الإسلام دين الإنسانية & وفضل عاشوراء للشيخ احمد أبو عيد


للتحميل pdf اضغط هنا
للتحميل pdf للطباعة اضغط هنا
للتحميل word اضغط هنا
 الحمد لله الذي تجلى برحمته على عباده  فأرسل لهم الرسل والأنبياء، وما من نبي إلا جاء معه بفرقان وضياء، ثم ختم الرسالات بالشريعة الغراء، ونزل القرآن لما في الصدور شفاء، فأضاءت به قلوب العارفين والأتقياء، وترطبت بآياته ألسنة الذاكرين والأولياء، ونهل من فيض نوره العلماء والحكماء.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ،نحمده تبارك وتعالى على النعماء والسراء، ونستعينه على البأساء والضراء، ونعوذ بنور وجهه الكريم من جَهد البلاء، ودرك الشقاء، وعضال الداء، وشماتة الأعداء، ونسأله عيش السعداء، وموت الشهداء، والفوز في القضاء، وأن يسلك بنا طريق الأولياء الأصفياء.
وأشهد أن سيدنا محمدًا خاتم الرسل والأنبياء، وإمام المجاهدين والأتقياء، والشهيد يوم القيامة على الشهداء، المعصوم صلى الله عليه وسلم فما أخطأ قطُّ وما أساء، دعا أصحابه إلى الهدى فلبَّوُا النداء، فإذا ذاته رحمة لهم ونور، وإذا سلوكه إشراق وضياء .

العناصر
أولًا: الإسلام والإنسان
ثانيًا: ثمرات الإنسانية في الإسلام
ثالثًا: رحمة الله تعالى بالإنسان
رابعًا: صور من إنسانيته r
خامسًا: فضل يوم عاشوراء
الموضوع
أولًا: الإسلام والإنسان
القرآن كتاب الإنسان:
إذا نظرنا إلى المصدر الأول للإسلام وهو القرآن كتاب الله، وتدبرنا آياته، وتأملنا موضوعاته واهتماماته، نستطيع أن نصفه بأنّه، كتاب الإنسان. فالقرآن كله إما حديث إلى الإنسان، أو حديث عن الإنسان، إنّ كلمة "الإنسان" تكررت في القرآن ثلاثًا وستين مرة تقريبا، فضلاً عن ذكره بألفاظ أخرى مثل "بني آدم" التي ذكرت ست مرات، وكلمة "الناس" التي تكررت مائتين وأربعين مرة في مكيّ القرآن ومدنيّه.
ولعل من أبرز الدلائل على ذلك أنّ أول ما نزل من آيات القرآن على رسول الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم خمسُ آيات من سورة العلق ذكرت كلمة "الإنسان" في اثنتين منها، ومضمونها كلها العناية بأمر الإنسان.
هذه الآيات هي: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1-5].
سيدنا محمد r الرسول الإنسان:
وإذا نظرنا إلى الشخص الذي جسد الله فيه الإسلام، وجعله مثالاً حيًّا لتعاليمه، وكان خُلُقه القرآن، نستطيع أن نصفه بأنّه "الرسول الإنسان"، وسيرته ليست سيرة إله، ولا بعض إله، ولا ملاكٍ متجردٍ من اللحم والدم، بل هي سيرة النبيّ الإنسان، والقرآن الكريم حريص كل الحرص في شتى المناسبات على تأكيد إنسانيّة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، بمثل قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [الكهف].
الإسلام دين الإنسانية
لقد جاء الإسلام وجاءت نبوة سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، وجاء الوحي القرآني من أجل أن يكون الإسلام دين الإنسانية؛ حيث يزخر القرآن الكريم والسنة النبوية بالآيات والأحاديث الشريفة الدالة على التأكيد على الجانب الإنساني الواقعي لهذا الدين العالمي.
ولقد سما الإسلام بالإنسان روحاً وجسداَ، عقلاً وقلباً، ولم يضع في عنقه غلاً، ولا في رجله قيداً، ولم يحرم عليه طيباً، كما أنه لم يدعه كالكرة تتخطفها مضارب اللاعبين، فتتهادى في كل اتجاه، بل خاطبه ربه خطاباً صريحاً فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} الانفطار:6-8 {يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ} الانشقاق:6، ويقول ابن القيم رحمه الله: اعلم أن الله سبحانه وتعالى اختص نوع الإنسان من بين خلقه بأن كرمه وفضله وشرفه وخلقه لنفسه وخلق كل شيء له وخصه من معرفته ومحبته وقربه وإكرامه بما لم يعطه غيره وسخر له ما في سماواته وأرضه وما بينهما حتى ملائكته الذين هم أهل قربه استخدمهم له وجعلهم حفظة له في منامه ويقظته وظعنه وإقامته وأنزل إليه وعليه كتبه وأرسله وأرسل إليه ..... إلخ، فللإنسان شأن ليس لسائر المخلوقات؟
الجانب الإنساني في رسالة الإسلام:
إنّ كل دارسٍ للإسلام في كتابه وسنّة رسوله، يتبين له بجلاء: أنّه وجّه عناية بالغة إلى "الجانب الإنسانيّ" وأعطاه مساحة رحبة من رقعة تعاليمه، وتوجيهاته، وتشريعاته.
وإذا نظرت في الفقه الإسلامي وجدت "العبادات"، لا تأخذ إلا نحو الربع أو الثلث من مجموعه، والباقي يتعلق بأحوال الإنسان من أحوالٍ شخصية، ومعاملات، وجنايات، وعقوبات، وغيرها.
على أنّك إذا تأملت العبادات الكبرى نفسها، وجدت إحداها "إنسانيّة" في جوهرها، وهي عبادة "الزكاة" فهي تؤخذ من الإنسان الغني، لتَرِد على الإنسان الفقير، هي للأوّل تزكية وتطهير، وللثاني إغناء وتحرير.
والعبادات الأخرى لا تخلو من جانب إنساني تلمحه في ثناياها؛ فالصلاة عون للإنسان في معركة الحياة: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [البقرة: 153]، والصوم تربية لإرادة الإنسان على الصبر في مواجهة المصاعب، وتربية لمشاعره على الإحساس بآلام غيره، فيسعى إلى مواساته، ولهذا سمّى النبي صلى الله عليه وسلم شهر رمضان "شهر الصبر" و "شهر المواساة".
والحج مؤتمر ربانيّ إنسانيّ، دعا الله فيه عباده المؤمنين: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} [الحج: 28] ، فشهود المنافع هنا يمثل الجانب الإنساني في أهداف الحج.
وفوق ذلك نجد النبي صلى الله عليه وسلم يرفع إلى درجة العبادة كل عمل يؤديه المسلم، يترتب عليه نفع ماديّ لإنسان، أو سرور نفسيّ لإنسان.
ثانيًا: ثمرات الإنسانية في الإسلام:
العدل:
فلا يفرّق الإسلام عند إقرار العدل ، بين مسلم وغير مسلم ، فلا يجوز ظلم أي إنسان ومنعه من حقه الذي وهبه الله إياه في حياة كريمة شريفة عادلة ، مهما كان دينه وجنسه ولونه ، بل الإسلام يدعونا لنصرة أي مظلوم في الأرض ، لأنه دين الرحمة والإنسانية ، والله تعالى قال لنبيه عليه الصلاة والسلام ( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيماً ) النساء ١٠٥ ، فالله تعالى لم يقل : بين المسلمين أو بين العرب فقط ، بل قال ( بين الناس ) أي تحكم يا محمد بالعدل بين جميع الناس ، لأن الله لا يرضى بالظلم ، ومن لا يرضى بالظلم فهو سينصر المظلوم أياً كان .
وهذا موقف لسيدنا عمر من جبلة بن الأيهم عندما جاءه إلى المدينة جبلة بن الأيهم آخر ملوك الغساسنة يعلن إسلامه، فرَحَّب به عمر أشد الترحيب، وفي أثناء طواف هذا الملك حول الكعبة داس بدوي طرف إزار الملك الغساني، فيغضب الملك ويلتفت إلى هذا البدوي فيضربه ويهشم أنفه، فما كان من هذا البدوي من فزاره إلا أن توجه إلى الخليفة الراشد عمر بن الخطاب شاكياً، فيستدعي عمر رضي الله عنه الملك الغساني إلى مجلسه ويجري بينهما حوار صيغ على الشكل التالي:  " قال عمر: جاءني هذا الصباح، مشهد يبعث في النفس المرارة، بدويٌّ من فزارة، بدماء تتظلَّم بجراح تتكلَّم، مقلة غارت وأنف قد تهشم، وسألناه فألقى فادِحَ الوزر عليك بيديك، أصحيح ما ادَّعى هذا الفزاري الجريح؟ قال جبلة: لست ممن ينكر، أو يكتم شيئاً، أنا أدَّبتُ الفتى، أدركتُ حقي بيدي، قال عمر: أيُّ حقٍّ يا ابن أيهم؟ عند غيري يقهر المستضعف العافي ويظلم؟ عند غيري جبهة بالإثم والباطل تُلطَم، نزوات الجاهلية، ورياح العنجهية، قد دفناها وأقمنا فوقها صرحاً جديداً، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيداً، أرض الفتى، لابد من إرضائه مازال ظفرك عالقاً بدمائه، أو يهشمن الآن أنفك، وتنال ما فعلته كفك، قال جبلة: كيف ذاك يا أمير المؤمنين؟! هو سوقة وأنا صاحب تاج! كيف ترضى أن يخر النجم أرضاً؟! كان وهماً ما مشى في خلدي، أنني عندك أقوى وأعز، أنا مرتد إذا أكرهتني قال عمر: عالم نبنيه، كل صدع فيه بشبا السيف عندك أقوى وأعز، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى "، فجبلة فلم يستوعب هذا المعنى الكبير في الإسلام، وفَرَّ من المدينة هارباً مرتداً ولم يبالِ عمر ولا الصحابة معه بهذه النتيجة، لأن ارتداد رجل عن الإسلام أهونُ بكثير من التهاون في تطبيق مبدأ عظيم من مبادئه، وخسارة فرد لا تقاس بخسارة مبدأ . ([1])
المساواة:
أ- بين البشر جميعا فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوسط أيام التشريق خطبة الوداع فقال "يا أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد  ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى إن أكرمكم عند الله أتقاكم  ألا هل بلغت قالوا بلى يا رسول الله" ([2])  وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾[سورة الحجرات : الآية 13]
ب- وفي مساجد الإسلام حيث تقام صلاة الجمعة والجماعة تأخذ المساواة صورتها العملية، وتزول كل الفوارق التي تميِّز بين الناس، فمَن دخَلَ المسجدَ أَوَّلاً أخذ مكانه في مقدمة الصفوف، وإن كان أقلَّ الناس مالاً، وأضعفَهم جاهاً، ومَن تأخَّر حضورُه تأخّر مكانُه، مهما يكن مركزه، فكل الناس سواسية أمام الله؛ في قيامهم، وقعودهم، وركوعهم، وسجودهم، ربُّهم واحد، وكتابُهم واحد، وقبلتُهم واحدة، وحركاتُهم واحدة، وإمامهم واحد.
ج- في مناسك الحج تتحقق المساواة بشكل أشد ظهوراً ، وتتجسد تجسداً تراه العين فشعيرة الإحرام تفرض على الحجاج والمعتمرين أن يتجرَّدوا من ملابسهم العادية، ويلبسوا ثياباً بيضاء بسيطة، غير مخيطة، ولا محيطة، أشبه ما تكون بأكفان الموتى، يستوي فيها القادر والعاجز، والغني والفقير، والملك والمملوك، ثم ينطلق الجميع ملبين بهتاف واحد: لبيك اللهم لبيك، ومن المساواة العملية التي قررها الإسلام قولاً وطبقها فعلاً المساواة أمام قانون الإسلام وأحكام الشرع
د- وفي الحدود حاول الصحابة أن يشفعوا أسامة بن زيد -حِبُّ رسول الله وابن حِبّه-في امرأة من قريش من بني مخزوم، سرقت فاستحقت أن يقام عليها حد السرقة: قطع اليد، فكلمه فيها أسامة، فغضب صلى الله عليه وسلم غضبته التاريخية المعروفة، وقال كلمته التي خلدها التاريخ، فعن عَائِشَةَ، أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالَ: وَمَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئ عَلَيْهِ إِلاَّ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، حِبُّ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا، إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ؛ وَايْمُ اللهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ ابْنَةَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ، لَقَطَعْتُ يَدَهَا" ([3])
فلا فرق هنا بين ابنته ولا غيرها فالكل في الإسلام سواء.
ربط النبي r بين الأخوة الإنسانية وبين الإيمان:
 بل إن النبي صلى الله عليه وسلم ربط ربطاً محكماً بين الأخوة الإنسانية وبين الإيمان، بل جعلها مِن مقوماته ، فعَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ ـ في الإنسانيةـ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ))([4])  إذاً فالأخوة التي قصدها نبي المسلمين هي الأخوة الإنسانية، لقد طبَّق الإسلامُ هذا الإخاء الرفيع، وأقام على أساسه مجتمعاً ربانياً إنسانياً فريداً، اضمحلَّتْ فيه فوارق الجنس واللون والقبيلة والطبقة .
 وفي رواية : وحتى يكره له ما يكره لنفسه، وقد ذكر بعض شُرَّاح الحديث أن كلمة أخيه في الحديث لم تُقيد بصفة تحدُّ إطلاقها والمُطلق في النصوص المحكمة على إطلاقه .
عدّ الإسلام الاعتداء على أية نفس اعتداء على الإنسانية كلها:
 كما عدّ إنقاذَ أية نفس إحياء للناس جميعاً، وهذا ما قرره القرآن الكريم بوضوح جلي ، قال سبحانه : ﴿ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ﴾[ المائدة]
شريعة الإسلام تتَّسِم بالشمول والاطِّراد:
 الحرام في شريعة الإسلام يَتَّسِم بالشمول والاطِّراد، فليس هناك شيء حرام على الأعجمي، حلال على العربي، وليس هناك شيء محظور على الملون، مباح للأبيض، وليس هناك جواز أو ترخيص، ممنوح لفئة من الناس، تقترف باسمه ما طوع لها الهوى، بل ليس للمسلم خصوصية تجعل الحرام على غيره حلالاً له، كلا إن الله رب الجميع، والشرع سيد الجميع، فما أحل الله بشريعته فهو حلال للناس كافة، وما حرَّم فهو حرام على الجميع كافة إلى يوم القيامة.
دعوته إلى السلام بأوسع معاني هذه الكلمة:
 بمعانيها الفردية والجماعية، والمادية، والروحية، والدنيوية، والأخروية، قال تعالى :﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾[سورة المائدة : الآية 16 ]
الاهتمام بحقوق الانسان:
ومن أبرز هذه الحقوق: حقّ الإنسان في الحياة، فقد أكّدت الشّريعة الإسلاميّة على حقّ الإنسان في الحياة منذ أن تبثّ فيه الرّوح وهو جنين في بطن أمّه، لذلك حرّمت الشّريعة الإسلاميّة إجهاض الجنين وخاصّةً إذا كان الإجهاض في الفترة التي ينفخ فيها الرّوح من قبل الملك، كما أكّدت الشّريعة الإسلاميّة على حرمة دم الإنسان حينما نهت عن القتل باعتباره من كبائر الذّنوب والمعاصي ووضعت عقوبات القصاص التي تضمن حفظ النّفس البشريّة . حقّ الإنسان في الكرامة والحرّيّة، فقد أكّدت الشّريعة الإسلاميّة على الكرامة الإنسانيّة حينما حرّمت الإساءة للإنسان بالسبّ أو الإيذاء أو أكل ماله أو انتهاك حقوقه؛ بل إنّ الشّريعة الإسلاميّة نهت عن معاقبة المسيء بالضّرب على الوجه حتّى لا تمتهن كرامته، كما أكّدت الشّريعة الإسلاميّة على حقّه الإنسان في التّعبير عن آرائه ومعتقداته بكلّ حرّية ودون أن تطاله يد المحاسبة والقانون بسبب ذلك . حقّ الإنسان في العمل والتّعليم؛ فالإنسان له حقّه في أن يعمل الأعمال التي تؤمّن له قوت يومه إذا كانت مشروعةً، وله حقّه في تعلّم كلّ ما يرغب في تعلّمه ويظنّ أنّه سوف ينتفع منه في دنياه وآخرته .
ثالثًا: رحمة الله تعالى بالإنسان
معالجة الصفات الذميمة وتحويلها إلى صفات حسنة
إذا كانت كلمة "الإنسان" على كثرة ذكرها في القرآن الكريم قد جاءت تكشف في الإنسان صفات سلبية؛ حيث خُلِق الإنسان ضعيفًا، وهو يؤوس، قنوط، كادح، كنود، ظلوم، جهول، جَزُوع، إلى غير ذلك من الصفات الذميمة، فإن الإسلام في الوقت نفسه قد بيَّن السبل والوسائل التي تأخذ بذلك الإنسان؛ لترتفع بصفاته السلبية، فتُحَوِّلها لتصبح صفات إيجابية، وهنا تكتسب البشرية قيمًا إنسانية، تعلو على الأهواء والأنانية، قيمًا تتسم بالسماحة دون العناد، والإخاء دون العنصرية، والمساواة دون الفرقة، والتعارف دون الرفض، والإيثار دون الشُّح، والعدل دون الظلم، والرخاء دون الفقر، والرحمة دون القسوة، والتعاون على البر دون الإثم والعدوان.
والإنسان الضعيف أمام النساء جاء الإسلام يُوجِّه شهوته في وجهتها الصحيحة بالزواج الشرعي ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا ﴾ [النساء: 26،27، 28]، والإنسان اليؤوس القنوط، جاء القرآن ليعالج يأسه وقنوطه بالصبر: ﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ * إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ [هود: 9 - 11]، والإنسان المستصغِر نعمة الله عليه جاء القرآن ليعالج استشعاره بالعَوَز بتذكيره بنعم الله التي لا تُعَدُّ ولا تحصى: ﴿ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾ [إبراهيم: 34]، والإنسان المتكبر الذي يخاصم ربه لسوء تقديره لمقام الله، يجيء القرآن ليرده إلى حقيقة خلقه الْهَيِّن: ﴿ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ﴾ [النحل: 4]، وقد يطمح الإنسان إلى تحقيق رغبة عنده، قد يكون فيها شر له، فيأتي القرآن لِيُذَكِّره بأن اختياره ليس الأنسب له: ﴿ وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا ﴾ [الإسراء: 11]، ولربما نسي الإنسان ربه في فترات الرخاء، ولكنَّ القرآن يشعره بحاجته إلى الله وحده في أوقات الشدة: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا ﴾ [الإسراء: 67]، والإنسان الْمُتَّسِم بالتقتير والشح يجد القرآن يأخذ بيده ليعالجه من هذا الداء بتذكيره أن ما عند الله لا ينفد: ﴿ قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا ﴾ [الإسراء: 100]، والإنسان الذي يستبعد البعث يأتي القرآن ليذكره كيف جاء إلى الحياة أصلاً؟ ﴿ وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا * أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا ﴾ [مريم: 66، 67]،
وهكذا نجد القرآن يأخذ بالإنسان؛ ليحرره من الصفات الذميمة جميعًا، ويُحَوِّل تلك الصفات إلى قيم إنسانية عليا، وبذلك يتحرر الإنسان ويسمو فوق كونه كفورًا، وعاقًّا، وجهولاً، وخصيمًا مبينًا، ويؤوسًا قنوطًا، ساخطًا حال الشدة، ومُوَسْوِسًا، وهلُوعًا، وفاجرًا، وشاكًّا في البعث، ونكرةً غير مذكور حينًا من الدهر، ومغترًّا بربه، وكادحًا إليه، ومخلوقًا من تراب، ومن طين، ومن ماء مهين، ومن نطفة، ومن علقة، وناسيًا، وطاغيًا حال استغنائه.. إلخ ([5]).
الله اعلم بحال كل عبد من عباده:
من الناس من ظنُّوا أنهم بعباداتهم صاروا يحكمون على عباد الله، وقد أخبرنا رسولنا - r - عن مثل هذه النوعية؛ فعن أبي هريرة - t – قال سمعت رسول الله r يقول كان رجلان في بني إسرائيل متوخيين فكان أحدهما يذنب والآخر مجتهد في العبادة فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب فيقول أقصر فوجده يوما على ذنب فقال له أقصر فقال خلني وربي أبعثت علي رقيبا فقال والله لا يغفر الله لك أو لا يدخلك الله الجنة فقبض أرواحهما فاجتمعا عند رب العالمين فقال لهذا المجتهد أكنت بي عالما أو كنت على ما في يدي قادرا وقال للمذنب اذهب فادخل الجنة برحمتي وقال للآخر اذهبوا به إلى النار قال أبو هريرة والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته ([6])
وعن جُندب بن عبدِ الله -t -قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ -r -: (قَالَ رَجُلٌ: وَاللهِ لا يَغْفِرُ اللهُ لِفُلانٍ، فَقَالَ اللهُ -عز وجل -: مَنْ ذا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أنْ لا أغْفِرَ لِفُلانٍ! فَإنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُ، وَأحْبَطْتُ عَمَلَكَ) ([7]). ومعنى: يتألى: يحلف
تبديل السيئات حسنات مهما كثرت:
وعن عبد الرحمن بن جبير -t -قال: "أتى النبي -r -شيخ كبير هرم، سقط حاجباه على عينيه، وهو مدعم على عصا -أي: متكئًا على عصا -حتى قام بين يدي النبي -r -فقال: أرأيت رجلاً عمل الذنوب كلها، لم يترك داجة ولا حاجة إلا أتاها، لو قسمت خطيئته على أهل الأرض لأوبقَتْهم -لأهلكَتْهم -أَلَهُ من توبة؟ فقال -r -: (هل أسلمت؟)، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، قال: (تفعل الخيرات، وتترك السيئات، فيجعلهن الله لك كلهن خيرات)، قال: وغدراتي وفجراتي يا رسول الله؟ قال: (نعم، وغدراتك وفجراتك)، فقال: الله أكبر، الله أكبر، ثم ادعم على عصاه، فلم يزل يردِّد: الله أكبر، حتى توارى عن الأنظار"([8])
قال ابن قتيبة في "غريب الحديث"؛ للخطابي: "أراد أنه لم يدع شيئًا دعته نفسه إليه من المعاصي إلا ركبه؛ وذلك مصداقًا لقوله -تعالى -: "إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا" الفرقان
ستر الذنوب في الدنيا وغفرانها في الآخرة:
 إن من رحمته جل وعلا بعباده ما رواه عبد الله بن عمر t قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله r يَقُولُ "إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ، حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ قَالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُونَ فَيَقُولُ الأَشْهَادُ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ، أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ" ([9]).
رابعًا: صور من إنسانيته r
إنسانيته r في التشريع لأمته:
أمةَ الحبيب الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم، إن المتأمل في التشريعات التي جاءت على لسان خيرِ الكائنات صلى الله عليه وسلم، لَيلمُسُ فيها الجانب الإنساني الذي يقدر إنسانية المسلم، ويعرف قدرته وطاقته؛ لذا جاءت التشريعات تحمل المعنى الإنساني في اليسر والسهولة، والرفق والرحمة قال تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا ﴾ [النساء: 28]. قال ابن كثير: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ﴾؛ أي: في شرائعه وأوامره ونواهيه وما يقدره لكم؛ ولهذا أباح الإماءَ بشروط؛ كما قال مجاهد وغيره، ﴿ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا ﴾ فناسبه التخفيف؛ لضعفه في نفسه، وضعف عزمه وهمته([10])، وعندما رأى حبلًا ممدودًا أمر بحلِّه، وأمر أمَّته ألا تتكلف من العمل إلا ما تُطيق؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد، فإذا حبلٌ ممدود بين الساريتينِ، فقال: ((ما هذا الحبل؟))، قالوا: هذا حبلٌ لزينبَ، فإذا فَتَرَتْ تعلَّقت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا، حُلُّوه ليُصلِّ أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعُدْ))([11]).
إنسانيته مع الجاهلين:
عن أَبى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ r: " دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ "([12])
إنسانيته مع المذنبين:
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ r فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ، فَزَجَرُوهُ، قَالُوا: مَهْ مَهْ، فَقَالَ: " ادْنُهْ "، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا، قَالَ: فَجَلَسَ، قَالَ: " أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟ "، قَالَ: لَا وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: " وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ "، قَالَ: " أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟ "، قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: " وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟ "، قَالَ: لَا وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: " وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ، قَال: أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟ "، قَالَ: لَا وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: " وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟ "، قَالَ: لَا وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: " وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ، قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ "، فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ "([13])
إنسانيته مع الذين أذوه وأخرجوه من أرضه:
عفا عن أهل مكة مع أنهم آذوه وأجبروه على الخروج من مكة ومعه أصحابه
إنسانيته مع غير المسلمين:
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كُنْتُ أَمْشِى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -r- وَعَلَيْهِ رِدَاءٌ نجران غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِىٌّ فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عُنُقِ رَسُولِ اللَّهِ -r- وَقَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ ثُمَّ قَالَ يَا
مُحَمَّدُ مُرْ لِى مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِى عِنْدَكَ.فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -r- فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ"([14])
وقال تعالى (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) الممتحنة
وعن عبد الله بن عمرو t: عن النبي r قال " مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا " ([15])
ومعنى (معاهدا) ذميا من أهل العهد أي الأمان والميثاق. (لم يرح) لم يجد ريحها ولم يشمها. (مسيرة) مسافة يستغرق سيرها هذه المدة "
وعن عمرو بن الحمق t قال سمعت رسول الله r يقول " أَيُّمَا رَجُلٍ أَمِنَ رَجُلا عَلَى دَمِهِ ثُمَّ قَتَلَهُ، فَأَنَا مِنَ الْقَاتِلِ بَرِيءٌ، وَإِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ كَافِرًا "([16])
إنسانيته r مع الأسرى:
يقول جان باغوت غلوب: وكان انتصار المسلمين على هَوازِن في حُنين كاملًا، حتى إنهم كسبوا غنائم كثيرة؛ بين أعداد وفيرة من الإبل والغنم، كما أسروا عددًا ضخمًا من الأسرى، معظمهم من نساء هوازن وأطفالها، وعندما عاد النبي صلى الله عليه وسلم من الطائف دون أن يتمكَّن من فتحها، شرع يقسم الغنائم والأسلاب بين رجاله، ووصل إليه وفدٌ مِن هوازن المهزومة المغلوبة على أمرها، يرجوه إطلاق سراح النسوة والأطفال من الأسرى، وسرعان ما لبَّى النبي صلى الله عليه وسلم الطلب، بما عُرف عنه من دماثة وتسامح، فلقد كان ينشد من جديد في ذروة انتصاره أن يكسب الناسَ أكثر من نشدانه عقابهم وقصاصهم([17]).
 ولقد تأثَّر مالك بن عوف - زعيمُ هوازن المهزومة - بهذا العفو الكريم والخلق العظيم من سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، بعدما أطلق له كل الأسرى من قومه، فجادت قريحته لمدح النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذ
ينشد أبياتًا من الشعر يشكر فيها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قائلًا:
 ما إن رأيتُ ولا سمعتُ بمثلِهِ ** في الناسِ كلِّهمُ بمثلِ محمَّدِ
أوفى وأعطى للجزيلِ إذا اجتُدي * ومتى تشأْ يُخبِرْك عما في غدِ
وإذا الكتيبةُ عرَّدتْ أنيابها ** بالسمهريِّ وضرب كلِّ مهندِ
فكأنَّه ليثٌ على أشبالِهِ ** وَسطَ الهباءَةِ خادرٌ في مرصدِ
وإذا كانت هذه بعض صور من إنسانية النبي r وما هي إلا قليل جدا مما كان عليه r فعلى كل مسلم أن يقتدي برسول الله r في أعماله وأحواله وأخلاقه .
خامسًا: فضل يوم عاشوراء
لما نجى الله سيدنا موسى u وأغرق فرعونَ صام سيدنا موسى u يومَ العاشر من محرم شكراً لله على نعمته وفضله عليه بإنجائه وقومه وإغراق فرعونَ وقومه، وتلقته الجاهلية من أهل الكتاب، فكانت قريشٌ تصومه في جاهليتها، وكان النبي يصومه معهم.
 قالت عائشة رضي الله عنها: "كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه". ([18]).
ولما قدم الرسول المدينةَ مهاجراً، واليهود إذ ذاك بها، فوجدهم يصومون اليوم العاشر، سألهم: ما سبب الصيام؟ قالوا: يومٌ أنجى الله فيه موسى ومن معه، وأغرق فرعونَ ومن معه، فصامه موسى شكراً لله، فنحن نصوم، قال لهم النبي: (نحن أحق وأولى بموسى منكم)([19]).
أجل، إن محمداً r وأمته أولى بموسى وأولى بكل الأنبياء؛ لأنهم آمنوا بالأنبياء، وصدَّقوا رسالاتهم قال تعالى " آمَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ" "البقرة 285"،
وقال تعالى "إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرٰهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِىُّ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ" "آل عمران 68"
 فصامه سيدنا محمدٌ r شكراً لله على ما منحه موسى u، صامه وأمر الناس بصيامه، وأرسل إلى قرى الأنصار يأمرهم به
فعنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ قَالَتْ أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ -r-غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأَنْصَارِ التي حَوْلَ الْمَدِينَةِ «مَنْ كَانَ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ وَمَنْ كَانَ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ». فَكُنَّا بَعْدَ ذَلِكَ نَصُومُهُ وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا الصِّغَارَ مِنْهُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَنَذْهَبُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ الْعِهْنِ فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهَا إِيَّاهُ عِنْدَ الإِفْطَارِ ([20]).
صام النبي r تسعَ سنين عاشوراء، وفي العام الأخير قال: (لئن عشتُ إلى قابل لأصومنَّ التاسعَ)، يعني مع العاشر، وتوفي النبي r قبل أن يصومه، أمر بمخالفة اليهود فقال: (صوموا يوماً قبله، أو يوماً بعده، خالفوا اليهود).
 قال الشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق وآخرون: يستحب صوم التاسع والعاشر جميعا; لأن النبي r صام العاشر، ونوى صيام التاسع. وقال بعض العلماء: ولعل السبب في صوم التاسع مع العاشر ألا يتشبه باليهود في إفراد العاشر.
وعلى هذا فصيام عاشوراء على ثلاث مراتب:
1ـ صوم التاسع والعاشر والحادي عشر.
2ـ صوم التاسع والعاشر.
3ـ صوم العاشر وحده.
وقال الإمام أحمد بن حنبل – رحمه الله -: (فإن اشتبه عليه أول الشهر صام ثلاثة أيام، وإنما يفعل ذلك ليتيقن صوم التاسع والعاشر).
وصوم عاشوراء وإن لم يعد واجباً فهو مما ينبغي الحرص عليه غاية الحرص.
صيامه يكفر السنة الماضية:
 فعن أبي قتادة عن النبي r أنه قال في صيام يوم عاشوراء إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله" ([21])
تحري الرسول r صيام هذا اليوم:
عن ابن عباس قال: (ما رأيت النبي يتحرى صوم يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء) ([22]).
وقوع هذا اليوم في شهر الله المحرم الذي يسن صيامه:
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ -t -قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r" أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ وَأَفْضَلُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلاَةُ اللَّيْلِ"([23])
 كان الصحابة yيصوّمون فيه صبيانهم تعويداً لهم على الفضل
 عن الربيع بنت معوذ قالت: أرسل النبي r غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار (من أصبح مفطرا فليتم بقية يومه ومن أصبح صائما فليصم). قالت فكنا نصومه بعد ونصوم صبياننا ونجعل لهم اللعبة من العهن فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار ([24])
 ومعنى (غداة عاشوراء) صبيحة اليوم العاشر من محرم. (فليتم بقية يومه) فليمسك عن الفطر بقية يومه. (العهن) الصوف وقيل الصوف المصبوغ.
كان بعض السلف يصومون يوم عاشوراء في السفر
 ومنهم ابن عباس وأبو إسحاق السبيعي والزهري، وكان الزهري يقول: (رمضان له عدة من أيام أخر، وعاشوراء يفوت)، ونص أحمد على أنه يصام عاشوراء في السفر"([25]).
البعد عن النار سبعين خريفا:
فعَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ -t -قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -r: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا فِى سَبِيلِ اللَّهِ إِلاَّ بَاعَدَ اللَّهُ بِذَلِكَ الْيَوْمِ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا» ([26])
أما الحكمة من صيام التاسع مع العاشر
فهي كما قال النووي رحمه الله: ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ فِي حِكْمَةِ اسْتِحْبَابِ صَوْمِ تَاسُوعَاءَ أَوْجُهًا:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ مُخَالَفَةُ الْيَهُودِ فِي اقْتِصَارِهِمْ عَلَى الْعَاشِرِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ وَصْلُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ بِصَوْمٍ، كَمَا نَهَى أَنْ يُصَامَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَحْدَهُ.
الثَّالِثَ: الاحْتِيَاطُ فِي صَوْمِ الْعَاشِرِ خَشْيَةَ نَقْصِ الْهِلالِ، وَوُقُوعِ غَلَطٍ فَيَكُونُ التَّاسِعُ فِي الْعَدَدِ هُوَ الْعَاشِرُ فِي نَفْسِ الأَمْرِ.
وأقوى هذه الأوجه هو مخالفة أهل الكتاب، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: نَهَى r عَنْ التَّشَبُّهِ بِأَهْلِ الْكِتَابِ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ، مِثْلُ قَوْلِهِ فِي عَاشُورَاءَ:(لَئِنْ عِشْتُ إلَى قَابِلٍ لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ) ([27])

وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
إعداد: الشيخ احمد أبو عيد
01098095854




([1]) انسانية الإسلام د/محمد راتب النابلسي
([2]) صحيح الترغيب والترهيب
([3]) صحيح البخاري
([4]) متفق عليه
([5]) القيم الإنسانية في القرآن للدكتور حسني حمدان
([6]) صحيح سنن أبي داود
([7]) صحيح مسلم
([8]) صحيح الترغيب والترهيب
([9]) صحيح البخاري
([10]) تفسير ابن كثير
([11]) صحيح البخاري
([12]) صحيح البخاري
([13]) السلسلة الصحيحة
([14]) صحيح مسلم
([15]) صحيح البخاري
([16]) صحيح الترغيب والترهيب
([17])الفتوحات العربية الكبرى
([18]) متفق عليه
([19]) صحيح سنن ابن ماجة
([20]) صحيح مسلم
([21]) صحيح مسلم  
([22]) صحيح البخاري
([23]) صحيح مسلم
([24]) متفق عليه
([25]) لطائف :121
([26]) صحيح مسلم
([27]) الفتاوى الكبرى ج6
التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات