الإسلام دين السعادة د/ خالد بدير




خطبة بعنوان: الإسلام دين السعادة



عناصر الخطبة:

العنصر الأول: الإسلام دين السعادة

العنصر الثاني:حقيقة السعادة

العنصر الثالث: السعادة قصص وعبر

العنصر الرابع: وسائل اكتساب السعادة

 المقدمة:                                                            أما بعد:

العنصر الأول: الإسلام دين السعادة

عباد الله: إن الإسلام دين السعادة والطمأنينة؛ فالإسلام حينما أمرنا بفعل الأوامر والطاعات؛ ونهانا عن النواهي والمحرمات؛ تحقيقاً للمصالح ودرءاً للمفاسد؛ فلا شك أن لذلك معنىً ومغزىً هاماً وحكمة جليلة ألا وهي سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة.

وقبل أن نطوف معكم في حديثنا عن السعادة أقف مع تعريفها كما قال العلماء بأنها: شعور داخلي يحسه الإنسان بين جوانبه يتمثل في سكينة النفس، وطمأنينة القلب، وانشراح الصدر، وراحة الضمير والبال نتيجة لاستقامة السلوك الظاهر والباطن المدفوع بقوة الإيمان.

والهدف من بعثة النبي – صلى الله عليه وسلم – هو إخراج الناس من الشقاوة إلى السعادة؛ ومن الضلالة إلى الهدي؛ ومن الجهالة إلى العلم؛ ومن الظلمات إلى النور ؛ فالقرآن نزل لسعادة البشرية لا لشقائها؛ وحينما ننظر إلى سورة طه نجد أنها تكلمت في مطلعها وثناياه وخاتمتها عن الشقاوة التي هي ضد السعادة؛ ففي مطلعها قال تعالى: {طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} ( طه: 1 ؛ 2 )؛ وفي ثناياها بيَّن الله أن سبب طرد آدم من الجنة هو اتباع إبليس الداعي إلى العصيان والشقاوة . { فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى }(طه: 117) ؛ وفي ختام السورة يبين الله أن طريق السعادة في الدنيا والآخرة هو اتباع هدى الله – عز وجل – وأن شقاوة الناس في الإعراض عنه سبحانه وتعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى }( طه: 123 – 127)

أيها المسلمون: إن لفظ السعادة بمشتقاته لم يرد في القرآن سوى في سورة هود – عليه السلام – قال تعالى:{ يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ }.( هود: 105- 108). عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، “فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ”, وَنَحْوُ هَذَا مِنَ الْقُرْآنِ, قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَحْرِصُ أَنْ يُؤْمِنَ جَمِيعُ النَّاسِ, وَيُتَابِعُوهُ عَلَى الْهُدَى, فَأَخْبَرَهُ اللَّهُ أَنَّهُ لا يُؤْمِنُ إِلا مَنْ سَبَقَ لَهُ مِنَ السَّعَادَةِ فِي الذِّكْرِ الأَوَّلِ, وَلا يَضِلُّ إِلا مَنْ سَبَقَ لَهُ مِنَ الشَّقَاءِ فِي الذِّكْرِ الأَوَّلِ, ثُمَّ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَنْ لا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ”[الكهف آية 6] , يَقُولُ: “إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ”[الشعراء آية 4]. ( الطبراني بسند ضعيف)

والسعادة في المنظور الإسلامي تشمل مرحلتين:

1- السعادة الدنيوية: فقد شرع الإسلام من الأحكام ووضح من الضوابط ما يكفل للإنسان سعادته الدنيوية في حياته الأولى، إلا أنه يؤكد بأن الحياة الدنيا ليست سوي سبيل إلى الآخرة، وأن الحياة الحقيقية التي يجب أن يسعى لها الإنسان هي حياة الآخرة؛ قال الله تعالى: { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً } [النحل: 97]. فقد بينت الآية الكريمة أن من لوازم السعادة في الدنيا: الإيمان والعمل الصالح.

2- السعادة الأخروية: وهذه هي السعادة الدائمة الخالدة، وهي مرتبة على صلاح المرء في حياته الدنيا. وأعلى مراتب السعادة الأخروية الجنة ورؤية الله تعالى.

 قال تعالى:{ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ }.(هود: 108). وقال: { لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (يونس: 26). فالحسنى : الجنة. والزيادة : رؤية الله عز وجل.

أحبتي في الله: إن نعيم الجنة الحقيقي ليس في لبنها، ولا خمرها، ولا ذهبها، ولا قصورها، ولا حريرها، ولا حورها، وإنما نعيم الجنة الحقيقي في رؤية وجه ربها، قال جل جلاله: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}. [القيامة:22-23] . عن أبي سعيد قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ يَا أهلَ الجنةِ فيقولونَ لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى يَا رَبِّ وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ؟ فَيَقُولُ أَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا “.(متفق عليه).

فضلا عن السعادة الكُبرى عندمـا تأخذ كتابك باليمين؛ وتصيح أمام العالمين : {هَآؤُمُ اقْرَءُوا كِـتابِـيـهْ * إنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابـيـه}.

ومن صور السعادة الأخروية : السعادة بشفاعته – صلى الله عليه وسلم – .

فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلُنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ؛ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ”.( البخاري )

أحبتي في الله: إن قلة السعادة وذهابها إلى غير أهلها وانتشار الشقاء بيننا من علامات الساعة؛ فعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكُونَ أَسْعَدَ النَّاسِ بِالدُّنْيَا لُكَعُ ابْنُ لُكَعٍ”. ( الترمذي وحسنه ). ومعنى ” لكع بن لكع ” : أي لئيم بن لئيم ، أي رديء النسب ، دنيء الحسب . وقيل أراد به من لا يعرف له أصل ، ولا يحمد له خلق ، قاله القاري . وقال في النهاية : اللكع عند العرب العبد ثم استعمل في الحمق والذم، وقيل الوسخ .”( تحفة الأحوذي وفيض القدير ).

أيها المسلمون: ومما يؤكد لنا أن الإسلام دين السعادة شهادة غير المسلمين بذلك؛ يقول روجييه دوباكييه  -مفكر وصحفي سويسري- :” كنت اسأل نفسي: لماذا يشعر المسلمون بسعادة تغمر حياتهم رغم فقرهم وتخلفهم؟! ولماذا يشعر السويديون بالتعاسة والضيق رغم سعة العيش والرفاهية والتقدم الذي يعيشون فيه؟! حتى بلدي سويسرا كنت أشعر فيها بنفس ما شعرت به في السويد، رغم أنها بلد ذات رخاء، ومستوى العيش فيها مرتفع!! وأمام هذا كله وجدت نفسي في حاجة لأن أدرس ديانات الشرق، وبدأت بدراسة الديانة الهندوكية؛ فلم أقتنع بها كثيرًا، حتى بدأت أدرس الدين الإسلامي؛ فشدني إليه أنه لا يتعارض مع الديانات الأخرى، بل إنه يتسع لها جميعًا؛ فهو خاتم الأديان، وهذه حقيقة بدأت تتسع عندي باتساع قراءاتي حتى رسخت في ذهني تمامًا أنه دين السعادة والطمأنينة”.

 ويقول: نسيم سوسة – محاضر عراقي يهودي – عن سعادة البشرية: “يجب أن لا يغرب عن البال أن المدنية الغربية الحديثة خابت في إرضاء النفوس، وأخفقت في إيجاد السعادة البشرية؛ فهبطت بالناس في هاوية الشقاء والارتباك؛ لأن جهود العلم الحديث موجهة إلى التدمير والإفناء، فهو بعيد والحالة هذه من أن يتصف بالكمال، أو أن يكون واسطة لخدمة الإنسانية كما كان في عهد الإسلام”.

ومناقبٌ شهد العدو بفضلها……………..والفضل ما شهدت به الأعداء

العنصر الثاني: حقيقة السعادة

عباد الله: الكل يبحث عن السعادة؛ والكل يتمني أن يكون سعيدا؛ ويظن البعض أن السعادة في مال أو منصب أو جاه أو سلطان أو شهرة أو غير ذلك من أعراض الدنيا الزائلة!! ولكن السعادة الحقيقة ليست مادية وإنما هي معنوية روحية؛ فحينما تغذى الجانب الروحي تصير سعيدا مطمئنا قرير العين خالي البال؛ أما إذا أهملت الجانب الروحي وغذيت الجانب المادي ( الجسد ) فقط ؛ فأنت في هذه الحال كالبهائم – أعزكم الله- قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ} ( محمد: 12)؛ يقول أحدهم :- لو كانت السعادة تكمن في ملذات الجسد وحدها , لكان الثور الذي يعيش في زريبة واحدة مع بقرة سمينة أكثر سعادة من البشرية جمعاء .يقول البستي:

يا خادمَ الجسمِ كمْ تَشقَى بِخِدْمَتِهِ ……….. أتَطلُبُ الرِّبْـحَ فيما فيه خُسـرانُ

أقْبِلْ على النفسِ واسْتكمِلْ فَضائِلَها ……… فَأَنْتَ بالنفسِ لا بالجسمِ إنسـانُ

يقول الدكتور مصطفى محمود – رحمه الله -:” إن السعادة أصلها شعور ديني وليست شعورا ماديا؛ ولهذا يمكن أن ينتحر مليونير يملك باخرة وطائرة وعدة ملايين من الدولارات؛ في حين تجد العابد الذي يعيش على الكفاف يضيء وجهه بسكينة داخلية لا حد لها، فالسعادة ليست في الجمال ولا في الغنى ولا في الحب ولا في القوة ولا في الصحة, السعادة في استخدامنا العاقل لكل هذه الأشياء”. أ.ه

ولست أرى السعادة جمع مال ٍ * * * ولكن التقي هو السعيد ُ

وتـــــقوى الله خير الزاد ذخراً * * * وعنـــــــــــــــد الله للأتقى مزيدُ

ويقول الدكتور أنس أحمد كرزون:” فمن اجتهد في تزكية نفسه وترقيتها، حتى يبلغ درجة الإحسان، فقد فاز بسعادة الدنيا وسعادة الآخرة، وتلك هي السعادة الحقة التي تختلف اختلافاً كبيراً عن السعادة المتوهمة، التي يسعى إليها أهل الدنيا، يشقون ليحظوا بها، فلا ينالون إلا مزيداً من الشقاء والتعاسة.” ( منهج الإسلام في تزكية النفس ).

أحبتي في الله: سلفنا الصالح كانوا في سعادة غامرة – مع قلة الزاد والمتاع عندهم – ومن أقوالهم المشهورة: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من السعادة لجالدونا عليها بالسيوف !! وهذا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَلَسْنَا مِنْ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ؟! فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: أَلَكَ امْرَأَةٌ تَأْوِي إِلَيْهَا؟! قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَلَكَ مَسْكَنٌ تَسْكُنُهُ؟! قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَنْتَ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ. قَالَ: فَإِنَّ لِي خَادِمًا. قَالَ: فَأَنْتَ مِنْ الْمُلُوكِ”. (مسلم ). وعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا”. (الترمذي وابن ماجة بسند حسن).

هِيَ القناعةُ فالزمْها تَعِـشْ مَلِكاً *** لـو لم يَكُنْ منك إلا راحةُ البدنِ

وانظر لمن مَلَكَ الدنيـا بأجْمَعِهَا *** هل راحَ منها بغيرِ القُطْنِ والكَفَنِ

العنصر الثالث: السعادة قصص وعبر

أحبتي في الله: هناك عدة مواقف وقصص للسعادة جمعتها لكم من هنا وهناك تبين أن السعادة ليست في غنىً أو مالٍ أو منصبٍ أو جاهٍ أو شهرةٍ ؛ ونذكر لكلٍ قصةً لنأخذ منها العظات والعبر وذلك من خلال ما يلي:

قصة أغنى امرأة في العالم: فتاة في العشرين من عمرها، إنها: كريستينا أونسيس ابنة الملياردير الشهير أونسيس ، لما هلك أبوها ورثت هذه الفتاة مع زوجة أبيها هذه التركة الضخمة؛ المليارات، والأساطيل، والشركات، وتزوجت هذه الفتاة برجل أمريكي عاشت معه فترة قصيرة ثم طلقته، ثم تزوجت برجل يوناني عاشت معه فترة قصيرة فطلقها أو طلقته، ثم تزوجت برجل روسي شيوعي، فتعجب الصحفيون في حفل زفافها، وقال لها صحفي: كيف تلتقي قمة الرأسمالية بـالشيوعية ؟! فقالت الفتاة بصدق ووضوح: أبحث عن السعادة، ثم عاشت معه وطلقته، ثم تزوجت للمرة الرابعة برجل فرنسي فتقدمت صحفية لتقول لها: هل أنت أغنى امرأة؟! قالت: نعم. أنا أغنى امرأة ولكني أشقى امرأة، ثم وجدوها جثة هامدة في إحدى الشاليهات بدولة الأرجنتين!! فليس كل صاحب مال سعيد!! والله لن يذوق طعم السعادة إلا رجل منّ الله عليه بالمال؛ فعرف الوظيفة لهذا المال، فأنفقه لله في الليل والنهار، اكتسبه من الحلال وأنفقه فيما يرضي الكبير المتعال.

أحدهم يموت من كثرة المال فرحاً والآخر يموت من فقده حزناً: يقول أحد المعاصرين: أنه رأى رجلاً غنياً ثرياً، أنعم الله عليه بالنعمة، ووسع عليه بالرزق، ولما اشتد الحال بالناس اشترى صفقةً من الطعام، وكانت صفقةً كبيرة، فدخلتُ عليه وقد أخبره رجل أن سعر الطعام الذي اشتراه قد ارتفع إلى أضعافٍ كثيرة، فلم يتحمل الفرحة فسقط ميتاً على دفتره، قال: ومضت الأيام، وتبدلت الأحوال، فدخلت على رجلٍ من أهل المدينة في كرائم نعمه وقد اشترى صفقةً من نفس الطعام، قال: والله فأتاه الخبر بأن سعر الطعام قد انخفض، فلم يتحمل الصدمة فسقط ميتاً. فقال: سبحان الله! عجبت لرجلٍ يموت عند الغلاء فرحاً، ورجلٌ يموت عند الرخص حزناً!!

قال البستي :                     ويا حريصاً على الأموالِ تجمعُها * * * أُنْسيتَ أنَّ سرورَ المالِ أحزانُ ؟

زع الفؤاد عن الدنيا وزينتها * * * * فَصَفْوُها كدرٌ والوصلُ هِجْـرانُ

 أمريكي يدخل الإسلام بسبب سعادة المسلمين: رجل أعمال أمريكي ثري، يملك الشركات والأموال الطائلة، ومع ذلك يقول: فكرت في الانتحار أكثر من عشر مرات!! أريد أن أتخلص من الحياة!! لا أشعر للحياة بلذة ولا بذوق ولا بطعم ولا سعادة!! كان معه موظف مسلم يعمل في شركته؛ يقول رجل الأعمال هذا: الأخ الموظف المسلم عندي في إحدى شركاتي، ما من مرة أدخل عليه إلا وأراه مبتسماً نشيطاً أميناً في عمله، صادقاً جاداً، فاقتربت منه وقلت: يا أخي، ما من مرة أدخل عليك إلا وأرى السعادة تعلو وجهك، وأرى عليك الجد والنشاط والحيوية، وأنا صاحب هذه الشركة لا أشعر بما تشعر به!! فرد عليه هذا الأخ المسلم الذي كان مثالاً للمسلمين وقال له: الحمد لله أنا أشعر بالسعادة؛ لأنني مسلم. قال له: وما معنى ذلك؟ وهل المسلم يشعر دوماً بالسعادة؟ قال: نعم؛ لأن نبينا صلى الله عليه وسلم علمنا حديثاً صحيحاً في صحيح مسلم من حديث أبي يحيى صهيب يقول: ” عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ! إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ؛ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ “. فرد الأمريكي وقال: فهل لو دخلت الدين الذي أنت عليه سأشعر بالسعادة التي تشعر بها؟! قال: نعم. قال: أدخلني، دلني، فأمره بالاغتسال، فاغتسل وجاء به إلى المركز الإسلامي ليعلن الشهادة، يقول الشاب المسلم: ووالله ما إن وقف الأمريكي ليردد خلفي كلمة الإيمان والتوحيد إلا وبكى بكاءً هستيرياً طويلاً، فأراد الإخوة أن يسكتوه، فقلت لهم: دعوه، فلما أنهى بكاءه وجلس قلت له: لماذا بكيت؟! فقال لي: أبكي لأني أشعر الآن بشيء من الفرح والسعادة في صدري ما شعرت به قبل ذلك!!!

السعادة ليست بالمنصب: فقد يظن البعض أن السعادة في الجاه والسلطان والمناصب والولايات؛ وهذا فهمٌ وظن خاطئ أيضاً، فأهل الجاه والسلطان والمناصب – البعيدين عن الله- هم في شقاء وتعاسة وهمٍّ ونكد, فعَنْ أَبِي ذَرٍّ ، قَالَ: قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، أَلاَ تَسْتَعْمِلُنِي ؟ قَالَ : فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي ، ثُمَّ قَالَ :” يَا أَبَا ذَرٍّ ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ ، وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ ، إِلاَّ مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا ، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا”. (مسلم ). قال هشام بن عبد الملك – الخليفة -: عددت أيام سعادتي فوجدتها ثلاثة عشر يوماً. وكان أبوه عبد الملك يتأوه ويقول: يا ليتني لم أتولَّ الخلافة. فكان سعيد بن المسيب يقول عندما يسمع هذا: الحمد لله الذي جعلهم يفرُّون إلينا، ولا نفر إليهم!! فكم من منصب قتل صاحبه , وكم من إمارة كانت وبالاً ونكالاً على طالبها , قال الشاعر :

وأعز ما يبقى ودادٌ دائمٌ * * * إن المناصبَ لا تدوم طويلا ً

وقال آخر :                         إن المناصب لا تـــدوم لواحــــــد *** فإن كنت في شك فأين الأول

فاصنع من الفعل الجميل فضائل *** فـــإذا عزلـــت فإنهـــا لا تعزل

السعادة ليست في الشهرة: فالبعض كذلك يظن أن السعادة في الشهرة؛ وهذا – أيضاً- ظن خاطئ، إذ أن الشهرة تكون في غالب الأحيان سبب الشقاء والتعاسة, تقول إحدى الممثلات الشهيرات قبل انتحارها وهي تنصح المرأة: احذري الشهرة، واحذري كل من يخدعك بالأضواء، إنني أتعس امرأة على هذه الأرض، لم أستطع أن أكون أمّاً، إنني امرأة أُفضِّل البيت والحياة العائلية على كل شيء، إن سعادة المرأة الحقيقية في الحياة العائلية الشريفة الطاهرة، لقد ظلمني كل الناس، إن العمل في السينما يجعل من المرأة سلعة رخيصة تافهة مهما نالت من المجد والشهرة الزائفة!!

فالشهرة لذة لا تقابلها لذة؛ أن تكون مشهوراً ومعروفا بين الناس؛ يقدمك الناس في المجالس؛ ويمدحون نتاجك؛ ولكن كثيراً من المشاهير كانت حياتهم كئيبة وانتهت بالانتحار؛ فمن المعلوم أن ديل كارنجي – صاحب كتاب ( دع القلق وابدأ الحياة ) وهو الكتاب المفيد الممتع الجميل – أنهى حياته منتحراً ؛ فقد قال للإنسان : دع القلق وابدأ الحياة!! انتحر وهو صاحب أروع الكتب في فن التعامل مع الناس !! وصاحب أكثر الكتب مبيعاً في العالم ، حيث بيعت ملايين النسخ من كتبه ، وترجمت إلى أكثر اللغات العالمية ، فهو صاحب كتاب كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس ؟!! وقد وضع قواعد رائعة في كيفية طرد القلق والانطلاق في الحياة العامة بكل سعادة وثقة؛ ولكن كل ذلك لم يمنع القلق من أن يسيطر على حياة كارينجي ، فعصفت الكآبة بحياته ، وسادت التعاسة والشقاء أيامه ، فقرر هو أيضاً التخلص من حياته عن طريق الانتحار!!

أَسعَدَ غيرَه فشفاه الله من مرضه: أستاذ جامعي في المنصورة في مصر ابتلاه الله بمرض في القلب، فسافر إلى بريطانيا لإجراء جراحة عاجلة، فلما قرر الأطباء الجراحة وظن أنه ربما يموت، قال: أمهلوني ثلاثة أيام لأرجع إلى أهلي لألقي عليهم نظرة أخيرة، ولأرتب بعض الأمور، فإن قدر الله عليَّ الوفاة أكون مطمئناً، فعاد الرجل وقبل أن يسافر بيوم إلى بريطانيا مرة أخرى لإجراء الجراحة، كان يجلس إلى جوار صديق له في مكتب إلى جوار جزار؛ -أي: رجل يبيع اللحم- ولفت نظره امرأة كبيرة تلتقط العظم وبعض قطع اللحم النيئ من الأرض وتضعه في سلة معها، فتعجب الرجل وخرج ونادى على هذه الأم الكبيرة، وقال: ما تصنعين يا أماه؟! قالت: والله يا بني لقد رزقني الله خمساً من البنات، ما ذاقوا طعم اللحم منذ عام تقريباً، فأنا أجمع لهم بعض هذه القطع. فبكى الرجل وتأثر ودخل على هذا الجزار وقال: يا أخي هذه المرأة ستأتيك في كل أسبوع وأعطها من اللحم ما تريد. قالت: لا، أريد كيلو فقط. قال: بل أعطها اثنين، وأخرج من جيبه مباشرة قيمة لحم لعام كامل مقدماً، فبكت المرأة ولم تصدق، ورفعت يديها تتضرع بالدعاء إلى الله جل وعلا أن يسعد هذا الرجل وهو صاحب القلب المريض. يقول: والله ما إن عدت إلى بيتي إلا وأنا أشعر بهمة ونشاط وسعادة، حتى لو كلفوني بهدم بيت لفعلت ذلك. يقول: فلما دخلت قابلتني ابنتي وقالت: ما شاء الله يا أبي أرى اليوم حركتك ونشاطك وجدك زاد، ما هذا؟ أرى وجهك يتهلل وتعلوه البسمة والسعادة!! فقص عليها القصة فبكت البنت، وكانت صالحة ورفعت يديها إلى السماء لتدعو الله جل وعلا وتقول: أسأل الله أن يسعدك بشفاء مرضك، كما أسعدت هذه المرأة وأولادها! واستجاب الملك، وسافر الرجل بعد إصرار من أهله وهو الذي شَعُر بالتحسن الكامل، وأمام أطبائه في بريطانيا صرخ طبيبه الذي يعلم حالته وقال: ما هذا؟ فنظر إليه وقال: ما الذي حدث؟! قال: من الذي بذل لك العلاج بهذه الصورة؟! وعند أي الأطباء قد تعالجت وطلبت العلاج؟! فبكى الرجل بين يديه وقال: تاجرت مع الله فشفاني الله جل وعلا، بين غمضة عين وانتباهتها!!

هذا هو طريق السعادة يا شباب! هذا هو طريق السعادة يا أصحاب الأموال والمناصب! لن تشعروا بالسعادة في الدنيا والآخرة إلا إذا سلكتم هذا الدرب. وما أصدق قول أمير الشعراء أحمد شوقي:

فَـإِنَّ الـسَعادَةَ غَـيرُ الظُهورِ…………..وَغَـيرُ الـثَراءِ وَغَيرُ التَرَف

وَلَـكِنَّها فـي نَواحي الضَميرِ………..إِذا هُـوَ بِـاللَومِ لَم يُكتَنَف

العنصر الرابع: وسائل اكتساب السعادة

عباد الله: قد يقول قائل: وما السبيل إلى السعادة؟ وكيف أكون سعيدا؟ أقول: هناك عدة سبل ووسائل لتحقيق السعادة تتمثل فيما يلى:

أولاً: الإيمان: فالإيمان هو أصل السعادة في الدنيا والآخرة؛ يذكر أن زوجاً قال لزوجته بغضب: لأشقينَّك . فقالت الزوجة في هدوء وإيمان وعزة : لا تستطيع أن تشقيني كما لا تستطيع أن تسعدني. فقال الزوج في حنق : وكيف لا أستطيع ؟! فقالت الزوجة في ثقة : لو كانت السعادة في راتب لقطعته عني أو زينة من الحلي لحرمتني منها ، ولكنها في شيء لا تملكه أنت ولا الناس أجمعون ! فقال الزوج في دهشة: وما هو ؟! فقالت الزوجة في يقين : إني أجد سعادتي في إيماني ، وإيماني في قلبي ، وقلبي لا سلطان لأحد عليه غير ربي !!

ثانياً: المداومة على العبادة والأعمال الصالحة:  فعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ؛ فَأَتَانَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ؛ فَنَكَّسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ ثُمَّ قَالَ:” مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا كُتِبَ مَكَانُهَا مِنْ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ؛ وَإِلَّا قَدْ كُتِبَ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً.” فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ؟! فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ؛ وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ؟! قَالَ:” أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ السَّعَادَةِ؛ وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ الشَّقَاوَةِ. ثُمَّ قَرَأَ { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى }الْآيَةَ.” (متفق عليه). فالعمل الصالح طريق السعادة لمن أراد السعادة في الدنيا والآخرة، قال جل جلاله: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}. [النحل:97]. قال ابن تيمية -رحمه الله- في مجموع الفتاوى:” إن سعادة النفس أن تحيا الحياة النافعة فتعبد الله، ومتى لم تحيَ هذه الحياة كانت ميتة، وكان مالها من الحياة الطبيعية موجباً لعذابها، فلا هي حية متنعمة بالحياة، ولا ميتة مستريحة من العذاب”.أ.ه .

 لذلك كان سلفنا الصالح إذا ضاقت بهم الهموم واشتبكت الغموم أتوا الصلاة وانطرحوا بين يدي ربهم، فتنفرج لهم الدنيا؛ فكان – صلى الله عليه وسلم- ينادي على بلال فيقول: ” يَا بِلَالُ أَقِمْ الصَّلَاةَ أَرِحْنَا بِهَا”.( أبو داود ). وعَنْ أَنَسٍ قَالَ؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ الدُّنْيَا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ”. (أحمد والطبراني والنسائي والحاكم وصححه)؛ فإذا داهمك الخوف وطوقك الحزن، وأخذ الهم بتلابيبك، فقم حالاً إلى الصلاة، تثوب لك روحك وتطمئن نفسك، إن الصلاة كفيلة بإذن الله باجتياح مستعمرات الأحزان والغموم ومطاردة فلول الاكتئاب.

ثالثاً: الدعاء: فتدعو الله دوما أن يجعلك من أهل السعادة؛ فروى أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، كَانَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَهُوَ يَقُولُ : ” اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ كِتَابِي فِي كِتَابِ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَأَثْبِتْهُ ، وَإِنْ كَانَ كِتَابِي فِي أَهْلِ الشَّقَاءِ كَتَبْتَ عَلَيَّ صَعْبًا أَوْ ذَنْبًا فَامْحُهُ ، وَاجْعَلْهُ فِي كِتَابِ أَهْلِ السَّعَادَةِ ، فَإِنَّكَ تَمْحُو مَا تَشَاءُ وَتُثْبِتُ ، وَعِنْدَكَ أُمُّ الْكِتَابِ”.  (أخبار مكة للفاكهي)؛ وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قوله” ” وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ”  يَقُولُ: أَئِمَّةَ هُدًى لِيُهْتَدَى بِنَا وَلا تَجْعَلْنَا أَئِمَّةَ ضَلالَةٍ, لأَنَّهُ قَالَ لأَهْلِ السَّعَادَةِ:  ” وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً بِأَمْرِنَا ”  وَلأَهْلِ الشَّقَاوَةِ,  ” وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ” ” (تفسير ابن أبي حاتم)

فمد يديك، ارفع كفيك، أطلق لسانك، أكثر من طلبه، بالغ في سؤاله، ألح عليه، الزم بابه، انتظر لطفه، ترقب فتحه، أحسن ظنك فيه، انقطع إليه، تبتل إليه تبتيلاً حتى تسعد وتفلح.

رابعاً: حسن اختيار الزوجة والمركب والمسكن: فعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ثلاثٌ من السعادةِ ، وثلاثُ من الشقاوةِ، فمن السعادةِ: المرأةُ تراها تُعجبكَ، وتَغيبُ فتأمنُها على نفسِها ومالكَ، والدابةُ تكونُ وطيئةً فتُلحقُكَ بأصحابكَ، والدارُ تكونُ واسعةً كثيرةَ المرافقِ ومن الشقاوةِ المرأةُ تراها فتسُوؤكَ، وتحملُ لِسانَها عليكَ، وإن غبتَ عنها لم تأمنْها على نفسهَا ومالكَ، والدابةُ تكون قطوفا، فإن ضربتَها أتعبتكَ، وإن تركتَها لم تُلحِقكَ بأصحابكَ، والدارُ تكونُ ضيقةً قليلةَ المرافقِ”.(الحاكم وصححه).

 فيشرع للإنسان أن يسأل ربه السعة في المسكن ، لما روى الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دعا في ليلة وقال: ” اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، وَوَسِّعْ لِي فِي دَارِي ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا رَزَقْتَنِي). وسأل مرة مسلمة بن عبد الملك جلساءه من أسعد الناس؟! قيل له: أنت. فقال: وأين ما ألقى في الثغور؟! فقالوا: أمير المؤمنين. فقال: وأين ما يلقى من أعدائه؟ فقالوا: من أيها الأمير؟ فقال: رجل له زوجة يحبها وتحبه قد رزقه الله كفافا لا نعرفه ولا يعرفنا !!

خامساً: تلاوة القرآن: فالقرآن علاج الهموم ، ومُزيل الغموم ، ومُذْهِب الحسرات ، وكاشفُ للبليَّات . فيا من أحاطت به هموم الدنيا ، وأزعجـته المصائب ، أُوصِيك بأن تجلس مع القرآن في كل يوم ولمدة ساعة تقرأ فيه ، وتتأمل معانيه ، وتعرض نفسك عليه ، فوالله سوف تشعر بالسعادة وتذوق طعم الحياة . قال الحسن البصري ـ رحمه الله : تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء: في الصلاة، وفي الذِّكْر، وقراءة القرآن فإن وجدتم وإلا فاعلموا أن الباب مغلق!

سادساً: الإحسان إلى النّاس: فالإحسان إلى الناس طريق السعادة للمحسن والمحسن إليه على السواء؛ فقد سُئِلَ أحدهم: مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ ؟! قال: مَنْ أَسْعَدَ النَّاسَ ؛ فإنْ كُنتَ تبحث عن الراحة والسكون والطمأنينة ، فأوصيك أنْ تمسح رأس اليتيم . . وتُـقبـِّـل رأس ذلك العجوز الفـقـير ؛ فمن أحسن إلى الخلق بالقول والعمل وأنواع المعروف فإن الله يدفع به الهموم والغموم عن العبد، ويعاملك الله وفق معاملتك لعباده. قال الإمام ابن القيم رحمه الله: “من رفق بعباد الله رفق الله به، ومن رحمهم رحمه، ومن أحسن إليهم أحسن إليه، ومن جاد عليهم جاد عليه، ومن نفعهم نفعه، ومن سترهم ستره، ومن منعهم خيره منعه خيره، ومن عامل خلقه بصفة عامله الله بتلك الصفة بعينها في الدنيا والآخرة، فالله لعبده حسب ما يكون العبد لخلقه” . قال تعالى: {لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا } [سورة النساء: 114].‏

سابعاً: أن ينظر المرء إلى من هو دونه في أمور الدنيا: فقد علمنا ذلك النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ” إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ وَالْخَلْقِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ.” (متفق عليه)؛ وفي رواية مسلم”: انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ، وَلاَ تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ ، فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لاَ تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ.” قال المباركفوري: “إن المرء إذا نظر إلى من فُضِّلَ عليه في الدنيا، استصغر ما عنده من نعم الله، فكان سببًا لمقته، وإذا نظر للدون، شكر النعمة، وتواضع وحَمِدَ وعاش في سعادة”. فكلما نظرت إلى من هو أقل منك ازددت رضا وقناعة وسعادة؛ فإن كنت فقيرا ففي الناس من هو أفقر منك! وإن كنت مريضًا ففي الناس من هو أشد منك مرضا؛ وإن كنت ضعيفا ففي الناس من هو أشد منك ضعفا.. فلماذا تَرفعُ رأسَك لتنظرَ إلى مَن هو فوقك، ولا تخفِضُه لتُبصِرَ من هو تحتك؟!.

 وأذكر هذه القصة لرجل كان دائما ينظر إلى من هو أعلى منه في الدنيا وكثرة المال والخدم؛ وكيف كانت نهايته؟! فقد روي أن ابن الراوندي الضال جلس على جسر بغداد يسأل الناس فمرت خيل؛ فقال لمن؟ قالوا: لعلى بن بلتق غلام الخليفة؛ ثم مرت جواري فقال لمن؟ قالوا لعلى بن بلتق؛ ثم مر به غلام أشفق عليه فأعطاه رغيفا فقال ابن الراوندي الضال: لعلى بن بلتق خيل وجواري وأنا أتسول رغيفا!! فرماه وظل يومه جائعا.” (صيد الخاطر لابن الجوزي).

 فانظر: قد اجتمعت فيه خصال الحسد والغل وعدم الرضا بما قسمه الله فختم الله على قلبه؛ فبعد أن كان من أهل السنة؛ انتقل إلى المعتزلة؛ ثم صار رافضيا؛ ثم صار ملحدا؛ ومات على ذلك – كما ذكرت كتب التاريخ – وهذه نهاية السخط وعدم الرضا!!

ثامناً: حضور مجالس الذكر: فإن ذلك من أكبر الأسباب لانشراح الصدر وطمأنينة ‏القلب، وزوال الهم والغم، قال تعالى: {أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ }. [سورة الرعد: 28].‏ فعاهد الله من الآن على أن لا تغفل عن ذكره، وستجد نتائج سريعة ومبهرة؛ فيا من شكى الأرق وبكى من الألم وتفجع من الحوادث، ورمته الخطوب، هيا اهتف باسمه المقدس، هل تعلم له سمياً .

الله أكبر كل هم ينجلي …………….. عن قلب كل مكبر ومهلل

تاسعاً: العمل وملء وقت الفراغ: فيجب أن نعرف أنّ السعادة ليست بالراحة؛ بل قد تكون المشقة عين السعادة أحياناً, فلو اضطررت لأن ترمي نفسك في بئر لتنقذ طفلاًّ وقع فيه ستكون سعيداً على الرغم من كل الجروح والآلام التي تعانيها جراء نزولك في البئر. وقد كان لزين العابدين بن علي ندباً في ظهره لأنه كان يحمل الطعام للفقراء؛ ولا شك أنه كان سعيداً في ذلك على الرغم من المشقة التي كان يلاقيها. وللرافعي رحمه الله تعالى كلام جميل في ذلك بقوله: ” ليست السعادة في الراحة والفراغ؛ ولكنها في التعب والكدح والمشقة حين تتحول أياماً إلى راحة وفراغ”. (وحي القلم 42/1).

وتلك المشقة التي يكابدها العلماء وطلاب العلم أثناء التحصيل العلمي تضفي عليهم السعادة وترفعهم إلى مراتب من النشوة ؛ على الرغم مما يعانونه من مشاق كبيرة؛ ولهذا يشير الإمام الشافعي رحمه الله تعالى بقوله:

سَهَرِي لِتَنْقِيحِ العُلُومِ أَلَذُّ لي………..مِنْ وَصْلِ غَانِية ٍ وَطيبِ عِنَاقِ

وصريرُ أقلامي على صفحائها…………أحلى منَ الدَّكاءِ والعشاقِ

وَأَلَذُّ مِنْ نَقْرِ الفتاة لِدُفِّهَا…………نقري لألقي الرَّملَ عن أوراقي

وتمايلي طرباً لحلِّ عويصة ٍ………في الدَّرْسِ أَشْهَى مِنْ مُدَامَةِ سَاقِ

وأبيتُ سهرانَ الدُّجا ونبيتهُ………..نَوْماً وَتَبْغي بَعْدَ ذَاكَ لِحَاقِي؟

وهذا أمر مهم للجيل الناشئ؛ فيظن البعض أن السعادة في الراحة فيعمد إلى أن يسند ظهر إلى جدار الكسل؛ فلا يعمل شيئا ولا ينشئ شيئاً ويضيع عمره ووقته في اللهو واللعب؛ وهؤلاء الناس هم أبعد الناس عن السعادة.

يقول الشاعر أبو تمام:

بصُرْتَ بالرَّاحة ِ الكُبرى فلمْ ترها……… تُنالُ إلاَّ على جسرٍ منَ التَّعبِ

ويقول أحد الحكماء: إذا أردت أن تعيش سعيداً خالي البال, فكن شجاعًا كالأسد, صبورًا كالجمل, نشيطًا كالنحلة, مبتهجًا كالعصفور.

فالعمل الجاد في جميع مجالات الحياة من أجل البناء والتعمير للوطن؛ وعدم الفساد والتخريب من أهم عوامل السعادة للمجتمع كله .

أيها المسلمون: طريق السعادة وعر يحتاج منك إلى مجاهدة وصبر؛ وقد تعب فيه من قبلنا من الأنبياء والصالحين؛ فالطريق ليس مفروشا بالورود؛ وما أجمل وصف ابن القيم لهذا الطريق حيث يقول: ” الطريق طريقٌ تعِب فيه آدم ، وناح لأجله نوح ، ورُمي في النار الخليل ، وأُضْجع للذبح إسماعيل ، وبيع يوسف بثمن بخس ولبث في السجن بضع سنين ، ونُشر بالمنشار زكريا ، وذُبح السيد الحصور يحيى ، وقاسى الضرَّ أيوب … وعالج الفقر وأنواع الأذى محمد صلى الله عليه وسلم .” ( الفوائد )

أحبتي في الله: هذه هي وسائل اكتساب السعادة فالزموها؛ حتى تكونوا سعداء في الدنيا والآخرة .

اللهم إنا نسألك عيش السعداء .. وموت الشهداء .. والحشر مع الأتقياء .. ومرافقة الأنبياء ..

الدعاء،،،،                                                            وأقم الصلاة،،،،                              

التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات