حُسن الخاتمة عِبرة وعِظة للشيخ ماهر السيد خضير






عناصر الخطبة
العنصر الأول / الموت عبرة وموعظة
العنصر الثاني / حسن الخاتمة والصالحين
العنصر الثالث / من أسباب حسن الخاتمة
الحمد لله رب العالمين سبحانه سبحان الذي في السماء عرشه ، سبحان الذي في الأرض حكمه ، سبحان الذي في القبر قضائه ، سبحان الذي قي البحر سبيله ، سبحان الذي في الجنة رحمته ، سبحان الذي في القيامة عدله واشهد إن لا اله إلا الله, وحده لا شريك له, وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وشفيعنا محمد عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه والله ما في الخلــق مثل محمدا في الفضل والجود والأخلاق ... فهو النبي الهاشمـي المصطفى من خيرة الأنساب من عدنان .. صلوات الله عليه وسلامه ... وبعد فأوصى نفسي وإياكم بتقوى الله عز وجل والحرص على رضائه والاستعداد للقائه ..
أما بعد عباد الله / تمر الجنائز بالناس يجهزونها ويصلون عليها ويسيرون خلفها ويشيعونها محمولة إلى مثواها الأخير. وتراهم يلقون عليها نظرات عابرة، وربما طاف بهم طائف من الحزن يسير. أو أظلهم ظلال من الكآبة خفيف. ثم سرعان ما يغلب على الناس نشوة الحياة وغفلة المعاش.
ومن العجيب المحزن أنه أصبح كثير منا يعتقد أن الكلام عن الموت هو نوع من التشاؤم والسوداوية بل يراه البعض نوع من أنواع تخويف وتقنيط الناس من الحياة وهذا خطأ كبير
فالتفكر بالموت لا علاقة له بالتشاؤم أبداً ولا بالسوداوية, هذا كلام الجهلة، هذا الحدث الذي لا بد منه شئنا أم أبينا, وليس له قاعدة, فقد يخطف الإنسان فجأةً, وبأي عمر, ففي الثلاثينات موت، وفي العشرينات، بالأربعينات، بالخمسينات، الموت ليس له قاعدة إطلاقاً، قاعدته الوحيدة أنه ليس له قاعدة، الشيء الذي تستعد له وتفكر فيه دائماً لا تفاجأ به، بل أنت قد أخذت احتياطات بالغة.
ورحم الله من قال
لا شيء مما ترى تبقى بشاشته يبقى الإله ويودي المال والولد
لم تغن عن هرمزٍ يوماً خزائنه والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا
ولا سليمان إذ تجري الرياح له والإنس والجن فيما بينها تـرد
أين الملوك التي كانت لعزتهـا من كل أوبٍ إليها وافـد يفـد
حوض هنالك مورود بلا كذبٍ لابد من ورده يوماً كما وردوا
عباد الله / يقول -جل وعلا(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) فصلت
وتلك البشارة تكون للمؤمنين عند احتضارهم، وذلك لن يكون إلا لمن وفقه الله-تعالى-للعمل الصالح
وهذا ما يسمى بحسن الخاتمة رزقنا الله وإياكم إياها
وبشرى حسن الخاتمة عباد الله تكون لمن تكون لمن داوم على الإقبال على الطاعات وأعمال الخير، ثم يكون موته بعد ذلك على هذه الحال الحسنة، ومما يدل على هذا المعنى ما صح عن أنس بن مالك-رضي الله عنه-قال : قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم )إذا أراد الله بعبده خيراً استعمله) قالوا: كيف يستعمله؟ قال : (يوفقه لعمل صالح قبل موته)
أيهَا المؤمنونَ:{ العبدُ مرهونٌ بعملِهِ، إِنْ خيراً فخيرٌ، وإِنْ شرًّا فشرٌّ، وقيمةُ العملِ فِي حُسْنِ خاتِمَتِهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ صلى الله عليه وسلم:« إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِخَوَاتِيمِهَا، كَالْوِعَاءِ إِذَا طَابَ أَعْلاَهُ طَابَ أَسْفَلُهُ، وَإِذَا خَبُثَ أَعْلاَهُ خَبُثَ أَسْفَلُهُ»( )
ومِنْ أعظمِ مَا ينبغِي أَنْ يحرِصَ عليهِ الإنسانُ ختامُ حياتِهِ وحُسنُ لقاءِ ربِّهِ، وقَدْ وجَّهَ القرآنُ الكريمُ إلَى حُسنِ استعدادِنَا للقاءِ اللهِ تعالَى بالعملِ الصالِحِ، قالَ تعالَى:( فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً )
ولأهميةِ هذهِ اللحظةِ الفارقةِ فِي حياةِ الإنسانِ كانَ الأنبياءُ -عليهِمُ السلامُ- يُوصونَ أقوامَهُمْ بالحرصِ علَى نَيْلِ حُسْنِ الْخَاتِمَةِ، قالَ سبحانَهُ:( وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ )
وقالَ تعالَى حكايةً عَنْ نبيِّهِ يوسفَ عليهِ السلامُ:( تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ)
وحُسْنُ الْخَاتِمَةِ أملُ الصالحينَ والأتقياءِ الذينَ قَصَّ علينَا القرآنُ الكريمُ أخبارَهُمْ، قالَ عزَّ وجلَّ: رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ)
وكانَ مِنْ دُعاءِ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ صلى الله عليه وسلم :« يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دَينِكَ وَطَاعَتِكَ »( ). وكانَ قَالَ صلى الله عليه وسلم يتعوذُ باللهِ تعالَى مِنْ شرِّ فتنةِ المحيَا والمماتِ، وفتنةُ المماتِ هيَ الساعةُ التِي يكونُ فيهَا العبدُ فِي إدبارٍ مِنَ الدنيَا وإقبالٍ علَى الآخرةِ، ويُحاولُ الشيطانُ أَنْ يفتنَهُ فِي دينِهِ ويحولَ بينَهُ وبينَ الإيمانِ باللهِ، فعندَهَا يُثبِّتُ اللهُ عزَّ وجلَّ المؤمنَ بالقولِ الثابتِ، فيقولَ لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ محمدٌ رسولُ اللهِ، قَالَ قَالَ صلى الله عليه وسلم :« مَنْ كَانَ آخِرُ كَلاَمِهِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ »( )..}
عباد الله / لقد حرص الأنبياء على حسن الخاتمة مكان أيضا من جاء من بعدهم من الصحابة والصالحين فهذا
.... عامر بن عبد الله بن الزبير على فراش الموت يلفظ انفاسة الاخيرة و الاهل من حولة يبكون فبينما هو يصارع الموت سمع المؤذن ينادى لصلاة المغرب و نفسة قد تحشرج فى حلقة و اشتد نزعة ولكن بمجرد ان سمع النداء قال لمن حولة خذوا بيدى قالو الى اين قال الى المسجد ! تعجب الحضور و قالوا وانت على هذة الحال ؟! قال عامر بن عبد الله سبحان الله اسمع منادى الصلاة و لا اجيبة خذوا بيدى فحملوة فصلى ركعة مع الإمام ثم مات فى سجودة .. نعم الختام عاش على صلاتة فمات عليها .
..... وعندما قارب الموت بالعابد الزاهد عبد الله بن ادريش و اشتد علية الكرب واخذتة سكرات الموت فاخذ يشهق حتى بكت ابنتة فقال لها يا بنيتى لا تبكى فقد ختمت القرآن فى هذا البيت اربعة الآف ختمة كلها لاجل هذا المصرع .
..... وفي وقت احتضار عبد الرحمن بن الاسود كان يبكى فقالو له لما تبكى و انت انت و المقصود انه عابد خاشع و تؤمن بالله و لك من الزهد و الخضوع مبلغا كبيرا فقال ابكى والله اسفا على الصلاة و الصوم ثم لم يزل يتلو القرآن حتى مات .
ولما نزل الموت بيزيد الرقاشى اخذ يبكى و يقول من يصلى لك يا يزيد اذا مت و من يصوم لك يا يزيد ان نمت و من يستغفر لك عن ذنوبك ثم تشهد و مات .
..... وفى زماننا المعاصر هذا رجل قد عاش أربعين سنة يؤذن للصلاة لا يبتغى إلا ّوجه الله ، وقبل الموت مرض مرضاً شديداً فأقعده فى الفراش ، وأفقده النطق فعجز عن الذهاب إلى المسجد ، فلما اشتد عليه المرض بكى ورأى المحيطون به على وجهه أمارات الضيق , وكأنه يخاطب نفسه قائلاً يارب أؤذن لك أربعين سنة وأنت تعلم أني ما ابتغيت الأجر إلا منك، وأحرم من الأذان فى آخر لحظات حياتي. ثم تتغير ملامح هذا الوجه إلى البشر والسرور ويقسم أبناؤه أنه لما حان وقت الآذان وقف على فراشه واتجه للقبلة , ورفع الآذان فى غرفته وما إن وصل إلى آخر كلمات الآذان لا إله إلا الله، حتى خر ساقطاً على الفراش فأسرع إليه بنوه , فوجدوا روحه قد فاضت إلى الله، مولاها ..
رزقنا الله وإياكم حسن الختام وأقولُ قولِي هذَا وأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي ولكُمْ، فاستغفِرُوهُ إنَّهُ هوَ الغفورُ الرحيمُ.
..................................................... الْخُطْبَةُ الثَّانيةُ
الحَمْدُ للهِ ربِّ العالمينَ ، وأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَه، وأَشْهَدُ أنَّ سيِّدَنَا محمَّداً عبدُهُ ورسولُهُ صلوات الله عليه وعلَى أصحابِهِ أجمعينَ، والتَّابعينَ لَهُمْ بإحسانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. وبعد
أيه المسلمون عباد إن حُسنِ الخاتمةِ له أسبابٌ
منْهَا أن يعمل الإنسان جهده وطاقته في إصلاح ظاهره وباطنه، وأن تكون نيته وقصده متوجهة لتحقيق ذلك، فقد جرت سنة الكريم سبحانه أن يوفق طالب الحق إليه، وان يثبته عليهن وأن يختم له به فمَنْ خالفَ سرُّهُ علانيَتَهُ، وباطنُهُ ظاهرَهُ فقَدْ تسوءُ خاتِمَتُهُ، كمَنْ يُحافظُ علَى الطاعاتِ أمامَ الناسِ، فإذَا خلاَ بنفسِهِ تَجرَّأَ علَى محارمِ اللهِ فانْتَهَكَهَا، وَنَسِيَ أَنَّ اللهَ مُطَّلِعٌ عليهِ، عَنْ ثَوْبَانَ عَنِ النَّبِىِّ أَنَّهُ قَالَ:« لأَعْلَمَنَّ أَقْوَاماً مِنْ أُمَّتِى يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضاً فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُوراً». قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا، أَنْ لاَ نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لاَ نَعْلَمُ. قَالَ:« أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا»( ).
ومن أسباب حسن الخاتمة أن يلح المرء في دعاء الله تعالى أن يتوفاه على الإيمان والتقوى.
ومن أسباب حسن الخاتمة التوبة: قال تعالى: ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ والفلاح هنا يشمل في الدنيا وعند الموت وفى الآخرة
ومن أسباب حسن الخاتمة أيها المسلمون حُسنَ الظنِّ باللهِ تعالَى مِنْ أهمِّ الأسبابِ التِي يُوفَّقُ بِهَا العبدُ لِحُسنِ الخاتمةِ، وهوَ أَنْ يرجُوَ الإنسانُ سِعةَ رحمةِ اللهِ تعالَى، وكرمَهُ فِي مغفرةِ ذنوبِهِ، قَالَ صلى الله عليه وسلم :« لاَ يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلاَّ وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ »( ).
عباد الله هنيئاً لِمَنْ عمَّرَ حياتَهُ بطاعةِ مولاهُ، فأدَّى صلاتَهُ وصامَ رمضانَ وأخرجَ زكاتَهُ وحجَّ بيتَ اللهِ تعالَى وبرَّ والدَيْهِ، ووصَلَ رحِمَهُ وأحْسَنَ إلَى جيرانِهِ، وحَسَّنَ خُلُقَهُ معَ الناسِ، وسعَى فِي خدمةِ وطنِهِ ومجتمعِهِ ونَشْرِ الخيرِ ، وأكثَرَ مِنْ فِعْلِ الخيراتِ حتَّى يُخْتَمَ لَهُ بِخاتمةِ خيرٍ. .......... الدعاء ......................... وأقم الصلاة
أعدها الفقير إلى عفو ربه
ماهر السيد خضير
إمام وخطيب بوزارة الأوقاف الإسكندرية
التعليقات
0 التعليقات