بر الوالدين في الإسلام للشيخ السيد أبو أحمد




الحمد لله الذي قرن طاعته بطاعة الوالدين ، وألزم حقوقه بحقوق الوالدين فقال تعالي } وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23){ الإسراء .

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.. له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو علي كل شيئ قدير .. قرن بر الوالدين بعبادته وطاعته ،فقال تعالى : { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا(36) }النساء .

وأشهد أن سيدنا محمدا رسول الله صلي الله عليه وسلم ... بين أن بر الوالدين من أفضل الأعمال ،فعن أبي عبد الرحمن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال : سألت النبي  صلي الله عليه وسلم : أي العمل أحب إلى الله تعالى ؟ قال:( الصلاة على وقتها ) قلت ثم أي ؟ قال:( بر الوالدين ) قلت ثم أي ؟ قال :( الجهاد في سبيل الله) [ متفق عليه] .
فاللهم صل علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلي يوم الدين .

أما : بعــــد ... فيا أيها المؤمنون

إن من الشكاوى المقلقة .. والأخبار المزعجة ،التي تتفطر لها القلوب، وترتج لها النفوس، وهي نذير شؤم، وعلامة خذلان، يجب على الأمة جميعها أن تتصدى لإصلاحه .. كيف لا، وهذه الشكاوى والأخبار، تتعلق بأعظم الحقوق بعد حق الله تعالى، إنها أخبار عقوق الوالدين .
هذا يهجر والده لأتفه سبب .. وأخرى تسب أمها لأنها منعتها من الخروج .. وآخر يتجاوز ذلك بالضرب والتعدي على أمه أو أبيه، وآخر يدع والديه في دار المسنين ، وربما تصل القضية إلى حد القتل كما نسمع في بيانات تنفيذ بعض الأحكام .
لذلك كان من الواجب أن نبين حقوق الوالدين في الإسلام  وذلك من خلال هذه العناصر ...
1ـ السبب في انتشار ظاهرة عقوق الوالدين .
2ـ حقوق الوالدين في الإسلام.
3ـ صور برالوالدين.
4ـ منزلة بر الوالدين في الإسلام.
5ـ قصص في بر الوالدين .
6ـ حرمة العقوق .
7 ـ من صور العقوق .
8ـ عقوبة العاق لوالديه  .
9 ـ قصص في عقوق الوالدين
6ـ الخاتمة .
العنصر الأول :ـ السبب في انتشار ظاهرة عقوق الوالدين :ـ
لا شك أن من أسباب انتشار ظاهرة عقوق الوالدين        
 1ـ ضعف الإيمان، إذ لا يجرؤ على هذا الأمر إلا من ضعف إيمانه وخوفه من الله .
2ـ انتشار الفساد والأفلام المقيتة بوجهها الكالح وأفكارها الهدامة التي تفسد الشباب والبنات، وتجرئهم على الآباء والأمهات، ومنها: اختلاط الثقافات وتأثر بعض الناس بحياة الغربي الذي يعيش وحده، ويهجر أسرته وقرابته فلا يراهم إلا في المواسم والأعياد .
3ـ انتشار القيم المادية .
4ـ تفكك أواصر المحبة بين الآباء والأبناء.
 5ـ طغيان الاهتمامات الفردية والمصالح الشخصية على أفراد الأسرة الغربية.
6ـ نكران جميل الوالدين، والنظر إليهم نظرة احتقار.
7 ـ ولا ننسى كذلك سوء التربية أصلاً من الوالدين، فيشب الشاب والفتاة على البعد أو القصور والجفاف في علاقتهما بوالديهما فيكون هذا سبباً في العقوق .
ولقد انتشر في الآونة الأخيرة ،عادة دخيلة على مجتمعاتنا الإسلامية، ألا وهي عادة الاحتفال بما يسمى عيد الأم،
وقد جرت العادة في الغالب لدى الغرب أن تُلقى الأم -عند الكبر- ويقذف بها في ملاجئ العجزة، أو دور المسنين، أو تهجر في زاوية من زوايا بيتها المظلم...!!!
ولا يذكرها أولادها أو بناتها إلا حين إبلاغهم بموتها، فيذهبون إلى قبرها يضعون عليه بعض الأزهار والورود... 
 ثم يعودون من حيث أتوا. السبب في ابتداع عيد الأم من أجل ذلك كله، تولدت لدى بعضهم فكرة عيد الأم لعلاج هذا القصور، وهذه القطيعة بين الأم وأولادها... فخصصوا لها يومًا واحدًا في السنة من شهر مارس، كي يحتفلوا بها، ويزوروها ويقدموا لها الهدايا...!!!
ويجلس الولد أو البنت ساعة من الزمن، ثم يتركها وينصرف، فإذا انتهى هذا اليوم عادت الأمور لما كانت عليه من القطيعة والعقوق.... ولتذهب الأم بعد ذلك إلى الجحيم.....!!!

العنصر الثاني : حقوق الوالدين في الإسلام :ـ

إن الأم في الإسلام لا تحتاج إلى يوم خاص (كالذي يسمونه بعيد الأم)، ليجتمع حولها أبناؤها فتسعد فيه مؤقتًا، ولا يوما كما فعلت المنظمات الأخري اليوم العالمي للمرأة ، فقد أوصانا الله عز وجل بها وبرعايتها والاعتناء بها، هي والأب طوال العام، وفي كل زمان ومكان، قال تعالي{وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23].



 بر الوالدين وإن كان فرضاً فإنه يتفاوت في الأحقية، فالأم عانت صعوبة الحمل، وصعوبة الوضع، وصعوبة الرضاع والتربية، فهذه ثلاث منازل تمتاز بها الأم.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: (أمك) قال: ثم مَنْ؟ قال: (أمك) قال: ثم مَن؟ قال:(أمك)، قال: ثم مَن؟ قال:(ثم أبوك).
 وفي رواية لمسلم: (أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك, ثم أدناك أدناك)

حقوق الوالدين من أهم المهمات، وأعظم القربات، وأجلِّ الطاعات، وأوجب الواجبات، وعقوقهما من أكبر الكبائر، وأقبح الجرائم، وأبشع المهلكات؛وللوالدين على الأبناء حقوقاً كثيرة لا تعد ولا تحصى مكافئة لما قاما به من مساعٍ حميدة من أجل راحة الأبناء ، وتنشأتهم تنشأة إسلامية ، راجين بذلك ما عند الله والدار الآخرة ، ثم راجين من الله تعالى حسن الرعاية من أبنائهما إثر تربيتهما لهم ،

ومن هذه الحقوق البر :ـ

لقد حث الإسلام ، هذا الدين الحنيف الصالح لكل زمان ومكان على بر الوالدين في كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلي الله عليه وسلم لما لهما من فضل وحقوق على الأبناء ، فقال جل من قائل سبحانه :{ ووصينا الإنسان بوالديه حسناً } [ العنكبوت 8]
وقال تعالى : { ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك } [لقمان 14].

فهي أي الأم في تعب وجُهد من قبل الولادة ثم أثناءها ثم بعدها، وكذلك الأب يسهر لتعب الابن ويحزن لمرضه ، ويقلق ويخاف عليه أثناء غيابه ، فاستحقا بذلك البر بهما ، فهما أي الأبوان ربيا أطفالهما صغاراً واعتنوا بهما كباراً، فاستحقا بذلك الشكر والبر جزاء ما قدما وقاما به من حسن التربية والتنشئة ، واستحقا البر جزاءً موفوراً ، فبر الوالدين واجب وفريضة على الأبناء ، وفي برهما أجر كبير وثواب عظيم ، فبرهما من أفضل الأعمال وحقهما هو الحق الثالث بعد حق الله تعالى وحق نبيه صلي الله عليه وسلم .

وبر الوالدين مقدم على بر غيرهما من الناس ، سواءً الأولاد أو الزوجة أو الأصدقاء أو الأقرباء ، أوغير أولئك من الناس ، بر الوالدين مقدم على أولئك جميعاً . 

وبر الوالدين يكون بكل ما تصل إليه يد الأبناء من طعام وشراب وملبس وعلاج وكل ما يحتاجانه من خدمة وبر ومعروف قال تعالى :} وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ۚ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ۖ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15){ الأحقاف. 

ومن كمال عظمة هذا الدين أن أمر بالإحسان للوالدين مع اختلاف الدين ،فالله تعالى أَمَرَنَا بالإحسان إليهما من غير وجوب لكن لايطيعهما في كفرهما ولا في معاصيهما، وهذا معنى قوله تعالى ﴿ وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ﴾ (سورة لقمان :15) . 

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا طاعة لمخلوق في معصية الله” رواه الإمام أحمد.
وهذا سيدنا إبراهيم عليه السلام مع والده المشرك  ، كان في قمة البر والمودة ، حتي في استخدام الألفاظ .. 

 تأمل في سورة مريم ..تأمل أيها الشاب يا من ترفع صوتك علي والديك لمجرد اختلاف في الرأي وتصفه بالجهل والتأخر والرجعية ، يقول الله تعالي }وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ ۖ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ۖ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47)وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىٰ أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48){.مريم.

يا أبت !!هل هناك نداء ألطف من هذا النداء ومن هذه العبارة ؟ والده مشرك !! مشرك ويعبد الأصنام ومع ذلك يقول له إبراهيم يا أبت .

وعن أسماء -رضي الله تعالى عنها- قالت: «قدمت على أمي وهي مشركة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم- فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: إن أمي قدمت وهي راغبة (في النوال والبر والإحسان) أفأصل أمي (أحسن استقبالها)؟ قال: نعم صلي أمك» [متفق عليه]. 

وسئل الحسن : ما بر الوالدين ؟ قال : أن تبذل لهما ما ملكت ، وتطيعهما فيما أمراك ما لم يكن معصية ، قيل : فما العقوق ؟ قال : أن تهجرهما وتحرمهما ، ثم قال : أما علمت أن نظرك في وجوه والديك عبادة ، فكيف بالبر بهما ؟
وقال عروة بن الزبير : ما بر والده من سد الطرق إليه .

وقال أبو هريرة وهو يعظ رجلاً في بر أبيه : لا تمش أمام أبيك ، ولا تجلس قبله ، ولا تدعه باسمه .
وقال طاووس : من السنة أن يوقر أربعة : العالم ، وذو الشيبة ، والسلطان ، والوالد ، ومن الجفاء أن يدعوا الرجل والده باسمه .

العنصر الثالث : صور برالوالدين :ـ

ـ من صور بر الوالدين إدخال السرور عليهما؛ لحديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى النبي صلي الله عليه وسلم يبايعه على الهجرة، وترك أبويه يبكيان، فقال: ((ارجع إليهما وأضحكهما كما أبكيتهما)
وما ذاك إلا لعظم حقهما على أبنائهما ، فالأم حملت ووضعت وأرضعت وأطعمت وسقت وسهرت وتعبت ، فكان لبنها الغذاء والطعام ، وحجرها  المرقد والمنام ، والأب يعطي وينفق ويعمل ليل نهار من أجل توفير المسكن والملبس والمطعم والمشرب فوجب برهما .

ـ ومن صور برهما الإنفاق عليهما ، وشراء الطعام والشراب الذي يشتهيانه لهما ، وإدخال الفرح والسرور عليهما ولو كان ذلك على حساب الأبناء ، ومساعدتهما في كل ما يحتاجانه من أعمال .

ـ ومن صور برهما أن لا يجلس الابن وأبواه واقفان ، وأن لا يمشي أمامهما ، ولا يركب السيارة حتى يركب أبوه وأمه قبله ، ويساعدهما في النزول والقعود والنهوض والوقوف إذا احتاجا إلى ذلك ، ويجلس معهما حال مرضهما ويسعى جاهداً لعلاجهما ، ولا يبخل عليهما بمال ولا وقت ، ولا يدخر جهداً في إرضائهما .   

وعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما: أن رجلاً أتى النبي صلي الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إن لي مالاً وولداً, وإن والدي يجتاحُ مالي؟ قال: (أنت ومالك لوالدك؛ فإن أولادكم من أطيب كسبكم, فكلوا من كسب أولادكم)). وفي لفظٍ لابن ماجه: إن أبي اجتاح مالي، فقال: ((أنت ومالك لأبيك)

ومن صور بر الوالدين والإحسان إليهما أن لا يتعرض لسبهما، ولا يعقهما, ولا يكون سبباً في شتمهما، فعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال:(من الكبائر شتم الرجل والديه) قالوا: يا رسول الله، هل يشتم الرجل والديه؟! قال: (نعم، يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه)
ولفظ أبي داود:(إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه) قيل: يا رسول الله! كيف يلعن الرجل والديه؟ قال:(يلعن أبا الرجل فيلعن أباه، ويلعن أمه فيلعن أمه).

ومن صور برهما :ـ الدعاء لهما ، وصلة أهل وُدّهما ، وإنفاذ عهدهما، والصلاة عليهما :ـ 

لقد حثنا المولي تبارك وتعالي على الدعاء للوالدين في كل وقت وحين ، ويدعوا هو لهما لعل الله أن يرحمها بكثرة دعاءه لهما ، قال تعالى : { وبراً بوالديه ولم يكن جباراً عصياً } [ مريم 14 ] أثنى الله عز وجل على يحيى على السلام لبره بوالديه .

وقال تعالى : { وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً } [ مريم 32] وذكر الله تعالى عيسى عليه السلام وماله من صفات وهبها الله إياه ومنّ بها عليه ، وذكر منها بره بوالدته . 

ولقد علاقة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بوالديهم علاقة البر والمودة

هذا نوح عليه السلام يدعو للوالدين ويقول {ربي اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا } إن نوح عليه السلام داعية ورجل صالح ومع ذالك كان من أدعيته ( الدعاء للوالدين ).

إذاً الأنبياء أيضاً جاءوا ببر الوالدين وهذا من أعظم ما جاءوا به عليهم الصلاة والسلام .

فعن عبدالله بن دينار عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن رجلاً من الأعراب لقيه بطريق مكة، فسلم عليه عبدالله وحمله على حمار كان يركبه، وأعطاه عمامة كانت على رأسه، فقال عبدالله بن دينار: أصلحك الله إنهم الأعراب, وإنهم يرضون باليسير، فقال عبدالله: إن أبا هذا كان وُدًّا لعمر بن الخطاب, وإني سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: (إن أبرَّ البرِّ صلةُ الولد أهلَ وُِدِّ أبيه).

وعن مالك بن ربيعة الساعدي رضي الله عنه ،قال: بينا نحن جلوس عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذ جاءه رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله، هل بقي من بر أبويّ شيء أبرهما به بعد موتهما؟ فقال: (نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما). رواه أبو داود.

ومن صور البر أيضا :ـ  جعل الله الخالة بمنزلة الأم بعد موتها؛ لـحديث البراء بن عازب رضي الله عنهما، عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((الـخالة بمنزلة الأم).

 ولحديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أن رجلاً أتى النبي صلي الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إني أصبت ذنباً عظيماً فهل لي من توبة؟ قال: ((هل لك من أمٍّ؟) قال: لا، قال: ((هل لك من خالةٍ؟)) قال: نعم، قال: (فَبِرَّها)

من صور برهما الاعتراف بفضلهما:ـ 

 والدعاء لهما، فعن أبي مرة مولى أمِّ هانئ بنت أبي طالب: (أنه ركب مع أبي هريرة إلى أرضه بـ [العقيق] فإذا دخل أرضه صاح بأعلى صوته: عليكِ السلامُ ورحمةُ الله وبركاتُه يا أمَّتاه! تقول: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، يقول: رحمكِ اللهُ كما ربيتيني صغيراً، فتقول: يا بُنيَّ! وأنت، فجزاك الله خيراً ورضي عنك كما بررتني كبيراً).

العنصر الرابع : منزلة بر الوالدين في الإسلام :ـ

1ـ مقرونة بعبادة الله تعالي :ـ 

قرن الله حق الوالدين والإحسان إليهما بعبادته سبحانه وتعالى, كما قرن شكرهما بشكره؛ لأنه الخالق وحده، وقد جعل الوالدين السبب الظاهر في وجود الولد، وهذا يدل على شدة تأكد حقهما والإحسان إليهما: قولاً, وفعلاً؛ لأن لهما من المحبة للولد والإحسان إليه في حال صغره وضعفه ما يقتضي تأكد الحق ووجوب البر، وتحريم أدنى مراتب الأذى: وهو التضجر أو التأفف من خدمتهما، وزجرهما بالكلمة العالية، أو نفض اليد عليهما. 

وقد جاء حق الوالدين مقروناً بعبادة الله عز وجل في آيات كثيرة ،من القرآن الكريم .منها قوله تعالي}وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14)} )لقمان 14).
فقال عز وجل: }وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23){

فأمره الله عز وجل أن يتواضع لهما ويخفض لهما جناح الذل من الرحمة احتساباً للأجر, لا للخوف منهما، وأمره
عز وجل أن يدعو لهما بالرحمة: أحياءً, وأمواتاً،جزاءً على تربيتهم وإحسانهم، فقال عز وجل:}وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24){ الإسراء. 

يقول أحد العلماء لو كان هناك أقل من كلمة أف لقالها الله عز وجل .

ولقد خص الله حالة الكبر للوالدين بمزيد من الأمر بالإحسان، والبر، واللطف، والشفقة والرحمة؛ لأنها الحالة التي يحتاجان فيها إلى بره؛ لتغير الحال عليهما بالضعف، والكبر، فألزم سبحانه وتعالى في هذه الحالة من مراعاة أحوالهما أكثر مما ألزمه من قبل؛ لأنهما في هذه الحالة قد صارا كلًّا عليه، فيحتاجان أن يلي منهما في الكبر ما كان يحتاج في صغره أن يليا منه؛ ولهذا خص هذه الحالة بالذكر، وأيضاً فطول المكث للمرء يوجب الاستثقال للمرء عادة، ويحصل الملل، ويكثر الضجر، فيظهر غضبه على أبويه، وتنتفخ لهما أوداجه، ويستطيل عليهما لقلة دينه وضعف بصيرته، وأقل المكروه ما يظهر بتنفسه المتردد من الضجر، وقد أمر الله أن يقابلهما بالقول الموصوف بالكرامة وهو السالم عن كل عيب.

 وقد أعطي الله عز وجل أجرا عظيما علي الإحسان للوالدين .                                                                                       
2ـ إرضائهم من إرضاء الله تعالي ، وسخطهم من سخط الله تعالي:ـ

بر الوالدين يرضي الرب عز وجل، فعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((رضى الرب في رضى الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد).

3ـ أعلي مراتب الجهاد :ـ

بر الوالدين أفضل من الجهاد، وأعلا مراتب الجهاد في سبيل الله تعالى؛ لحديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى النبي صلي الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد فقال:(أحيٌّ والداك؟) قال: نعم، قال:(ففيهما فجاهد).   

                
وفي لفظ لمسلم: أقبل رجل إلى نبي الله صلي الله عليه وسلم فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله، قال: (فهل من والديك أحدٌ حيٌّ؟) قال: نعم، بل كلاهما، قال: (تبتغي الأجر من الله؟) قال: نعم، قال: (فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما)

قال ابن حجر رحمه الله:(أي إن كان لك أبوان فبالغ جهدك في برهما والإحسان إليهما؛ فإن ذلك يقوم مقام الـجهاد))

لأن المراد بالجهاد في الوالدين: بذل الجهد, والوسع, والطاقة في برهما؛ ولأهمية ذلك بين العلماء أنه لا يجوز الخروج للجهاد إلا بإذن الأبوين بشرط أن يكونا مسلمين؛ لأن برهما فرض عين والجهاد فرض كفاية، فإن تعين الجهاد وكان فرض عين فلا إذن؛ لأن الجهاد أصبح فرضاً على الجميع: إما باستنفار الإمام، أو هجوم العدوِّ على البلاد، أو حضور الصف.

4ـ من أفضل الأعمال :ـ

بر الوالدين أفضل الأعمال، وأقرب الأعمال إلى الجنة، وأحب الأعمال إلى الله تعالى بعد الصلاة, التي هي أعظم دعائم الإسلام؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم أخبر بذلك ورتبه بـ (ثم) التي تعطي الترتيب والمهلة، فعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألتُ رسول الله صلي الله عليه وسلم أيُّ العَمَلِ أفضل؟ قال:(الصلاةُ لوقتها) قال: قلتُ: ثم أيٌّ؟ قال:(ثم بر الوالدين))، قال: قلت: ثم أيٌّ؟ قال: ((الجهاد في سبيل الله).

5ـ باب من أبواب الجنة

 فعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: ((الوالد أوسط أبواب الجنة فإن شئت فأضع ذلك الباب أو احفظه).

 وعن معاوية بن جاهمة رضي الله عنهما أن جاهمة جاء إلى النبي صلي الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أردت أن أغزوَ وقد جئت أستشيرك فقال صلي الله عليه وسلم: ((هل لك من أمٍّ؟)) قال: نعم. قال: ((فالزمها؛ فإن الجنة تحت رجليها) .
ولفظ الطبراني: (ألك والدان؟)) قلت: نعم. قال:(الزمهما؛ فإن الجنة تحت أرجُلِهما) .

وخفض الكلام ولين الكلام للوالدين يدخل الجنة؛ لقول ابن عمر رضي الله عنهما لرجل أصاب ذنوباً, وذكرها لابن عمر، فقال له ابن عمر: ((ليست هذه من الكبائر))، ثم قال ابن عمر رضي الله عنهما عن الكبائر: ((هن تسع: الإشراك بالله، وقتل نسمة، والفرار من الزحف، وقذف المحصنة، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وإلحاد في المسجد، والذي يستسخر( )، وبكاء الوالدين من العقوق)). 

ثم قال ابن عمر:(أحي والدك؟) قال الرجل: عندي أمي، قال ابن عمر:(فوالله لو ألنت لها الكلام, وأطعمتها الطعام, لتدخلنَّ الجنة ما اجتنبت الكبائر)

6ـ دعوة الوالدين مستجابة.

ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً عابداً، وكان في صومعة له، فأتته أمه وهو يصلي, فقالت: يا جريج أنا أمك كلمني، فقال: يا ربِّ أمي وصلاتي، فأقبل على صلاته، وفي اليوم الثاني كذلك فأقبل على صلاته، وفي اليوم الثالث أتته، فقال: ربِّ أمِّي وصلاتي فأقبل على صلاته، قالت: (اللهم لا تمته حتى ينظر إلى وجوه المومسات)) فاستجاب الله دعاءَها فبهتته بغي من بني إسرائيل حامل من الزنا، وقالت: هو الذي فعل بها، فعذب وهدمت صومعته، وأخيراً أنجاه الله بعد العقوبة العاجلة.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي  صلي الله عليه وسلم (ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهنَّ: دعوة الوالد، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم)

هذا بعض جزاء من بر بوالديه في الآخرة، أما جزاؤه في الدنيا:ـ

 فهو أن يبارك الله له في عمره، وينسأ له في أثره، ويبسط له في رزقه، ويرفع ذكره، وييسر أمره، ويفرج كربه، ويغفر ذنبه، ويجيب دعاءه، ويكافئه ببر أولاده به.
أما مباركة الله له في رزقه وزيادة عمره، فيدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام: "من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه"[ رواه البخاري ومسلم].
ويقول ـ أيضًا ـ: " صلة الأرحام وحسن الجوار، وحسن الخلق تُعمر بها الديار وتزداد بها الأعمار"[رواه أحمد].

العنصر الخامس : قصص في بر الوالدين:ـ

1ـ عن عبدالله بن دينار عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن رجلاً من الأعراب لقيه بطريق مكة فسلم عليه عبدالله بن عمر وحمله على حمار كان يركبه، وأعطاه عمامة كانت على رأسه، قال بن دينار ، فقلنا له : أصلحك الله إنهم الأعراب وهم يرضون باليسير، فقال عبدالله بن عمر : إن أبا هذا كان وُدَّاً لعمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وإني سمعت رسول الله  صلي الله عليه وسلم يقول : (( إن أبر البر صلة الرجل أهل ود أبيه )) [ مسلم ] .
2ـ وروي أن رجلاً طاف بأمه حول الكعبة سبعة أشواط وهو يحملها على ظهره يقول:

إني لها بعيرها المذلل     إن أُذعرت ركابها لم أذعر

وعندما انتهى سأل بن عمر رضي الله عنهما ، فقال : يابن عمر أتراني قد جزيتها قال : لا ، ولا بزفرة من زفراتها . هكذا فليكن البر .

3ـ حديث الثلاثة الذين أغلقت عليهم الصخرة باب الغار ذكر أحدهم فقال : ( اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق قبلهما أهلاً ولا مالا، فنأى بي طلب الشجر يوماً فلم أرح عليهما حتى ناما فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين فكرهت أن أوقظهما فلبثت والقدح على يدي انتظر استيقاظهما حتى برق الفجر فاستيقظا فشربا غبوقهما ، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة ، فأنفرجت شيئاً.....)          [ البخاري ومسلم ] .

4ـ كان عمر رضي الله عنه إذا أتى عليه أفراد اليمن سألهم أفيكم أويس بن عامر ؟

 حتى أتى عليه ، فقال : أنت أويس بن عامر ؟

قال : نعم ، قال ، من مراد ثم من قرن ؟ 
قال : نعم ، قال : فكان بك برص فبرأت منه إلا موضع درهم ؟ 
قال : نعم ، قال : لك والدة ؟ 
قال : نعم ، قال : سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول : يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد اليمن من مراد ثم من قرن كان به برص فبرئ منه إلا موضع درهم ، له والدة هو بها بر ، لو أقسم على الله لأبره ، فإن استطعت أن يستغفرلك فافعل ، فاستغفرلي ،, فقال له عمر : أين تريد ؟ قال : الكوفه ، قال : ألا أكتب لك إلى عاملها ؟

 قال : أكون في غبراء الناس أحب إلي ـ فلا إله إلا الله ـ انظر إلى هذه المنزلة التي بلغها وحظي بها هذا البار بأمه حتى أن النبي رسول الله صلي الله عليه وسلم أخبر عنه وعن بره بأمه ، وقال لعمر فاروق الأمة أحد المبشرين بالجنة  : إن استطعت أن يستغفر لك فافعل .

5ـ ولما ماتت أم إياس القاضي المشهور بكى عليها فقيل له في ذلك فقال : كان لي بابان مفتوحان إلى الجنة فغلق أحدهما.

6ـ وكان رجل من المتعبدين يقبل كل يوم قدم أمه فأبطأ يوماً على أصحابه فسألوه فقال : كنت أتمرغ في رياض الجنة ، فقد بلغنا أن الجنة تحت أقدام الأمهات .

7ـ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أحضر ماء لوالدته فجاء وقد نامت فبقي واقف بجانبها حتى استيقظت ثم أعطاها الماء . خاف أن يذهب وتستيقظ ولا تجد الماء , وخاف أن ينام فتستيقظ ولا تجد الماء فبقي قائما حتى استيقظت.

العنصر السادس : حرمة العقوق :ـ

عقوق الوالدين من الكبائر التي توعَّد الله فاعلَها بالعذاب الشديد في النار.
ومعنى العقوق أن يؤذيَ والديه أذًى ليس بهيّن، ومع ذلك فإيذاء الوالدين سواء كان أذًى شديدًا أو خفيفًا فهو حرام. ومن الأمثلة على العقوق شتمُ الأم أو الأبِ أو ضربُ الأم أو الأبِ أو إهانتهما أو أحدهما.

ومن جملة العقوق أن يطيع الولد أمه على ظلم أبيه أو يطيع الولد أباه على ظلم أمه، ولا ينفعه عند الله تعالى إن أطاع أمه وظلم أباه، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ونُصرةُ أحدِ الأبوين في ظلم الآخر حرام.

وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التعاون على الظلم، وورد في النهى عن الظلم أحاديث عدة، منها ما جاء عن أبي ذرّ الغِفاريّ رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم فيها يرويه عن رّبه عزّ وجلّ أنه قال:”يا عبادي إني حرَّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرَّمًا فلا تظَّالموا” رواه مسلم.
 ومعنى “إني حرّمت الظلم على نفسي” أي نزّهت نفسي عن الظلم، فربّنا منزّه عن الظلم.
فلا يُتَصَوَّرُ منه ظلم لأنَّ الظلم محال في حقّ الله قال الله تعالى ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ﴾ (سورة فصلت \ 46).

والظلم لغة وضع الشيء في غير محله، وهو مجاوزة الحدّ أو التصرف قي حق الناس بغير حق، وهذا مستحيل على الله، أي لا يجوز في حق الله لأن الله هو المالك المطلق يفعل في ملكه ما يشاء ويحكم ما يريد. أما نحن فإننا نملك أشياء مَلَّكنا الله أياها ولا بد أن نلتزم أحكامَ الشرع كما أمرنا الله. 

واعتبرالإسلام عقوق الوالدين من أكبر الكبائر ،وقرن النبي صلي الله عليه وسلم  عقوقهما بالشرك بالله عز وجل، فعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلي الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟) ثلاثاً. قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (الإشراك بالله، وعقوق الوالدين) وجلس وكان متكئاً, فقال: (ألا وقول الزور) فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. 

وعن أنس رضي الله عنه قال: سئل النبي صلي الله عليه وسلم عن الكبائر قال:(الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وشهادة الزور) .

وعن المغيرة رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم قال:(إن الله حرَّم عليكم عقوق الأمهات, ومنعاً وهات، ووأد البنات، وكره لكم: قيل وقال, وكثرة السؤال, وإضاعة المال).

العنصر السابع : من صور العقوق :

للعقوق صوره كثيرة منها:ـ                                                                  
1ـ السب واللعن. 
2ـ التبرؤ من والديه.
 3ـ تقديم الصديق على الأب والزوجة على الأم.
 4ـ الكذب عليهما.
 5ـ غيبتهما.             
 6ـ التكبر والترفع عليهما. 
 7ـ التسبب في بكائهما.
8ـ عدم طاعتهما في ترك المباحات والمستحبات

العنصر الثامن :عقوبة العاق لوالديه :ـ

ـ حرم الله عليه الجنة :ـ

ولْيُعْلَمْ أن عذاب عقوق الوالدْينِ المسلمَيْنِ عند الله تعالى عظيم حيث إن عاقَّهما لا يدخل الجنَّة مع الأوّلينَ، بل يدخلها بعد عذاب شديد مع الآخرين، وذلك لأنَّ هذا الذنب هو من كبائر الذنوب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يدخل الجنة عاقٌّ” رواه البخاري ومسلم

أي لا يدخلها مع الأوّلين وليس المعنى أنه كافر محروم من الجنة.
من عظم حقهما 

ولقد دعا رسول الله صلي الله عليه وسلم على من لم يبر والديه عند الكبر، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: (رَغِمَ أنْفُهُ، ثم رَغم أنفه، ثم رغم أنفه)) قيــل: مَنْ يا رسول الله؟ قال:(من أدرك والديه عند الكبر: أحَدَهُما, أو كليهما ثم لم يدخل الـجنة).
وعبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال:(ثلاثة قد حرَّم الله تبارك وتعالى عليهم الجنة: مدمن الخمر، والعاقُّ, والديُّوثُ الذي يقر في أهله الخبث).

ـ محروم من نظر الله  

 ولعظم حق الوالدين أن الله لا ينظر إلى من عقَّ والديه يوم القيامة؛ لحديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله  صلي الله عليه وسلم: ((ثلاثة لا ينظر الله إليهم عز وجل يوم القيامة: العاق لوالديه، والمرأة المترجلة، والديوث، وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والمدمن على الخمر، والمنَّان بما أعطى)

ـ تعجيل العقوبة في الدنيا :ـ

عَن أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "كُلُّ ذُنُوبٍ يُؤَخِّرُ الله مِنْهَا مَا شَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلا الْبَغْيُ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ أَوْ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ يُعَجِّلُ لَصَّاحِبِهَا فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْمَوْتِ".أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" وصححه الألباني
وورد عند الحاكم بسند صحيح مرفوعاً: (بابان معجّلان عقوبتهما في الدّنيا: البغي والعقوق).

العنصر التاسع :قصص في عقوق الوالدين :ـ 

1ـ ذكر أن شاباً كان مكباً على اللهو واللعب ، لا يفيق عنه وكان له والد صاحب دين ، كثيراً ما يعض هذا الابن ويقول له : يا بني احذر هفوات الشباب وعثراته ، فإن لله سطوات ونقمات ما هي من الظالمين ببعيد ، وكان إذا ألح عليه زاد في العقوق ، وجار على أبيه ، ولما كان يوم من الأيام ألح على أبنه بالنصح على عادته فمد الولد يده على أبيه ، فحلف الأب مجتهداً ليأتين بيت الله الحرام ، فيتعلق بأستار الكعبة ويدعوا على ولده ، فخرج حتى انتهى إلى البيت الحرام فتعلق بأستار الكعبة وأنشأ يقول :

يا من إليه أتى الحجاج قد قطعوا                    عرض المهامه من قرب ومن بعد
إني أتـيـتك يا من لا يخيب من                      يدعـوه مبتـهلاً بالواحـد الصمد
هذا منازل لا يرتـد من عقـقي                      فخذ بحـقي يا رحمن من ولـدي
وشـل منه بحـول منك جـانبه                      يا من تقدس لم يولـد ولـم يـلد

فقيل أنه ما استتم كلامه حتى يبس شق ولده الأيمن .

2ـ وكان هناك رجلاً يحث ابنه على طريق الهداية والاستقامة ولبث على هذه الحال سنين، ولما كبر الأب، تأفف منه الابن ولم يحسن إليه في كبره، بل حمله على جمله وذهب به إلى الصحراء ولما توسط الصحراء، سأله الوالد فقال : يابني أين تريد الذهاب بي، قال : يا أبي لقد مللتك ولقد سأمتك، قال : وماذا تريد ؟ 

قال : أريد أن أذبحك، قال يابني ماذا تقول ؟ 

قال أريد أن أذبحك لقد مللتك ياأبي، فقال الأب : إن كنت ولابد فاعلاً ، فاذبحني عند تلك الصخرة ، قال : ولم ياأبي ، قال : فإني قد قتلت أبي عند تلك الصخرة فاقتلني عندها وسوف ترى من يقتلك من أبنائك عند تلك الصخرة . لأن الجزاء من جنس العمل .
وقال تعالى : { من يعمل سوءاً يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً } [ النساء123 ].
 وقال صلي الله عليه وسلم  : (( بروا أباءكم تبركم أبناءكم )) .
فالبر والعقوق دين ، ولا بد من الوفاء بالدين ، وكما تدين تدان( فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ،ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ) [ الزلزلة7/8 ] .

3ـ ومن القصص الواقعية والتي ظهرت فيها عدالة السماء :ـ

أنه كان هناك شاب نشأ مدللا بين والديه، ومات والده وقامت أمه برعايته حتى كبر، واشتد ساعده واستوى على سوقه، وأصبح رجلا وعمل في مجال التجارة ، حيث إن والده ترك له ثروة لا بأس بها، ودعوات الأم الطيبة ترافقه في كل مكان، ومع ، كل خطوة يخطوها تدعو له بالتوفيق فكثرت أمواله واتسعت تجارته. 

وكانت أمه لا زالت ترعاه وتقوم بشؤونه وتفرح لفرحه وتحزن لحزنه وتواسيه وتحبب ، إليه الحياة وتحثه على العمل، فكانت هي السبب بعد الله عز وجل في هذه الثروة العظيمة التي يمتلكها، وهذه الشهرة التي اشتهر بها بين الناس، والأم لا تكمل فرحتها إلا بزواج ولدها لتفرح به وبأولاده، وتسعد معه بتكوين أسرة تكمل المشوار. 



وبحثت له عن بنت الحلال، ولكنه لم يرض بما أشارت إليه بهن أمه، بل اختار هو بنفسه وتزوج وفرح بزواجه ولكن فرحة أمه أكبر وأعظم، وأخذت الم تدعو ربها أن يرزق ولدها الذرية الصالحة لكي تفرح بهم وتسعد معهم، واستجاب الله تعالى لدعائها ورزق بولدين مطيعين له، فأحبهما أكثر من نفسه ورعاهما وسهر على راحتهما حتى كبرا وشبّا عن الطوق، وكبرت الأم وصارت بحاجة إلى من يرعاها ويقوم بشؤونها، ولكنه تأفف من ذلك، فرغم أنه الرجل صاحب الثروة الكبيرة والجاه العظيم، إلا أنه بخل على أمه بأن يجعل لها خادمة تقوم برعايتها، وتضايق من أمه، وفكر في وسيلة تريحه منها، فهو لا يطيق حتى أن ينظر إليها، ودفعه تفكيره إلى أن يودعها في دار العجزة.          
                                                                                       
 فتبا له من ولد عاق كيف هانت عليه أمه أن يودعها في دار العجزة أين السهر؟ 

أين المعاناة؟ 

أين الصبر؟ 
أين الحنان؟ أين الرعاية.......؟
لقد ذهب كل هذا أدراج الرياح،أمك التي بذلت كل ما في وسعها من أجلك يكون هذا جزاؤها من ولدها لاوحيد؟! فتبا لك ألف مرة.  

وذهب مرة لزيارة أحد أصدقائه ليبث له شكواه، وقال لصديقه وهو يندب حظه العاثر: 

 تصور يا أخي ما أن أودعت والدتي دار العجزة، ورعاية المسنين حتى لامني الكثير من الأهل والأقارب والبعيد والقريب ممن أعرفهم، فأجابه صديقه مندهشا: ماذا تقصد بوالدتك التي أودعتها دار العجزة؟! 

هل هي أمك التي حملتك؟

 أمك فلانة التي ربتك صغيرا، ورعتك كبيرا؟ أم لديك أم غيرها؟!    

 قال: بل هي أمي فلانة!! 

فما العجب في ذلك؟ 

وقد افتتحت الحكومة هذه الدار لأمثالها.  
فقال صديقه: يا سبحان الله...

 اللهم ارفع مقتك وغضبك عنَّا... 

هل ضقت بوالدتك ذرعا وأنت صاحب المال والجاه والثروة الواسعة والتي آلت إليك بسبب دعواتها لك بالتوفيق، عد إلى رشدك يا رجل، واستغفر الله واذهب إلى أمك وقبِّل قدميها، واسأل الله التوبة والمغفرة، واطلب الصفح منها، وعد بها إلى البيت وهيِّء لها من يقوم بخدمتها، واعمل على سعادتها وراحتها، أما إن كان الذي فعلته رغبة حرمكم المصون،فلم أعلم أنك مطيَّة بين الرجال، بل عرفتك رجلا. 

 ولما سمع من صديقه هذا الكلام الصادق ضاق وهاج وماج وقال: يا أخي إن كنت ستزيد من آلامي فأنا في غنى عن معرفتك.

 فقال له صديقه: هذا لا يشرفني من ابن عاق مثلك فصداقة أمثالك عار.  
 ومرت الأيام وأمه ملقاة في دار العجزة لا أحد يزورها، وهي تعاني من آلام الكبر،والمرض والقهر، واشتد عليها المرض، ولم يزرها مرة واحدة، ونقلت إلى المستشفى،ولم يرق قلبه لها، وحثه أقرباؤه وأبناؤه لزيارتها وهي في المستشفى فأبى واستكبر وأخذته العزة بالإثم، واشتد عليها المرض، واقترب الوعد الحق، وعلم العاق أن أمه تعاني سكرات الموت، فهل فاق وتاب وأناب... أبدا، بل شد رحاله وغادر البلاد فجأة دون علم أحد، وبعد أن تأكد أنها ودعت الدنيا بما فيها من مآس ودفنت في قبرها، عاد راجعا، ولكنه رجع ليجني ثمار ما زرع، ويا شرّ ما زرع، لقد زرع العقوق ،والعصيان، فماذا سيجني؟ 

وماذا ستكون النتيجة........؟

لاشك أنه سيجني البؤس والشقاء.  

 لم تمر إلا أيام معدودة قبل أن يجف قبر أمه، تعرّض فلذة كبده وأحب أبنائه إلى قلبه إلى حادث مروري مروِّع راح ضحيته الابن، وكان هذا الحادث عبارة عن خنجر غرس في قلب الأب، ولم يمر عام على هذا الحادث الأليم، إلا ويتعرض ولده الثاني وساعده الأيمن في تجارته وأعماله لمرض عضال جعله ملازما للسرير، وأخذه والده وجال فيه أرجاء العالم، يبحث له عن شفاء ولكن دون جدوى، ولحق الابن الثاني بأخيه، وبقي الأب وحيدا، فقد كسر جناحاه، وساءت حالته النفسية، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، وبارت تجارته، وأخذ موظفوه يسرقونه، وأخذ يجني ثمار زرعه، وها هو يرى حياته تتصدع أمام عينيه، وها هو يرى ما بناه يسقط أمامه دون أن يستطيع عمل أي شيء، وها هي العقوبة تطل عليه في كل يوم وكل ساعة وكل لحظة، والله أعلم بمصيره في الآخرة.
إنها الحكمة الإلهية والعدل الإلهي، فكما تدين تدان.

وفى ذلك يقول الإمام شمس الدين الذهبى في كتابه الكبائر :

بر الوالدين عليك دين ، وانت تتعاطاه باتباع الشين، تطلب الجنه بزعمك ،وهى تحت اقدام امك ،حملتك فى بطنها تسعة اشهر كانها تسع حجج ، وكابدت عند الوضع ما يذيب المهج ، وارضعتك من ثديها لبنا ، واطارت لاجلك وسنا ، وغسلت بيمينها عنك الاذى ، واثرتك على نفسها بالغذا ، وصيرت حجرها لك مهدا ، وانالتك احسانا ورفدا .
فان اصابك مرض او شكاية ، اظهرت من الاسف فوق النهاية ، واطالت الحزن والنحيب ، وبذلت مالها للطبيب ،
ولو خيرت بين حياتك وموتها ، لطلبت حياتك باعلى صوتها .

هذا ....وكم عاملتها بسوء الخلق مرارا ، فدعت لك بالتوفيق سرا وجهارا ، فلما احتاجت عند الكبر اليك ،جعلتها من اهون الاشياء عليك ، فشبعت وهى جائعة ، ورويت وهى قانعة ، وقدمت عليها اهلك واولادك بالاحسان ، وقابلت اياديها بالنسيان ، وصعب لديك امرها وهو يسير ، وطال عليك عمرها وهو قصير ، وهجرتها ومالها سواك نصير.

هذا ...ومولاك قد نهاك عن التافيف ، وعاتبك فى حقها بعتاب لطيف ، ستعاقب فى دنياك بعقوق البنين ،وفى اخراك بالبعد من رب العالمين ، يناديك بلسان التوبيخ والتهديد " ذلك بما قدمت يداك وان الله ليس بظلام للعبيد ".

وفي الختام ...

أيها المؤمنون ...إني أدعو نفسي وإياكم أيها المؤمنون على بر والدينا أحياء وأمواتا ، وأن من كان بينه وبين والديه قطيعة أو خلاف فليبادر بإصلاح ما بينه وبينهم، ومن كان مقصراً في بر والديه عليه أن يبذل ما بوسعه في برها وإسعادها .
ومن كان براً بهما فليحافظ على ذلك، وإذا كانا ميتين فليتصدق لهما ويبرهما بدعوة صالحة أو عمل صالح يهدي ثوابه لهما.

فاللهم إنا نسألك أن تعيننا جميعاً على بر والدينا، اللهم إن كنا قد قصرنا في برهما، أو أخطأنا في حقهما، اللهم فاغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسرفنا وما أعلنا، واملأ قلبيهما بمحبتنا، وألسنتهما بالدعاء لنا، يا ذا الجلال والإكرام .. اللهم وإن كانا ميتين فاغفر لها وارحمهما، وأعنا على الإحسان إليهما بعد موتهما .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .. والصلاة والسلام علي سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم .


التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات