك لا راحة و لا أمن.



عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلاَ تَسْتَعْمِلُنِي؟ قَالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلاَّ مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا. أخرجه مسلم.



فتأملوا عباد الله في أحوال الخلفاء و الملوك كيف فقدوا السعادة.

قال هشام بن عبد الملك - الخليفة -: عددت أيام سعادتي فوجدتها ثلاثة عشرة يوماً.



وكان أبوه عبد الملك يتأوه ويقول: يا ليتني لم أتولَّ الخلافة. فكان سعيد بن المسيب يقول عندما يسمع هذا: الحمد لله الذي جعلهم يفرُّون إلينا، ولا نفر إليهم.



فكم من منصب قتل صاحبه، وكم من إمارة كانت وبالاً ونكالاً على طالبها، قال الشاعر:

وأعز ما يبقى ودادٌ دائمٌ ♦♦♦ إن المناصبَ لا تدوم طويلا ً



وقال آخر:

إن المناصب لا تدوم لواحد
فإن كنت في شك فأين الأول
فاصنع من الفعل الجميل فضائل 
فإذا عزلت فإنها لا تعزل


العنصر الثالث: الطريق إلى السعادة بين يدك:

أحباب رسول الله - صلى الله عليه و سلم-بعد أن تعرفنا على مفهوم السعادة و تعرفنا على وهم السعادة الخداعة الكاذبة هيا لنتعرف على بعض الأسباب المؤدية إلى السعاة و الهناء في الدنيا و الآخرة.



أولا: الإيمان والعمل الصالح:

فالإيمان بالله تعالى المصدر الرئيس لتلك السعادة المنشودة و قد قرر الله تعالى تلك الحقيقة في غير ما آية من كتابه الكريم يقول الله تعالى ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 97].



يقول الشنقيطي -رحمه الله - وفي الآية الكريمة قرينة تدل على أن المراد بالحياة الطيبة في الآية: حياته في الدنيا حياة طيبة. وتلك القرينة هي أننا لو قدرنا أن المراد بالحياة الطيبة: حياته في الجنة في قوله: ﴿ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ [النحل: 97] صار قوله: ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 97] تكراراً معه. لأن تلك الحياة الطيبة هي أجر عملهم. بخلاف ما لو قدرنا أنها في الحياة الدنيا. فإنه يصير المعنى: فلنحيينه في الدنيا حياة طيبة، ولتجزينه في الآخرة بأحسن ما كان يعملن وهو واضح.



روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قد أفلح من أسلم ورزق كفافاً، وقنعه الله بما آتاه».

إن السعادة أن تعيش
لفكرة الحق التليد
لعقيدة كبرى تحل
قضية الكون العتيد
هذي العقيدة للسعيد
هي الأساس هي العمود
من عاش يحملها ويهتف
باسمها فهو السعيد


ورواه مسلم من حديث عبد الله بن يزيد المقرئ به. وروى الترمذي والنسائي من حديث أبي هانئ. عن أب على النبي، عن فضالة بن عبيد: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « قد افلح من هدي إلى الإسلام وكان عيشه كفافاً وقنع به » وقال الترمذي: هذا حديث صحيح.



الواقع التطبيقي:

يذكر أن زوجاً قال لزوجته بغضب: لأشقينَّك. فقالت الزوجة في هدوء وإيمان وعزة: لا تستطيع أن تشقيني كما لا تستطيع أن تسعدني. فقال الزوج في حنق: وكيف لا أستطيع؟ فقالت الزوجة في ثقة: لو كانت السعادة في راتب لقطعته عني أو زينة من الحلي لحرمتني منها، ولكنها في شيء لا تملكه أنت ولا الناس أجمعون! فقال الزوج في دهشة: وما هو؟ فقالت الزوجة في يقين: إني أجد سعادتي في إيماني، وإيماني في قلبي، وقلبي لا سلطان لأحد عليه غير ربي.



ثانيا: الإكثار من ذكر الله تعالى والشعور بمعيته دائما:

ومن أكبر الأسباب لانشراح الصدر وطمأنينته (الإكثار من ذكر الله) فإن لذلك تأثيراً عجيباً في انشراح الصدر وطمأنينته، وزوال همه وغمه، قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد: 28] فلذكر الله أثر عظيم في حصول أثرها بقدر الله تعالى.



يقول السعدي - رحمه الله -أي: حقيق بها وحريٌّ أن لا تطمئن لشيء سوى ذكره، فإنه لا شيء ألذ للقلوب ولا أشهى ولا أحلى من محبة خالقها، والأنس به ومعرفته، وعلى قدر معرفتها بالله ومحبتها له، يكون ذكرها له، هذا على القول بأن ذكر الله، ذكر العبد لربه، من تسبيح وتهليل وتكبير وغير ذلك.



و يقول عائض القرني - رحمه الله - الصدقُ حبيبُ اللهِ، والصراحةُ صابونُ القلوبِ، والتجربةُ برهانٌ، والرائدُ لا يكذبُ أهله، ولم يوجدْ عملٌ أشرحُ للصدرِ وأعظمُ للأجرِ كالذكر ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾ [البقرة: 152] وذكرُهُ سبحانهُ جنَّتُهُ في أرضِهِ، من لمْ يدخلْها لم يدخل جنة الآخرةِ، وهو إنقاذٌ للنفس من أوصابِها وأتعابِها واضطرابِها، بلْ هو طريقٌ ميسّرٌ مختصرٌ إلى كلِّ فوزٍ وفلاحٍ. طالعْ دواوين الوحي لترى فوائدَ الذكرِ، وجَرِّبْ مع الأيامِ بلْسمهُ لتنالَ الشفاءَ.



بذكره سبحانهُ تنقشعُ سُحُبُ الخوفِ والفَزَعِ والهمِّ والحزنِ. بذكره تُزاحُ جبالُ الكَرْبِ والغمِ والأسى.

قالَ إبراهيمُ بن أدهم: نحن في عيْشٍ لوْ علم بهِ الملوكُ لجالدونا عليهِ بالسيوفِ.

وقال ابنُ تيمية: إنه ليمرُّ بالقلبِ حالٌ، أقولُ: إن كان أهلُ الجنةِ في مثلِ حالِنا إنهم في عيشٍ طيبٍ.

قال أيضاً: إنه ليمرُّ بالقلبِ حالاتٌ يرقصُ طرباً، من الفرحِ بذكرهِ سبحانه وتعالى والأنس به.



وقال ابنُ تيمية أيضاً عندما أُدخِل السجنَ، وقدْ أغلق السجَّانُ الباب، قال ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ﴾ [الحديد: 13].



وقال وهو في سجنِه: ماذا يفعلُ أعدائي بي؟! أنا جنتي وبستاني في صدري، أنَّى سرْتُ فهي معي، إنَّ قتلي شهادةٌ، وإخراجي من بلدي سياحةٌ وسجني خلوةٌ.



يقولون: أيُّ شيء وَجَدَ من فقدَ الله؟! وأيُّ شيءٍ فقدَ من وجد الله؟! لا يستويان أبداً، منْ وجد الله وجد كلَّ شيء، ومنْ فقد الله فقد كلَّ شيءٍ.



قال أحدُ السلفِ عنِ الأثرياءِ وقصورِهمْ ودورِهمْ وأموالهمْ: نأكلُ ويأكلون، ونشربُ، ويشربون، وننظرُ وينظرون، ولا نُحاسبُ ويُحاسبون. ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ [الأنعام: 94].



ثالثا: طاعة الله تعالى وامتثال أمره:

ومن أسس السعادة التي يجد فيها العبد لذة العبودية لله تعالى الطاعة لله تعالى بامتثال أوامره و الانتهاء عن نواهيه.

ومما زادني فخرا و تيها
وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي 
وأن سيرت احمد نبيا


عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حبب إلي من الدنيا النساء والطيب وجعل قرة عيني في الصلاة أخرجه أحمد ". أي منتهى سعادته صلى الله عليه وسلم وغاية لذته في تلك العبادة التي يجد فيها راحة النفس واطمئنان القلب، فيفزع إليها إذا حزبه أمر أو أصابه ضيق أو أرهقه عمل، وينادي على بلال: "أرحنا بها.. أرحنا بها".



وهذا النوع من لذائذ القلوب والنفوس ذاقه السالكون درب نبيهم والسائرون على هديه وسننه، فجاهدوا أنفسهم وثابروا معها وصابروها في ميدان الطاعة حتى ذاقوا حلاوتها، فلما ذاقوها طلبوا منها المزيد بزيادة الطاعة، فكلما ازدادت عبادتهم زادت لذتهم فاجتهدوا في العبادة ليزدادوا لذة إلى لذتهم.. فمن سلك سبيلهم ذاق، ومن ذاق عرف.



قال بعض السلف: إني لأفرح بالليل حين يقبل لما يلتذ به عيشي، وتقر به عيني من مناجاة من أحب، وخلوتي بخدمته، والتذلل بين يديه، وأغتم للفجر إذا طلع لما اشتغل به.



وكان ثابت البناني يقول: "اللهم إن كنت أعطيت أحدًا الصلاة في قبره فأعطني الصلاة في قبري".

وقال سفيان الثوري: إني لأفرح بالليل إذا جاء، وإذا جاء النهار حزنت.



ولقد بلغت لذة العبادة وحلاوتها ببعض ذائقيها أن قال من شدة سروره: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه - يعني من النعيم - لجالدونا عليه بالسيوف.



إنها الجنة التي لما دخلها الداراني قال: إن أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم... وإنه لتأتي على القلب أوقات يرقص فيها طربا من ذكر الله فأقول: لو أن أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب".



عليُّ بنُ المأمون العباسي- أميرٌ وابنُ خليفة - كان يسكنُ قصراً فخماً، وعندهُ الدنيا مبذولةٌ ميسَّرةٌ، فأطلَّ ذات يومٍ منْ شرفةِ القصرِ، فرأى عاملاً يكدحُ طِيلةَ النهارِ، فإذا أضحى النهارُ توضَّأ وصلَّى ركعتين على شاطئ دِجلة، فإذا اقترب الغروبُ ذهب إلى أهلِه، فدعاهُ يوماً من الأيامِ فسألهُ فأخبره أن له زوجةً وأختين وأُمّاً يكدحُ عليهنَّ، وأنه لا قوت لهُ ولا دخل إلا ما يتكسبُه من السوقِ، وأنه يصومُ كلَّ يومٍ ويُفطرُ مع الغروبِ على ما يحصلُ، قال: فهلْ تشكو منْ شيءٍ؟ قال: لا والحمدُ للهِ ربِّ العالمين. فترك القصر، وترك الإمارة، وهام على وجههِ، ووُجد ميتاً بعد سنواتٍ عديدةٍ وكان يعملُ في الخشب جهة خرسان؛ لأنهُ وجد السعادة في عملِه هذا، ولم يجدْها في القصرِ، ﴿ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾ [محمد: 17].



أقول قولي هذا، وأسأل الله سبحانه أن يمنّ علينا بالاستجابة له ولرسوله، وبالثبات على ما يرضيه إلى أن نلقاه تعالى، وأن يغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات، إنه غفور رحيم.



الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين ولا عدوان إلا على الظالمين وصلوات الله وسلامه على خاتم المرسلين أحمده سبحانه وأتوب إليه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وآله وصحابته إلى يوم الدين.



رابعا: القناعة بما قسم الله:

واعلم بارك الله فيك أنه يزداد التسخط في الناس وعدم الرضى بما رُزقوا إذا قلّت فيهم القناعة، وحينئذ لا يرضيهم طعام يشبعهم، ولا لباس يواريهم، ولا مراكب تحملهم، ولا مساكن تكنهم؛ حيث يريدون الزيادة على ما يحتاجونه في كل شيء، ولن يشبعهم شيء؛ لأن أبصارهم وبصائرهم تنظر إلى من هم فوقهم، ولا تُبصر من هم تحتهم، فيزدرون نعمة الله عليهم، ومهما أوتوا طلبوا المزيد؛ فهم كشارب ماء البحر لا يرتوي أبداً.



ومن كان كذلك فلن يحصل السعادة أبداً؛ لأن سعادته لا تتحقق إلا إذا أصبح أعلى الناس في كل شيء، وهذا من أبعد المحال؛ ذلك أن أي إنسان إن كملت له أشياء قصرت عنه أشياء، وإن علا بأمور سفلت به أمور، ويأبى الله - تعالى - الكمال المطلق لأحد من خلقه كائناً من كان؛ لذا كانت القناعة والرضى من النعم العظيمة والمنح الجليلة التي يُغبط عليها صاحبها.



وفي هذا المعنى قال ابن الجوزي - رحمه الله تعالى -: من قنع طاب عيشه، ومن طمع طال طيشه.

وقال بعض الحكماء: وجدت أطول الناس غماً الحسود، وأهنأهم عيشاً القنوع.

إنَّ الغنيَّ هو الغنيُّ بنفسهِ
وَلَو أنّهُ عاري المَناكِبِ، حَافي
ما كلُّ ما فوقَ البسيطة ِ كافياً 
فإذا قَنِعتَ فكُلّ شيءٍ كافِ


وعن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا ذر، أترى كثرة المال هو الغنى؟" قلت: نعم! يا رسول الله، قال: "فترى قلة المال هو الفقر؟" قلت: نعم! يا رسول الله. قال: "إنما الغنى غنى القلب، والفقر فقر القلب "الحديثأخرجه ابن حبان.



خامسا: أربعٌ من السعادة:

عن سعد بن أبي وقاص-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أربعٌ من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء. وأربع من الشقاء: الجار السوء، والمرأة السوء، والمركب السوء، والمسكن الضيق ". أخرجه ابن حبان.



الإنسان بطبعه يحب الهدوء والراحة ويكره الإِزعاج وينفر من كل شيء يشق عليه ويدخلِ الهم والغمّ والحرج والضيق عليه. سواء كان أمراً خارجياً أو داخلياَ.



وفي هذا الحديث يبين الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم بعض الأسباب التي يَسْعَدُ بها المرء وتدخل عليه الفرح والسرور ومن تلك الأسباب:

المرأة الصالحة التي جعلها الله سكنا للرجل تطمئن إليها نفسه ويأوي إليها عند التعب فيزول عنه العناء. قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾ [الروم: 21].



وقال صلى الله عليه وسلم: "المرأة الصالحة، تراها فتعجبك، وتغيب عنها فتأمنها على نفسها ومالك ". أخرجه الحاكم.

ومن أسباب الراحة في الدنيا: المسكن الواسع في غرفه ومرافقه والذي يسع أهل الدار، وضيوفهم.



وكذلك الجار الصالح الذي ترجو خيره وتأمن شره، ويحب لك ما يحبه لنفسه من الخير، بل يؤثرك على نفسه أحياناً. كما قال صلى الله عليه وسلم: "وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره ".



وعكس ذلك كله من الشقاء. قال صلى الله عليه وسلم: " ومن الشقاء: المرأة، تراها فتسوؤك، وتحمل لسانها عليك وإن غبت عنها لم تأمنها على نفسها ومالك. والدابة تكون قطوفاً، فإن ضربتها أتعبتك، وإن تركتها لم تلحقك بأصحابك، والدار تكون ضيقةً قليلةَ المرافقِ ".

الدعاء....

التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات