إتقان الخشوع في الصلاة للشيخ أحمد أبو عيد

 



pdf


word



 الحمد لله الذي فرض على عباده الصلوات لحكم بالغة وأسرار، وجعلها صلة بين العبد وبين ربه ليستنير بذلك قلبه، ويحصل له المطلوب في الدنيا ودار القرار.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، العزيز الغفار.

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المصطفى المختار صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان آناء الليل والنهار.

العناصر:

 أولًا: معني الخشوع                                  ثانيًا: أهمية الخشوع

ثالثًا: كيفية الخشوع في الصلاة                      رابعًا: حال السلف الصالح مع الخشوع

خامسًا: الترهيب من ترك الخشوع

الموضوع

أولًا: معني الخشوع

الخشوع في اللغة: هو الخضوع والسكون، قال تعالى:{ وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً} [طه: 108] أي سكنت.

والخشوع في الاصطلاح: هو قيان القلب بين يدي الرب بالخضوع والذل. قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله: "أصل الخشوع لين القلب ورقنه وسكونه وخضوعه وانكساره وحرقته، فإذا خشع القلب تبعه خشوع جميع الجوارح والأعضاء، لأنها تابعة له ".

فالخشوع محله القلب ولسانه المعبر هو الجوارح . فمتى اجتمع في قلبك أخي في الله – صدق محبتك لله وأنسك به واستشعار قربك منه، ويقينك في ألوهيته وربوبيته،وحاجتك وفقرك إليه.

متى اجتمع في قلبك ذلك ورثك الله الخشوع وأذاقك لذته ونعيمه تثبيتاً لك على الهدى،قال تعالى:{ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى}[محمد: 17] .

والخشوع كما عرفه شيخ الإسلام ابن تيمية: يتضمن معنيين . أحدهما: التواضع والذل . والثاني: السكون والطمأنينة. وذلك مستلزم للين القلب المنافي للقسوة، فخشوع القلب يتضمن عبوديته لله وطمأنينته أيضا، ولهذا كان الخشوع في الصلاة يتضمن هذا وهذا التواضع والسكون.

فالخشوع هو حضور الذهن فيما يقوله ويفعله المصلى ومعرفه حق من يقف أمامه ويناجيه مما يؤدى إلى تذلل القلب وخضوعه إقراراً لهذا الحق ومن ثم اطمئنان الجوارح وسكينتها.

قال الشاعر:

إنَّ الْمَلِيكَ قَدِ اصْطَفَى خُدَّامًا = مُتَوَدِّدِينَ مُواطِئِينَ كِرَامَا

رُزِقُوا الْمَحَبَّةَ وَالْخُشُوعَ لِرَبِّهِمْ = فَتَرَى دُمُوَعَهُمْ تَسِحُّ سِجَامَا

يُحْيُونَ لَيْلتَهُمْ بِطُولِ صَلَاتِهِمْ = لَا يَسْأَمُونَ إِذَا الْخَلِيُّ نَامَا

قَوْمٌ إِذَا رَقَدَ الْعُيُونُ رَأَيْتَهُمْ = صَفُّوا لِشِدَّةِ خَوْفِهِ أَقْدَامَا

وَتَخَالَهُمْ مَوْتَى لِطُولِ سُجُودِهِمْ = يَخْشَوْنَ مِنْ نَارِ الْإِلَهِ غَرَامَا

شُغِفُوا بِحُبِّ اللهِ طُولَ حَيَاتِهِمْ = فَتَجَنَّبُوا لِوِدَادِهِ آثَامَا

ثانيًا: أهمية الخشوع

هم المفلحون: قال تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾ [المؤمنون: 1، 2]، فلما ذَكَر بقيَّةَ صفاتهم، ذَكَر جزاءهم، فقال: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [المؤمنون: 10، 11].

قال الحَسَن البصريُّ رَحِمَه اللهُ في قوله تعالى: كان خشوعُهم في قلوبهم، فغَضُّوا بذلك أبصارَهم، وخفضوا لذلك الجَناح ([1]).

قال ابن القيم: "علَّق اللهُ فلاحَ المُصَلِّين بالخشوع في صلاتهم، فدلَّ على أنَّ مَن لم يَخْشَعْ فليس مِن أهل الفلَاح، ولو اعتدَّ له بها ثوابًا، لكان مِن المفلحين"([2]).

والخشوع يأتي بِمَعْنَى لِينِ القلبِ، ورقَّتِه، وسُكونِه، فإذا خَشَعَ القَلبُ تَبِعَه خشوعُ الجوارح؛ لأنَّها تابعةٌ له؛ عنِ النُّعمان بن بشير t؛ أن النبي  قال: ((ألا وإنَّ في الجسَد مُضْغةً، إذا صَلَحَتْ صَلَح الجسَدُ كلُّه، وإذا فسَدَتْ فسَدَ الجسَدُ كله، ألا وهي القلب)) ([3]).

أمر الله به: قال تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (238)) [سورة البقرة] حافظوا -أيها المسلمون- على الصلوات الخمس المفروضة بالمداومة على أدائها في أوقاتها بشروطها وأركانها وواجباتها، وحافظوا على الصلاة المتوسطة بينها وهي صلاة العصر، وقوموا في صلاتكم مطيعين لله، خاشعين ذليلين ([4]).

الاقتداء بالنبي :  عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: (أَتَيْتُ النَّبِيَّ  وَهُوَ يُصَلِّي وَلِجَوْفِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ يَعْنِي: يَبْكِي)، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: (رَأَيْتُ النَّبِيَّ  يُصَلِّي وَفِي صَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الرَّحَا مِنَ الْبُكَاءِ) ([5]).

وأبو بكر كان رجُلًا بكَّاءً، لا يُسْمِع الناسَ مِن البُكاء إذا صلَّى بهم، وعمر t صلَّى بالناس وقرأ سورة يوسف، فسُمِع نشيجُه مِن آخر الصفوف وهو يقرأ: ﴿ وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ [يوسف: 84]

من صفات الصالحين: قال تعالى: {وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90].

ولما كان الخشوع صفه يمتدح الله بها عبادة المؤمنين،دل على فضله ومكانته عبد الله،ودل على حب الله الأهل الخشوع والخضوع،لأن الله سبحانه لا يمدح أحداً بشيء إلا وهو يحبه ويحب من يتعبده به

خفة الصلاة على الخاشعين: لا يعرف قيمة الخشوع إلا من أحسه وعايشه قال تعالى: "وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) " سورة البقرة.

عروة بن الزبير: سافر عروة من المدينة إلى دمشق، وفي الطريق بوادي القرى أصيبتْ رجلُه بأَكَلَةٍ، ولم يَكَد يَصِل دمشق حتى كانت نصفُ ساقه قد تلِفتْ، فدخل على الخليفة الوليد بن عبدالملك، فبادر الوليد باستدعاء الأطبَّاء العارفين بالأمراض وطرق علاجها، فأجمعوا على أن العلاج الوحيد هو قطعها قبل أن يَسريَ المرض إلى الرِّجل كلِّها حتى الوَرِك، وربما أكلتِ الجسمَ كله، فوافق عروةُ بعد لأْيٍ على أن تُنْشَر رِجله، وعرض عليه الأطباء إسقاءه مُرْقِدًا؛ حتى يغيب عن وعيه فلا يشعر بالألم، فرفض عروة ذلك بشدة قائلاً: لا والله، ما كنت أظن أحدًا يشرب شرابًا، أو يأكل شيئًا يُذهِب عقلَه، ولكن إن كنتم لا بُدَّ فاعلين فافعلوا ذلك وأنا في الصلاة؛ فإني لا أحس بذلك ولا أشعر به، فقطعوا رجله من فوق الأكلة من المكان الحي؛ احتياطًا أن لا يبقى منها شيء، وهو قائم يصلي، فما تضوَّر ولا اختلج، فلما انصرف من الصلاة عزَّاه الوليد في رجله، فقال: اللهم لك الحمد، كان لي أطرافٌ أربعة فأخذتَ واحدًا، ولئن كنتَ أخذتَ فقد أبقيتَ، وإن كنتَ قد ابتليتَ فلطالما عافيتَ، فلك الحمد على ما أخذتَ وعلى ما عافيتَ، اللهم إني لم أمشِ بها إلى سوء قط.

فأنشد عروة في ذلك، والأبيات لمعن بن أويس:

لعمرك ما أهويت كفّي لريبة ... ولا حملتني نحو فاحشة رجلي

ولا قادني سمعي ولا بصري لها ... ولا دلّني رأيي عليها ولا عقلي

ولست بماش ما حييت لمنكر ... من الأمر لا يمشي إلى مثله مثلي

ولا مؤثر نفسي على ذي قرابة ... وأوثر ضيفي ما أقام على أهلي

وأعلم أنّي لم تصبني مصيبة ... من الدّهر إلّا قد أصابت فتى قبلي

مراتب الناس في الصلاة: قال ابن القيم رحمه الله: "والناس في الصلاة على مراتبَ:

أحدها: مرتبة الظالِم لنفسِه المفرِّط، وهو الذي انتقَص مِن وضوئها، ومواقيتها، وحدودها، وأركانها.

الثاني: مَن يحافظ على مواقيتِها، وحدودِها، وأركانها الظاهرة، ووضوئها، لكن قَدْ ضَيَّعَ مجاهَدةَ نفسِه في الوسوسة، فذهَبَ مع الوساوس والأفكار.

الثالث: مَن حافَظَ على حدودها وأركانها، وجاهَدَ نفسَه في دفع الوساوس والأفكار، فهو مشغول بمجاهَدة عَدوِّه؛ لئلا يَسْرق صلاتَه، فهو في صلاة وجهاد.

الرابع: مَن إذا قام إلى الصلاة أَكْمَلَ حُقُوقَهَا وأَرْكَانَهَا وحُدُودَهَا، واسْتَغْرَقَ قلبَه مُراعاةُ حُدودِها؛ لِئلا يُضيِّع شيئًا منها؛ بل همُّه كله مصروف إلى إقامتها كما ينبغي، وإكمالها وإتمامها، قد استغرق قلبَه شأنُ الصلاة وعبوديةُ ربه تبارك وتعالى فيها.

الخامس: مَن إذا قام إلى الصلاة قام إليها كذلك، ولكن مع هذا، قد أخذ قلبَه ووضعه بين يدي ربه عزَّ وجلَّ، ناظِرًا بقلبه إليه، مُراقِبًا له، مُمْتَلِئًا مِن مَحَبَّته وعظَمَتِه؛ كأنه يراه ويشاهده، وقد اضمحلَّتْ تلك الوساوسُ والخطرات، وارتفعَت حُجُبُهَا بينه وبين ربه، فهذا بينه وبين غيره في الصلاة أفضلُ وأعظمُ مما بين السماء والأرض، وهذا في صلاته مشغولٌ بربِّه عَزَّ وجَلَّ.

فالقِسم الأول: مُعاقَبٌ، والثاني: محاسَب، والثالث: مُكَفَّرٌ عَنْهُ، والرابع: مُثَابٌ، والخامس: مُقَرَّبٌ مِن رَبِّهِ؛ لأن له نصيبًا ممن جُعلَتْ قرةُ عينه في الصلاة، فمَن قَرَّتْ عينُه بصلاته في الدنيا، قَرَّتْ عينُه بقُربِه مِن ربِّه عز وجل في الآخرة، وقرَّت عينُه أيضًا به في الدنيا، ومَن قرَّت عينُه بالله، قرتْ به كلُّ عينٍ، ومَن لم تقرَّ عينُه بالله تعالى تَقَطَّعَتْ نفسُه على الدنيا حسرات"([6])

ثالثًا: كيفية الخشوع في الصلاة

 

أ- قبل الصلاة

اسباغ الوضوء: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «الصَّلَاةُ ثَلَاثَةُ أَثْلَاثٍ: الطُّهُورُ ثُلُثٌ: وَالرُّكُوعُ ثُلُثٌ، وَالسُّجُودُ ثُلُثٌ، فَمَنْ أَدَّاهَا بِحَقِّهَا، قُبِلَتْ مِنْهُ، وَقُبِلَ مِنْهُ سَائِرُ عَمَلِهِ، وَمَنْ رُدَّتْ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ، رُدَّ عَلَيْهِ سَائِرُ عَمَلِهِ»([7]) " قال ابن رجب: فَعَلَى هَذَا التَّقْسِيمِ الْوُضُوءُ ثُلُثُ الصَّلَاةِ، إِلَّا أَنْ يُجْعَلَ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ، لِتَقَارُبِهِمَا فِي الصُّورَةِ، فَيَكُونُ الْوُضُوءُ نِصْفَ الصَّلَاةِ أَيْضًا. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: خِصَالُ الْإِيمَانِ مِنَ الْأَعْمَالِ وَالْأَقْوَالِ كُلُّهَا تُطَهِّرُ الْقَلْبَ وَتُزَكِّيهِ، وَأَمَّا الطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ، فَهِيَ تَخْتَصُّ بِتَطْهِيرِ الْجَسَدِ وَتَنْظِيفِهِ، فَصَارَتْ خِصَالُ الْإِيمَانِ قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا يُطَهِّرُ الظَّاهِرَ، وَالْآخَرُ يُطَهِّرُ الْبَاطِنَ، فَهُمَا نِصْفَانِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ وَمُرَادِ رَسُولِهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ([8]).

وهو سبب لمغفرة الذنوب ومفتاح للخشوع فعَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ  تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ قَالَ: « مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» ([9])

عن رفاعة بن رافع قال قال رسول الله  "إنه لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح رأسه ورجليه إلى الكعبين ثم يكبر الله ويحمده ويمجده ويقرأ ما تيسر من القرآن مما علمه الله وأذن له فيه ثم يكبر فيركع فيضع يديه على ركبتيه ويرفع حتى تطمئن مفاصله وتسترخي ثم يقول: سمع الله لمن حمده فيستوي قائما حتى يأخذ كل عظم مأخذه ويقيم صلبه ثم يكبر فيسجد فيمكن جبهته من الأرض حتى تطمئن مفاصله وتسترخي ثم يكبر فيرفع رأسه فيستوي قاعدا على مقعدته فيقيم صلبه ثم يكبر فيسجد حتى يمكن وجهه ويسترخي لا تتم صلاة أحدكم حتى يفعل ذلك" ([10])

التوجه إلى الله اخلاص: عَنْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ t قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ  إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ وَفِي رِوَايَةً: كَانَ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ كَبَّرَ ثُمَّ قَالَ: «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أَمَرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ ظَلَمْتُ نَفْسِي وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ» ([11])

أنْ يَسْتَحْضِرَ المُسْلِمُ عَظَمَةَ البارِي سبحانه وتعالى، وأنه واقفٌ بين يَدَيْ جبارِ السماوات والأرض، قال تعالى: ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [الزمر: 67].

فإذا عظم المسلم قدر ربه وجلال وجهه وعظيم سلطانه واستحضر في قلبه وفكره إقبال الله عليه وهو في الصلاة، فعلم بذلك أنه واقف بين يدي الله وأن وجه الله منصوب لوجهه،ويا له من مشهد رهيب، حق للجوارح فيه أن تخشع وللقلب فيه أن يخضع، وللعين فيه أن تدمع.

ولذلك كان السلف رضي الله عنهم يتغير حالهم إذا أوشكوا على الدخول في الصلاة، فقد كان على بن الحسين ‘ إذا توضأ صفر لونه فيقول له أهله: ما هذا الذي يعتريك عند الوضوء ؟فيقول: أتدرون بين يدي من أقوام؟

وهذا مسلم بن يسار تسقط أسطوانة في ناحية المسجد ويجتمع الناس لذلك،وهو قائم يصلي ولم يشعر بذلك كله حتى انصرف من الصلاة.

معرفة الله: وهي أهم الأسباب وأعظمها،وبها ينور القلب ويتقد الفكر وتستقيم الجوارح،فمعرفة أسماء الله وصفاته تولد في النفس استحضار عظمة الله ودوام مراقبته ومعيته. ولذلك قال الله جل وعلا: "فاعلم أنه لا إله إلا الله".

فالعلم اليقين بلا إله إلا الله،يثمر في القلب طاعة الله وتوقيره والذل والانكسار له في كل اللحظات،  المؤمن الحياء من الله لإيقانه بوجوده ومعيته وقربه وسمعه وبصره. قال تعالى: { وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }[الحديد:4].

فاعلم-أخي الكريم- أنك متى ما عودت نفسك مراقبة الله في أحوالك كلها أورثك الله خشيته ووهبك الخشوع في الصلاة, وذلك لأنك حينما تستحضر معية الله في أقوالك وأفعالك فإنما تعبد الله بالإحسان، إذ الإحسان هو: "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه براك" ([12])

أن يُزيل كلَّ ما يَشغله في صلاته منَ الزخارف والصوَر ونحوها؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قام رسول الله  يُصَلِّي في خَمِيصَةٍ ذاتِ أعلامٍ، فنظر إلى عَلَمِها، فلما قَضَى صلاته قال: ((اذهَبوا بهذه الخميصة إلى أبي جَهْمِ بنِ حذيفةَ، وائتوني بأَنْبِجَانِيِّه؛ فإنها أَلْهَتْنِي آنفًا في صَلاتي)) ([13]).

لذا كان ابن عمر رضي الله عنهما لا يدع في موضع الصلاة مصحفا ولا سيفا إلا نزعه ولا كتابا إلا محاه.

وصلى رجل في حائط له والنخل مطوقة بثمرها فنظر إليها فأعجبته ولم يدر كم صلى فذكر ذلك لعثمان t وقال هو صدقة فاجعله في سبيل الله عز وجل ([14])

وعن عائشة رَضِيَ اللهُ عنها، قالت: سَمِعْتُ رسولَ الله  يقولُ: «لا صَلاَةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْبَثَانِ» ([15])، وفي رواية: «إذا أقيمت الصلاة، وحضر العشاء، فابدؤوا بالعشاء»، وفيه: دليل على تقديم فضيلة الخشوع في الصلاة على فضيلة أول الوقت، ولو فاتته الجماعة، ولا يجوز اتخاذ ذلك عادة.

قال ابن دقيق العيد: ومدافعة الأخبثين، إما أنْ تؤدي إلى الإخلال بركن أو شرط أو لا، فإن أدّى إلى ذلك امتنع دخول الصلاة معه، وإن دخل واختل الركن أو الشرط فسدت الصلاة بذلك الإخلال، وإن لم يؤد إلى ذلك فالمشهور فيه الكراهة.

ذكْر الموتِ في الصلاة: عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ t قَالَ: جَاءَ رَحل إِلَى النَّبِيِّ  فَقَالَ: عِظْنِي وَأَوْجِزْ. فَقَالَ: «إِذَا قُمْتَ فِي صَلَاتِكَ فَصَلِّ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ وَلَا تَكَلَّمْ بِكَلَامٍ تَعْذِرُ مِنْهُ غَدًا وَأَجْمِعِ الْإِيَاسَ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاس» ([16])

مُجَاهَدَة النفْس في الخُشُوع، فالخُشُوع ليس بالأمر السَّهْل، فلا بدَّ منَ الصبر والمجاهدة؛ قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [العنكبوت: 69]، ومع الاستمرار والمجاهدة يَسْهُل الخُشُوعُ في الصلاة.

استحضار الثوابِ المُتَرَتِّب على الخشوع: عَنْ عُثْمَانَ، عَنِ النَّبِيِّ  قَالَ: «مَا مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا وَخُشُوعَهَا وَرُكُوعَهَا إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ مَا لَمْ يُؤْتِ كَبِيرَةً، وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ» ([17])

الاستعداد للصلاة: أن استعدادك للصلاة هو علامة حبك لله جل وعلا، وأن حرصك على أدائها في وقتها مع الجماعة، هو علامة على حب الله لك، فعنْ أبي هُريرةَ قال: قال رسول الله : "إنَّ اللهَ قال: مَنْ عادَى لي وليًّا فقدْ آذَنْتُهُ بالحَرْبِ، وما تقرِّبَ إليَّ عَبْدي بِشيءٍ أحبَّ إليَّ مِمَّا افْترضتُ عليْه، وما يزالُ عَبْدي يَتَقَرَّبُ إليَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحبَّه" ([18]) ولذلك فإقامة الصلاة على الوجه المطلوب هو أول سبب يوجب محبه الله ورضوانه،وإنما يكون استعدادك – أخي الكريم – بالتفرغ للصولة تفرغاً كاملا، بحيث لا يكون في بالك شاغل يشغلك عنها،وهذا لا يتحقق إلا إذا عرفت حقيقة الدنيا، وعلمت أنها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، وأنك فيها غريب عابر سبيل سوف ترحل عنها في الغد القريب، فعن ابن عمر رضي الله عنهما، قَالَ: أخذ رسول الله  بِمَنْكِبَيَّ، فقال: «كُنْ في الدُّنْيَا كَأنَّكَ غَرِيبٌ، أَو عَابِرُ سَبيلٍ»، وَكَانَ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما، يقول: إِذَا أمْسَيتَ فَلا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ([19]).

فإذا تفرغ قلبك من شواغل الدنيا، فأسبع الوضوء كما أمره الله متحرياً واجباته وشروطه وسننه لتكون على أكمل طهارة، ثم انطلق إلى بيت الله سبحانه بخطى يملؤها السكينة والوقار وحرص على الصق الأول عن يمين الإمام.

فمن الأمور المهمة لكي يتحقق الخشوع في الصلاة أن يتهيأ المسلم نفسياً وبدنياً للصلاة، وأن يفرغ نفسه تماماً لها، تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله يحدثنا ونحدثه ويكلمنا ونكلمه، فإذا حضرت الصلاة كأنه لا يعرفنا ولا نعرفه.

ومن تهيئة المسلم لنفسه للصلاة أن يتوضأ ويسبغ الوضوء وذلك يتطلب وقتا كافياً قبل الصلاة، وهو جهاد من أعظم الجهاد فعن أبي هريرة t قال: قَالَ: قَالَ رَسُول الله : «ألا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟» قَالُوا: بَلَى، يَا رسولَ اللهِ، قَالَ: «إِسْبَاغُ الوُضُوءِ عَلَى المَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الخُطَا إِلَى المَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ فَذلِكُمُ الرِّبَاطُ» ([20])

وعَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله  قَالَ: لَا يزَال العَبْد فِي صَلَاة مَا كَانَ فِي مُصَلَّاهُ ينْتَظر الصَّلَاة، فَتَقول الْمَلَائِكَة: اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ، اللَّهُمَّ ارحمه، حَتَّى ينْصَرف أَو يحدث. " ([21])

وقد كان السلف رحمهم الله يستعدون للصلاة أيما استعداد سواء كانت فرضاُ أم نفلاً .روي عن حاتم الأصم أنه سئل عن صلاته، فقال: إذا حانت الصلاة، أسبغت الوضوء، وأتيت الموضع الذي أريد الصلاة فيه، فأقعد فيه حتى تجتمع جوارحي، ثم أقوام إلى صلاتي، وأجعل الكعبة بين حاجبي،والصراط تحت قدمي، والجنة عن يميني، والنار عن شمالي،وملك الموت ورائي،وأظنها آخر صلاتي، ثم أقوم يسن يدي الرجاء والخوف، أكبر تكبيراُ بتحقيق، وأقرأ بترتيل، وأركع وكوعاً بتواضع وأسجد سجوداً بتخشع، وأتبعها الإخلاص، ثم لا أدري أقبلت أم لا؟.

*ومن الاستعداد للصلاة أن تقول مثل ما يقول المؤذن، ثم ذلك بما صح عن رسول  من الأدعية المأثورة فعن جابر بن عبدِ الله أنَّ رسولَ اللهِ  قالَ: "مَن قالَ حينَ يَسمعُ النداءَ: اللهمَّ رَبَّ هذه الدعوةِ التامَّةِ، والصلاةِ القائمةِ، آتِ محمَّداً الوسيلةَ والفضيلةَ، وابعثْه مقاماً محموداً الذي وعدتَه؛ حَلَّت له شفاعتي يومَ القيامة" ([22])

واعلم – أخي الكريم – أن أداء النوافل والرواتب تزيد من خشوع المؤمن في الصلاة،لأنها السبب الثاني الموجب لمحبة الله .

فقه الصلاة: وإنما جعل فقه الصلاة من أسباب الخشوع، لأن الجهل بأحكامها ينافي أداءها كما صلى النبي ، ولقد صلى رجل أمام رسول الله عليه وسلم فأساء صلاته، فقال له النبي  "ارجع فصل فإنك لم تصل"([23])

فيجب عليك – أخي الكريم – أن تعلم أركان الصلاة وواجباتها، وسنن الصلاة ومبطلاتها،حتى تعبد الله بكل حركة أو دعاء تقوم به في الصلاة، قال رسول الله :" صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي " ([24]).

اتخاذ السترة: وذلك حتى لا يشغلك شاغل ولا يمر يديك مار سواء من الإنس أو الجن،فيقطع عليك صلاتك ويكون سبباً في حرمانك من الخشوع.

عن سهل بن حثمة عن النبي  قال:" إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ مِنْهَا لَا يَقْطَعِ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صلَاته "([25])

وأعلم أخي الكريم أن اتخاذ السترة في الصلاة، قد تهاون فيه كثير من الناس، وذلك لجهلهم بما يوقعه من السكينة والهدوء في قلب المصلي ولجهلهم بحكمه في الصلاة.

الحرص على السواك وتنظيف الفم عند الصلاة: عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ  يَقُولُ: "لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ " ([26])

الذهاب مبكرا إلى المسجد لأن في ذلك أجر وثواب عظيم ,عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ، قَالَ:( مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ وَرَاحَ، أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ نُزُلاً كُلَّمَا غَدَا وَرَاحَ.) ([27])

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : ( مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ مَشَى إِلَى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، لِيَقْضِيَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللهِ، كَانَتْ خَطْوَتَاهُ، إِحْدَاهُمَا تَحُطُّ خَطِيئَةً، وَالأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً.) ([28])

الاستعاذة بالله من الشيطان: عن أَبي هريرة - t - قال: قَالَ رسول الله : «إِذَا نُودِيَ بالصَّلاَةِ، أدْبَرَ الشَّيْطَانُ، وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لا يَسْمَعَ التَّأذِينَ، فَإذَا قُضِيَ النِّدَاءُ أقْبَلَ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ للصَّلاةِ أدْبَرَ، حَتَّى إِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أقْبَلَ، حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ المَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا واذكر كَذَا - لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُر مِنْ قَبْلُ - حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ مَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى» ([29])

الحرص على تكبيرة الإحرام مع الإمام: قال إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى: إذا رأيت الرجل يتهاون في التكبيرة الأولى فاغسل يديك منه، وذُكر عن التابعي الجليل سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى أنه ما فاتته تكبيرة الإحرام نحو أربعين عاما، لأنه ما كان يصلي في المسجد النبوي إلا في الصف الأول، وقال وكيع رحمه الله تعالى: كان الأعمش قريبا من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى واختلفنا إليه قريبا من سبعين فما رأيته يقضي ركعة ([30])

 

ب- أثناء الصلاة

تكبيرة الإحرام: أخي الكريم أما وقد عرفت ربك والتزمت بأمره واتبعت سبيله، فلبيت نداءه وتركت ما سوى ذلك من حطام الدنيا وراء ظهرك، وأقبلت على مولاك أحسن إقبال بصدق وصفاء وإخلاص،- أما وقد حصل لك ذلك الاستعداد كله – فاعلم أن تكبيرة الإحرام هي أول شجرة تقطف مها ثمرة الخشوع والذل والانكسار، تقطفها وتتذوق حلاوتها حينما تتصور وقوفك بين يدي الله، وحينما تغرق تفكيرك في معاني "التكبير" فتتصور قدر عظمة الله في هذا الكون،وتتأمل – و أنت تكبر – في قول الله جل وعلا { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} [البقرة: 255] ثم تتأمل قول ابن عباس t أن الكرسي موضع القدم، فحينئذ تدرك حقيقة الله أكبر"، تدركها وهي تلامس قلبك الغافل عن الله فتوقظه، وتذكره بهول الموقف وعظم الأمانة التي تحملها الإنسان ولم يؤديها. تدرك أخي الكريم – حقيقة التكبير وأسراره وتنظر إلى حالك مع الله وما فرطت في جنبه سبحانه ثم تتيقن أنه سبحانه قد نصب وجهه لوجهك في لحظه التكبير لتقيم الصلاة له راجياً رحمته وخائفاً من عذابه،إنه لموقف ترتعش له الجوارح وتذهل فيه العقول، كان عامر بن عبد الله من خاشعي المصلين وكان إذا صلى ضربت ابنته بالدف،وتحدث النساء بما يردن في البيت ولم يكن يسمع ذلك ولا يعقله .

وقيل له ذات يوم: هل تحدثك نفسك في الصلاة بشيء؟ قال: نعم، بوقوفي بين يدي الله عز وجل، ومنصرفي إلى إحدى الدارين، قيل فهل تجد شيئاً من أمور الدنيا؟ فقال: لأن تختلف الأسنة فيِّ أحب إليِّ من أن أجد في صلاتي ما تجدون.

فهكذا كان السلف إذا دخلوا في الصلاة فكأنما رحلت قلوبهم عن أجسادهم من حلاوة ما يجدون من الخشوع والخضوع.

شعور الرجاء والخوف: ارجوا من الله تعالى المغفرة والرحمة والهداية والعفو وأنت على حسن ظن بالله أن يفعل لك ما تريد فهو سبحانه لن يخيب رجاءك.

يا ربِّ إنْ عَظُمَتْ ذُنُوبِي كَثْرَةً  **  فلقد عَلِمْتُ بِأَنَّ عفوك أَعْظَمُ

إِنْ كَانَ لاَ يَرْجُوكَ إِلاَّ مُحْسِنٌ ** فَمَن الذي يَدْعُو ويَرْجُو المجرم

أَدْعُوكَ رَبِّ كما أمرت تَضَرُّعاً ** فَإِذَا رَدَدَّتَ يَدِي فمن ذا يَرْحَمُ

مَالِي إِلَيْكَ وَسِيلَةٌ إِلاّ الرَّجَا ** وَجَمِيلُ عَفْوِكَ ثُمَّ إِنِّي مُسْلِمُ

وكان سيدنا على ابن ابي طالب إذا قام للصلاة يتزلزل فقالوا له رأيناك كأنك تتزلزل فقال أتدرون بين يدي من أقف، انني أقف بين يدي الله رب العالمين.

البكاء من خشية الله: قال تعالى: {وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً } [الإسراء:109].

ويقع هؤلاء ساجدين على وجوههم، يبكون تأثرًا بمواعظ القرآن، ويزيدهم سماع القرآن ومواعظه خضوعًا لأمر الله وعظيم قدرته.

وكان منصور بن المعتمر إذا قام الى الصلاة ظنوا انه سيقوم الساعة من شدة خوفه ودمعه في الصلاة.

وكان ابن الزبير إذا قام الى الصلاة كأنه خشبة من شدة خوفه من الله.

شعور الحب لله: فليس من يصلي وهو يحب ربه ويحب الصلاة كمن يؤدي ما فرض عليه فحسب ويشعر بأن هذا أمر مضطر إليه.

واعلموا - إخواني - أن من أحب المخدوم أحب الخدمة له، لو عرف العبد من يناجى، لم يقبل على غيره، والصلاة صلة بين العبد وبين ربه0 الستر الأول: الأذان، كالإذن في الدخول، وستر التقريب الإقامة: فإذا كشف ذلك الغطاء لاح للمتقي قُرة العى، فدخل في دائرة دار المناجاة (أَرحنا بها يا بلال)، فقد (جعلت قرة عيني في الصلاة) اكشف يا بلال ستر التقريب عن الحبيب. يا بطَّال: لو سافرت بلداً لم تربح فيه حزنت على فوات ربحك وضياع وقتك، أفلا يبكي من دخل في الصلاة على قرة العين ثم خرج بغير فائدة.

غَلَبَ الشوقُ رَهْبَتي، وصِرَاعٌ = في فُؤادِي يَغيبُ ثُمَّ يَعُودُ

كُلَّما لَجَّ في فُؤادِيَ شَوْقٌ = دَفَعَ الشَّوْقُ رَهْبَتي فَتَزيدُ

وإذا بالخُشُوعِ يَرْفَعُ أَشْوَا = قي فَتَصْفُو وتَرْتَقي فَتَجُودُ

لا يرفع بصره إِلَى السماء: عن أنس بن مالك - t - قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ : «مَا بَالُ أقْوامٍ يَرْفَعُونَ أبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ في صَلاَتِهِمْ» ! فَاشْتَدَّ قَولُهُ في ... ذَلِكَ حَتَّى قَالَ: «لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ، أَوْ لَتُخطفَنَّ أَبْصَارُهُمْ» ([31]).

في هذا الحديث: دليل على تحريم رفع البصر إلى السماء في الصلاة؛ لأنه ينافي الخشوع.

قال القاضي عياض: واختلفوا في غير الصلاة في الدعاء، فكرهه قوم، وجوزه الأكثرون

التأمل في دعاء الاستفتاح: وأدعيه الاستفتاح كثيرة، وكلها تشمل معاني التوحيد والإنابة وعظم الله وقدرته وجلال وجهه، لذلك فالتأمل فيها يورث أخي الحبيب هذه المعاني العظيمة التي تهز القلب وتحرك الشوق وتقوي الأنس بالله جل وعلا.

ومن الأدعية المأثورة: عَن عبيد الله بن أبي رَافع عَن عَليّ قَالَ: كَانَ النَّبِي  إِذا قَامَ إِلَى الصَّلَاة قَالَ: " وجهت وَجْهي للَّذي فطر السَّمَوَات وَالْأَرْض حَنِيفا وَمَا أَنا من الْمُشْركين، إِن صَلَاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب الْعَالمين، لَا شريك لَهُ، وَبِذَلِك أمرت وَأَنا أول الْمُسلمين. اللَّهُمَّ أَنْت الْملك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْت، أَنْت رَبِّي وَأَنا عَبدك، ظلمت نَفسِي، وَاعْتَرَفت بذنبي، فَاغْفِر لي ذُنُوبِي جَمِيعًا، لَا يغْفر الذُّنُوب إِلَّا أَنْت، واهدني لأحسن الْأَخْلَاق، لَا يهدي لأحسنها إِلَّا أَنْت، واصرف عني سيئها، لَا يصرف عني سيئها إِلَّا أَنْت، لبيْك وَسَعْديك، وَالْخَيْر كُله فِي يَديك، وَالشَّر لَيْسَ إِلَيْك، أَنا بك وَإِلَيْك، تَبَارَكت وَتَعَالَيْت، أستغفرك وَأَتُوب إِلَيْك ". ([32])

قال القرطبي:"أي قصدت بعبادتي وتوحيدي له عز وجل وحده "

وعن أبي هريرةَ قالَ: كانَ رسولُ اللهِ  يَسكُتُ بيْنَ التَّكبيرِ وبيْنَ القِراءَةِ إِسكاتةً، قالَ: أَحْسِبُه قالَ: هُنَيَّةً، فقلْتُ: بأَبي وأُمِّي يا رسولَ اللهِ! إسكاتكَ بيْنَ التكبيرِ والقراءَةِ ما تقُولُ؟ قالَ: أَقولُ: "اللهمَّ باعدْ بيْني وبيْنَ خَطايايَ، كما باعَدتَ بيْنَ المَشرقِ والمَغربِ، اللهمَّ نقِّني منَ الخَطايا كما يُنقَّى الثوْبُ الأَبيضُ منَ الدَّنَسِ، اللهمَّ اغسِلْ خَطايايَ بالماءِ والثَّلجِ والبَرَدِ" ([33]).

تدبر القرآن في الصلاة: وأعلم – أخي الكريم – أن تدبر القرآن من أعظم أسباب الخشوع في الصلاة،وذلك لما تشتمل عليه الآيات من الوعد والوعيد وأحوال الموت ويوم القيامة وأحوال أهل الجنة والنار وأخبار الأنبياء الرسل وما ابتلوا به من قومهم من الطرد والتنكيل والتعذيب والقتل وأخبار المكذبين بالرسل وما أصابهم من العذاب والنكال، وكل هذه القضايا تسبح بخلدك أخي الكريم فتهيج في قلبك نور الإيمان وصدق التوكل وتزيدك خشوعاً على خشوع وكيف لا وقد قال الله جل وعلا: {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ }[الحشر: 21] .ولذلك استنكر الله جل علا على الغافلين عن التدبر غفلتهم فقال: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24] وقال تعالي أيضاً:{ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً} [النساء: 82].

ويتعين التدبر في سورة الفاتحة لما عَن أبِي هُرَيرةَ t عَنْ رَسُولِ الله  قَالَ: "قَالَ الله تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلاَةَ بَيني وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبدِي مَا سَأَلَ فإِذا قَالَ العَبْدُ الحَمْدُ لله رَبِّ العَالمِيْنَ قَالَ الله حَمِدَنِي عَبْدِي فإِذا قَالَ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ قَالَ الله أثنَى عَليَّ عَبْدِي فإِذا قَالَ مَالِكِ يَوْمِ الدِّيْنِ قَالَ مَجَّدَنِي عَبْدِي فإِذا قَالَ إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيْنُ قَالَ هَذا بَيْني وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِيَ مَا سَأل فإِذا قَالَ اهْدِنَا الصِّرَاط المُسْتَقِيْمَ صِرَاطَ الَّذِيْنَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوْبِ عَلَيْهِمِ وَلاَ الضَّالِّيْنَ قَال هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِيَ مَا سَأل"([34]).

فكن في صلاتك خاشعًا، وفي مناجاة ربك صادقًا؛ فلا تقل: (الله أكبر) وأنت تظنُّ أنَّ هناك من يساويه أو يُدانيه في عظَمَتِه. لا تقل: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ ومن الحرام لا تَشبَع. لا تقل: ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ وأنت شديدُ البَطش، قاسي القلب على الضعفاء والمساكين. لا تَقُلْ: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾  وأنتَ لا تَذْكُر الوقوف بين يَدَيْ أحكم الحاكمين. لا تقل: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾  وأنت تَعْبُد هواك ودنياك. لا تَقُل: ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ وأنت تلتَجِئُ في الشدائد إلى المخلوق، وتترك باب مولاك. لا تقل: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ وأنت منحرفٌ عن طريق المُهْتَدين. لا تَقُلْ: ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ ﴾ وأنت سيئ الأخلاق، حقود حسود، نَمَّام مُغتاب، غشَّاش كذَّاب، واقعٌ فيما يُغْضِب اللهَ والملائكة والنَّاس أجْمعين. لا تَقُلْ: ﴿ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ وأنت فاسدُ الاعتِقاد، شرٌّ في الأعمال، تدبِّر الأذى وتكيد لإخوانك المسلمين.

الاطمئنان فيها: عَنْ أبي هُريرَةَ t: أنَّ رَجُلاً دَخَلَ المسْجِدَ وَرَسُولُ الله  جَالِسٌ في نَاحيةِ المسْجِدِ، فَصَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله : "وَعَليْك السَّلامُ؛ ارجعْ فَصَلِّ، فإنَّكَ لَمْ تُصَلِّ"، فَرَجعَ فَصَلَّى، ثُمِّ جَاءَ فَسَلَّمَ، فَقَالَ: "وَعَليْكَ السَّلاَمُ؛ فَارجِع فَصَلِّ، فإنَّكَ لَمْ تُصَلِّ"، فَقَال في الثَّانية أوْ في الَّتي بَعْدَهَا: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره، عَلِّمْني يَا رَسُولَ الله! فَقَالَ: "إذَا قُمْتَ إلى الصَّلاةِ فَأسْبغِ الوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ القبْلَةَ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقرأ مَا تَيسَّرَ مَعَك مِنَ القُرآن، ثُمَّ ارْكعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعاً، ثُمَّ ارْفَعْ رأسك  حتَّى تسْتَويَ قائمًا، ثُمَّ اسجُدْ حَتَّى تَطْمَئِن سَاجِداً، ثُمَّ ارْفَعَ حَتَّى تستويَ وَتطْمَئِنَّ جَالِساً، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تطْمَئِنَّ سَاجِداً، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِساً (وفي روايةٍ: حتى تستويَ قائماً)، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ في صَلاتِكَ كُلِّهَا" ([35])

 التذلل لله في الركوع: أما الركوع لله فهو حالة يظهر فيها التذلل لله جل وعلا بانحناء الظهر والجبهة لله سبحانه، فينبغي لك أخي الكريم أن تحسن فيه التفكر في عظمة الله وكبريائه وسلطانه وملكوته، وأن تستحضر فيه ذنبك وتقصيرك وعيبك، وتتفكر في قدرة الله وجلاله وغناه،فتظهر حاجتك وفقرك وتذللك لله وحده قائلاً:" وَإِذا ركع قَالَ: اللَّهُمَّ لَك ركعت، وَبِك آمَنت، وَلَك أسلمت. خشع لَك سَمْعِي وبصري ومخي وعظمي وعصبي ". "([36])

وإذا قلت سبحان ربي العظيم فلابد أن تتدبر معاني هذه الكلمات التسبيح معناه: تنزيه الله تعالى عن كل نقص وعيب، فإذا قلت: سبحان الله، فالمعنى: أنزهك يا رب وأنفي عنك كل نقص وعيب .

ومعنى (العظيم ): ذو العظمة البالغة

قال الشيخ ابن عثيمين: " من أسباب عدم شرود الذهن: أن يتتبع الإنسان ما يقوله أو يفعله ويتدبر المعاني العظمية التي من أجلها شرع هذا القول أو هذا الفعل، ففي حال الركوع مثلا شرع الركوع لتعظيم الإنسان ربه بفعله وقوله، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: (أَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ ) ([37]) والانحناء أمام الله عز وجل تعظيم له بالفعل، وقول: سبحانك ربي العظيم تعظيم له بالقول، بقي أن يعظمه الإنسان بالقلب وهذا لا يحصل إلا بحضور القلب، ففي الركوع تعظيم قولي وفعلي وقلبي " ([38])

وقال ابن رجب: " إذا ذل العبد لربه بالركوع والسجود، وصف ربه بصفات العز والكبرياء والعظمة والعلو، فكأنه يقول: الذل والتواضع وصفي، والعلو والعظمة والكبرياء وصفك، فلهذا شُرع للعبد في ركوعه أن يقول: " سبحان ربي العظيم " وفي سجوده: " سبحان ربي الأعلى " وعَن عَوْف بن مَالك قَالَ: قُمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  فَلَمَّا رَكَعَ مَكَثَ قَدْرَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَيَقُولُ فِي رُكُوعِهِ: «سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ والملكوت والكبرياء وَالْعَظَمَة» ([39])

القيام من الركوع: ثم عند قيامك من الركوع فقل سمع الله لمن حمده، ومعناها: سمع الله حمد من حمده واستجاب له،ثم احمد الله بعد ذلك بقولك:"ربنا لك الحمد حمداً طيباً مباركاً فيه ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينها وملء ما شئت من شيء بعد" وتذكر أنك مهما حمدت الله على نعمه فإنك لا تؤدي شكرها. قال تعالى:{ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا َّ }[النحل: 18].وهذا التأمل يزيدك إيماناً بتقصيرها في جنب الله ويعمق في نفسك معاني الانكسار والذل وطلب الرحمة من الله وكل هذه الأشياء محفزات لخشوعك في الصلاة.

فعن رِفَاعةَ بنِ رافعٍ الزُّرَقيِّ قالَ: كنَّا يَوماً نصَلي وراءَ النبيِّ  فلمَّا رفَعَ رأسَهُ منَ الرَّكعةِ، قال: "سمعَ اللهُ لمِنْ حمِدَهُ"، قالَ رجلٌ: ربَّنا ولَكَ الحمدُ، حمْداً، كثيراً طيِّباً، مبارَكاً فيهِ، فلمَّا انصرَفَ، قالَ: مَنِ المتَكلِّم؟ قالَ: أنَا، قالَ: "رأَيتُ بِضعةً وثلاثينَ ملَكاً يبْتَدِرُونَها، أيُّهمْ يكتُبُها أوَّلُ ([40])

عَنْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ t قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ  ...... وَإِذَا رَكَعَ قَالَ: «اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَلَكَ أَسْلَمْتُ خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وبصري ومخي وعظمي وعصبي» فَإِذا رفع قَالَ: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وملء الأَرْض وملء مَا بَيْنَهُمَا وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ» ([41]).

 استحضار القرب من الله في السجود: لئن كان القيام والركوع والتشهد في الصلاة، من أسباب الخشوع والاستكانة والتذلل لله،فإن السجود هو أعلى درجات الاستكانة وأظهر حالات الخضوع لله لعلي القدير.

فاعلم أخي الكريم:أنك إذا سجدت تكون أقرب إلى الله،ومتى استحضر قلبك معني القرب من خالق ومبدع الكون، متى تصور ذلك كذلك خضع وخشع.

وعن أبي فِراسٍ ربيعةَ بنِ كعبٍ الأسلميِّ خادِمِ رَسُول الله ، ومن أهلِ الصُّفَّةِ - t -، قَالَ: كُنْتُ أبِيتُ مَعَ رسولِ الله  فآتِيهِ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ، فَقَالَ: «سَلْنِي» فقُلْتُ: اسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ في الجَنَّةِ. فَقَالَ: «أَوَ غَيرَ ذلِكَ» ؟ قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: «فأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» ([42])

وتصور حالك وأنت أقرب إلى ملك عظيم من ملوك الدنيا تود الحديث إليه، ألا يصيبك من الارتباك والسكون ما يغير حالك ويخفق قلبك، فكيف وأنت أقرب في حالة سجودك إلى الله ذي الملك والملكوت والعز والجبروت. ولله المثل الأعلى .واعلم أن السجود أقرب موضع لإجابة الدعاء، ومغفرة الذنوب ورفع الدرجات. قال الله تعالى: {َاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ }[العلق: 19]. وقال :"أقرب ما يكون العبد من ربه هو ساجد، فأكثروا الدعاء فيه" ([43])

وكان رسول الله  إِذَا سَجَدَ قَالَ: «اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَلَكَ أَسْلَمْتُ سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصُوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ» ([44])

عن أَبي هريرة - t - أنَّ رسول الله  كَانَ يَقُولُ في سجودِهِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي ذَنْبِي كُلَّهُ: دِقَّهُ وَجِلَّهُ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، وَعَلاَنِيَتَهُ وَسِرَّهُ» ([45]) والأدعية الواردة في السجود كثيرة.

يا مَن له تعنو الوجوهُ وتخشعُ = ولأمرهِ كل الخلائق تخضعُ

أعنو إليك بجبهة لم أحنِها يوما = لغير سؤالك ساجدا أتضرع

أنا من علمتَ المذنب العاصي الذي = عظُمت خطاياه فجاءك يهرع

كم من ساعة فرطت فيها مسرفا = وأضعتها في زائل لا ينفع

إن لم أقف بالباب راجي رحمة = فلأي باب غير بابك أقرع

هذا أوان العفو فاعف تفضلا = يا من له تعنو الوجوه وتخشع

استحضار معاني التشهد: وذلك لأن التشهد اشتمل على معاني عظيمة جليلة، فإذا تأملت فيها – أخي الكريم – أخذت بمجامع قلبك وألقت عليك من ظلال السكينة والرحمة ما يلبسك ثوب الخشوع الاستكانة. إذا أنك في التشهد تلقي التحيات لله سبحانه، وهذا – والله – مشهد يستعذبه القلب ويخفق له،ثم تسلم على رسول الله  فيرد عليك السلام كما صح ذلك في الحديث،ثم تستشعر معاني الأخوة في المجتمع الإسلامي حينما تسلم على نفسك وعلى عباد الله الصالحين، ثم تستعيذ من عذاب النار والقبر ومن فتنة المسيح الدجال وفتنة المحيا والممات، وكلها تغمر القلب بمعاني اللجوء والفرار إلى الله والتقرب إليه بما يحب.

ومِنْ آخِرِ مَا يَقُولُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ وَمَا أَسْرَفْتُ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» ([46])

وأخيراً...... اعلم أن أساب الخشوع أكثر مما ذكرت لك،وإن كان ما ذكرت يتدرج تحته بالإلزام ما لم أذكر،فاجتهد وفقك الله لكل خير، واصدق مع الله في أمور كلها ولا سيما الصلاة،لأنها عمود الدين، واعلم أن الخاشعين على مراتب وأحوال،فليس كل باك خاشع وليس كل خاشع مطمئن،وإنما مرد ذلك كله إلى علام الغيوب والمطلع على ما في الصدور،وفقنا الله وإياك إلى الإخلاص في العمل،والبعد عن الخطايا والزلل.

رابعًا: حال السلف الصالح مع الخشوع

قال عبد الله بن مسعود- t-: «من تواضع لله تخشّعا، رفعه الله يوم القيامة، ومن تطاول تعظّما، وضعه الله يوم القيامة»

عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أنّه كان إذا تلا هذه الآية أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ (الحديد/ 16) . قال: «بلى يا ربّ، بلى يا ربّ»

عن ابن عمر- رضي الله عنهما- في قوله تعالى الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (المؤمنون/ 2) قال: «كانوا إذا قاموا في الصّلاة، أقبلوا على صلاتهم، وخفضوا أبصارهم إلى موضع سجودهم. وعلموا أنّ الله يقبل عليهم فلا يلتفتون يمينا ولا شمالا»

قرأ ابن عمر- رضي الله عنهما- وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (المطففين/ 1- 6)، فلمّا بلغ (يوم يقوم النّاس لربّ العالمين) بكى حتّى خرّ وامتنع عن قراءة ما بعده.

كان عليّ بن الحسين- رضي الله عنهما-: «إذا توضّأ اصفرّ وتغيّر، فيقال: مالك؟

فيقول: أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم؟»

عن الحسن البصريّ في قوله تعالى الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (المؤمنون/ 2)، قال: «كان خشوعهم في قلوبهم فغضّوا بذلك أبصارهم، وخفضوا لذلك الجناح»

قال عبد الله بن المبارك- رحمه الله تعالى-:

إذا ما اللّيل أظلم كابدوه ... فيسفر عنهم وهم ركوع

أطار الخوف نومهم فقاموا ... وأهل الأمن في الدّنيا هجوع

وقال أيضا:

وما فرشهم إلّا أيامن أزرهم ... وما وسدهم إلّا ملاء وأذرع

وما ليلهم فيهنّ إلّا تخوّف ... وما نومهم إلّا عشاش مروّع

وألوانهم صفر كأنّ وجوههم ... عليها كساء وهو بالورس مشبع

قال عبّاد بن زياد التّيميّ، يرثي إخوة له متعبّدين:

فتية يعرف التّخشّع فيهم ... كلّهم أحكم القران غلاما

قد برى جلده التّهجّد حتّى ... عاد جلدا مصفّرا وعظاما

تتجافى عن الفراش من الخو ... ف إذا الجاهلون باتوا نياما

بأنين وعبرة ونحيب ... ويظلّون بالنّهار صياما

يقرؤون القرآن لا ريب فيه ... ويبيتون سجّدا وقياما

قال عبد الله بن المعمار:

رقّة في الجنان فيها حياء ... فيهما هيبة وذاك خشوع

ليس حال ولا مقام وإن فا ... ضت عليه من العيون دموع

قال سهل التّستريّ: «من خشع قلبه لم يقرب منه الشّيطان»

روي أن أحدهم مر برجل يبيع التفاح فلما ذهب يصلي انشغل به فلما سلم من صلاته جلس يبكي فسألوه عن سبب بكائه فقال تذكرت التفاح ونسيت الفتاح .

قال سفيان الثوري: "يكتب للرجل من صلاته ما عقل منها \".

قال رجل لوهيب بن الورد عظني قال اتق أن يكون الله أهون الناظرين إليك .

قال الشاعر: ودموعي تسيل وجدا وشوقا = ولظهري من الخشوع انحناء

روى عن ابن الزبير أنه كان إذا قام في الصلاة فكأنه عود من الخشوع، وكان يسجد فتنزل العصافير على ظهره لا تحسبه إلا جزعاً أو حائطاً أو وجه حجر أو رحل فدقه وهو في الصلاة فذهبت ببعض ثوبه فما التفت، وكان إذا دخل بيته سكت أهل البيت، فإذا قام إلى الصلاة تحدثوا وضحكوا.

ذكر عن محمد بن المنكدر أنه بينما هو ذات ليلة قائم يصلي إذا استبكى وكثر بكاؤه حتى فزع أهله وسألوه ما الذي أبكاه، فاستعجم عليهم وتمادى في البكاء فأرسلوا إلى أبي حازم فأخبروه بأمره فجاء أبو حازم إليه، فإذا هو يبكي، قال: يا أخي ما الذي أبكاك قد روعت أهلك من عله، أم ما بك؟ قال: إنه مرت بي آية في كتاب الله - عز وجل -! قال: وما هي قال قول الله تعالى: {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر: 47] فبكى أبو حازم أيضًا معه واشتد بكاؤهما، فقال بعض أهله لأبي حزم: جئنا بك لتفرج عن فردته، فأخبرهم ما الذي أبكاهما».

وكان عطاء - بن أبي رباح - بعد ما كبر وضعف، يقوم إلى الصلاة فيقرأ مائتي آية من سورة البقرة، وهو قائم لا يزول منه شيء ولا يتحرك».

وكان أبو وائل إذا صلى في بيته ينشج نشيجًا، ولو جعلت له الدنيا على أن يفعله واحد يراه ما فعله» وكان يقول وهو ساجد: «رب اغفر لي، رب اعفُ عني، أن تعف عني فطول من فضلك، وإن تعذبني غير ظالم لي ولا مسبوق. ثم يبكي حتى يسمع نحيبه من وراء المسجد».

خامسًا: الترهيب من ترك الخشوع

ترك الإخلاص يُحبط العمل: عن أَبِي هُرَيْرَةَ t: سَمِعْتُ النَّبِيَّ  يَقُولُ: «إِن أول النَّاس يقْضى عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أَمر بِهِ فسحب على وَجهه حَتَّى ألقِي فِي النَّارِ وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعلم ليقال عَالِمٌ وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ» ([47])

أول ما يُرفع من الأمة: عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ قَالَ:بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ، ذَاتَ يَوْمٍ، فَنَظَرَ فِي السَّمَاءِ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا أَوَانُ الْعِلْمِ أَنْ يُرْفَعَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، يُقَالُ لَهُ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ: أَيُرْفَعُ الْعِلْمُ يَا رَسُولَ اللهِ، وَفِينَا كِتَابُ اللهِ، وَقَدْ عَلَّمْنَاهُ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : إِنْ كُنْتُ لأَظُنُّكَ مِنْ أَفْقَهِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ ضَلاَلَةَ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ، وَعِنْدَهُمَا مَا عِنْدَهُمَا مِنْ كِتَابِ اللهِ، عَزَّ وَجَلَّ. فَلَقِيَ جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ شَدَّادَ بْنَ أَوْسٍ بِالْمُصَلَّى، فَحَدَّثَهُ هَذَا الْحَدِيثَ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ، فَقَالَ: صَدَقَ عَوْفٌ، ثُمَّ قَالَ: وَهَلْ تَدْرِي مَا رَفْعُ الْعِلْمِ ؟ قَالَ: قُلْتُ: لاَ أَدْرِي، قَالَ: ذَهَابُ أَوْعِيَتِهِ، قَالَ: وَهَلْ تَدْرِي أَيُّ الْعِلْمِ أَوَّلُ أَنْ يُرْفَعَ ؟ قَالَ: قُلْتُ: لاَ أَدْرِى، قَالَ: الْخُشُوعُ، حَتَّى لاَ تَكَادَ تَرَى خِاشَعًا. ([48])

هدية غير مقبولة: قال ابن القيم رحمه الله: "صلاةٌ بلا خشوعٍ ولا حضورٍ؛ كبَدَنٍ ميِّتٍ لا رُوحَ فيهِ، أفلا يَسْتَحْيِي العَبْدُ أنْ يُهديَ إلى مخلوقٍ مثلِه عبدًا ميِّتًا، أو جاريةً ميتة؟ فما ظنُّ هذا العبد أن تَقَعَ تلك الهَديَّةُ مِمَّن قَصَدَهُ بها مِن مَلِكٍ، أو أميرٍ، أو غيرِه؟! فهكذا سواءً الصلاةُ الخالية عن الخشوع والحضور، وجمْعِ الهِمَّة على الله تعالى فيها بمنزلة هذا العبد - أو الأَمَة - الميت، الذي يُريد إهداءَه إلى بعضِ الملوك؛ ولهذا لا يَقبَلها الله تعالى منه، وإنْ أَسْقَطَتِ الفرضَ في أحكام الدنيا، ولا يُثِيبُه عليها؛ فإنه ليس للعبد مِن صلاته إلا ما عقَلَ منها" ([49])

عدم قبول الصلاة كلها: عن عمَّار بن ياسر t؛ أنَّ النبي  قال: ((وإنَّ الرجُل لَينصَرف وما كُتِبَ له إلا عُشْرُ صلاتِه، تُسعُها، ثُمنُها، سُبعُها، سُدسُها، خُمسُها، رُبعُها، ثُلثُها، نِصفُها)) ([50])

يُصلي فيُرسِلُها كالطيور = إِذا أَرسلتَ من حصار القفص

يقومُ ويُقعَدُ مُستَعجِلاً = كمِثلِ الطَروبِ إِذا مَا رَقَصَ

الويل: قال الله تعالى يقول: ﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ﴾ [سورة الماعون].

أولئك هم الذين خَلَتْ صلاتُهم من التذلل والخضوع، فتراهم يسرعون في أدائها وهم عنها غافلون! لا يعرفون لها معنى، ولا يعقلون لها سرًّا، ولم تشعر قلوبهم بحلاوة الطاعة ولذَّة المناجاة!! نعم لهم الويل؛ ملكتهم الوساوس، وامتلأت قلوبهم بشواغل الدنيا، و﴿ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ ﴾ [سورة الحشر]، ﴿ وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴾ [سورة الزخرف].

ومن الناس مَنْ عميت بصائرهم وتحجَّرت ضمائرهم؛ فأضاعوا الصلاة واتَّبعوا الشهوات، أهملوا أوامر الله، وغفلوا عن واجب شكره، ولم يخافوا سطوة جبروته، ولا سوء الحساب ولا نار العذاب، ﴿ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ ﴾ [سورة الحشر]، ﴿ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [سورة المجادلة].

الموت على غير ملة الإسلام: عَنْ حُذَيْفَةَ، أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا لَا يُتِمُّ رُكُوعًا وَلَا سُجُودًا، فَلَمَّا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ دَعَاهُ حُذَيْفَةُ فَقَالَ لَهُ: «مُنْذُ كَمْ صَلَّيْتَ هَذِهِ الصَّلَاةَ؟»، قَالَ: قَدْ صَلَّيْتُهَا مُنْذُ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: " مَا صَلَّيْتَ ـ أَوْ قَالَ: مَا صَلَّيْتَ لِلَّهِ صَلَاةً "، شَكَّ مَهْدِيٌّ ـ وَأَحْسِبُهُ قَالَ: «وَلَوْ مُتَّ مُتَّ عَلَى غَيْرِ سُنَّةِ مُحَمَّدٍ » ([51])

خشوع النفاق: الخشوع ليس بطأطأة الرأس لكنه نور يقذف في القلب وإيمان يستقر في الوجدان , عن أبى الدرداء قال: استعيذوا بالله من خشوع النفاق قيل وما خشوع النفاق قال أن يرى الجسد خاشعا والقلب ليس بخاشع .

ونَظَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ t إِلَى شَابٍّ قَدْ نَكَّسَ رَأْسَهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا هَذَا ! ارْفَعْ رَأْسَكَ ؛ فَإِنَّ الْخُشُوعَ لا يَزِيدُ عَلَى مَا فِي الْقَلْبِ، فَمَنْ أَظْهَرَ لِلنَّاسِ خُشُوعًا فَوْقَ مَا فِي قَلْبِهِ ؛ فَإِنَّمَا أَظْهَرَ نِفَاقًا عَلَى نِفَاقٍ.

وقال الفضيل بن عياض: كان يُكره أن يُري الرجل من الخشوع أكثر مما في قلبه .

ذكر شمس الدين ابن القيم رحمه الله أنواع البكاء في كتابه:\'زاد المعاد\' قال:\' والثامن: بكاء النفاق، وهو أن تدمع العين والقلب قاس، فيظهر صاحبه الخشوع، وهو من أقسى الناس قلباً، وقد رأى بعضهم رجلاً خاشع المنكبين والبدن فقال: يا فلان الخشوع هاهنا !! وأشار إلى قلبه، لا هاهنا وأشار إلى منكبيه.

أسوأ الناس سرقة: عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «أَسْوَأُ النَّاسِ سَرِقَةً الَّذِي يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ» . قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ؟ قَالَ: لَا يتم ركوعها وَلَا سجودها " ([52])

وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

%%%%%%%%

 

 



[1])) تفسير ابن كثير

[2])) مدارج السالكين

[3])) متفق عليه

[4])) التفسير الميسر

[5])) مشكاة المصابيح

[6])) الوابل الصيب من الكلم الطيب

[7])) السلسلة الصحيحة

[8])) جامع العلوم والحكم

[9])) متفق عليه

[10])) صحيح سنن أبي داود

[11])) صحيح مسلم

[12])) صحيح مسلم  

[13])) صحيح مسلم 

[14])) احياء علوم الدين

[15])) صحيح مسلم

[16])) السلسلة الصحيحة

[17])) صحيح مسلم

[18])) صحيح البخاري

[19])) صحيح البخاري

[20])) صحيح مسلم

[21])) صحيح مسلم

[22])) صحيح البخاري

[23])) متفق عليه

[24])) متفق عليه

[25])) صحيح سنن أبي داود

[26])) صحيح سنن أبي داود

[27])) متفق عليه

[28])) صحيح مسلم

[29])) متفق عليه

[30])) صفة الصفوة لابن الجوزي

[31])) صحيح مسلم

[32])) صحيح مسلم

[33])) صحيح البخاري

[34])) صحيح مسلم

[35])) صحيح البخاري

[36])) صحيح مسلم

[37])) صحيح مسلم

[38])) فتاوى نور على الدرب

[39])) سنن النسائي (صحيح)

[40])) صحيح البخاري

[41])) صحيح مسلم

[42])) صحيح مسلم

[43])) صحيح مسلم

[44])) صحيح مسلم

[45])) صحيح مسلم

[46])) صحيح مسلم

[47])) صحيح مسلم

[48])) صحيح البخاري

[49])) الوابل الصيب من الكلم الطيب

[50])) صحيح سنن أبي داود

[51])) صحيح البخاري

[52])) صحيح الجامع

التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات