الشائعات وخطرها علي الفرد والمجتمع للشيخ السيد طه



الحمد لله رب العالمين .. ضرب المثل بالكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة فقال تعالي (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ(26) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27)) إبراهيم.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له .. له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو علي كل شيئ قدير…جعل صلاح الحال والبال في صلاح اللسان فقال تعالي }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً(71) { الأحزاب .

وأشهد أن سيدنا محمد رسول الله صلي الله عليه وسلم ……حذر من خطر الكلمة وبين أننا مسئولون عنها يوم القيامة ، فقال صلي الله عليه وسلم }إن العبد ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً من رضوان الله يرفعه الله بها درجات وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوى بها في جهنم{(رواه البخاري ومسلم).
فاللهم صل علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلي يوم الدين .

أما بعــــد .. فيا أيها المؤمنون ..
منذ أن خلق الله الخليقة وُجد الصراع بين الحق والباطل ، والخير والشر ، صراعٌ يستهدف أعماق الإنسانية، ويؤثر في كيان البشرية، وإذا كانت الحروب والأزمات والكوارث والنكبات تستهدف بأسلحتها الفتاكة الإنسان من حيث جسده وبناؤه، فإن هناك حرباً سافرة مستترة تتوالد وتتكاثر زمن التقلبات والمتغيّرات، وهي أشدّ ضراوة وأقوى فتكا؛ لأنها تستهدف الإنسان من حيث دينه وقيمه ونمائه، أتدرون ما هي هذه الحرب القذرة؟!”إنها حرب الشائعات”.
لذلك كان حديثنا عن} الشائعات وخطرها علي الفرد والمجتمع وموقف المسلم منها{وذلك من خلال هذه العناصر الرئيسية التالية ..

1 ـ أمانة الكلمة .
2ـ حقيقة الإشاعات والهدف منها .
3ـ أسباب انتشار الشائعات وداوفعها.
4ـ خطر الشائعات علي الفرد والمجتمع.
5ـ موقف المسلم من الشائعات .
6ـ حكم الإسلام في الشائعة ومروّجها.
7ـ الخاتمة.

العنصر الأول :ـ أمانة الكلمة:ـ
إن الله تعالي عرض علينا الأمانة بعدما عرضها علي السماوات والأرض فأبين أن يحملنها وأشفقن منها فقال تعالي{إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً(72)}الأحزاب.
لذلك لابد أن نعلم أن مفهوم الأمانة في الإسلام مفهوم عام شامل لأقوال العبد وأعماله، فكما أنه محاسب على أعماله، مُؤتَمَنٌ عليها؛ فهو محاسب على الأقوال، ومُؤتَمَن عليها.
والمتأمل في آيات القرآن الكريم، وأحاديث المصطفى عليه الصلاة والسلام، يلحظ تركيزاً واضحاً واهتماماً بالغاً بمسؤولية الكلمة وأمانة النطق، فالرقابة دقيقة:} وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18){ ق .
وقال جل وعلا: }وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابَاً يَلْقَاهُ مَنشُورَاً (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبَاً(14){ الإسراء.
فالمسؤولية شاملة حيث قال تعالي }إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً(36){[الإسراء].
فالكلمة في حس المسلم ليست عبثاً فارغاً، ولا لغواً آثماً حيث جعل الله تعالي مراعاة الكلمة والحفاظ عليها من أخص خصائص المجتمع الإيماني الذين يرثون الفردوس في الجنة حيث قال تعالي }قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2)وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3)………………………. أُولَٰئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11){[المؤمنون]
ولعظم الكلمة أوصي النبي صلي الله عليه بالحفاظ عليها فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال رسول الله عليه وسلم يا معاذ: (ألا أخبرك برأس الأمر، وعموده، وذروة سنامه؟ قال: بلى يا رسول الله! قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله ، ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قال: بلى يا رسول الله! فأخذ رسولُ الله بلسانه، ثم قال: كُفَّ عليك هذا. فقال معاذ : أوَإنا مؤاخذون بما تتكلم به ألسنتنا؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ثكلتك أمك يا معاذ ! وهل يكُبُّ الناسَ في النار على وجوههم أو قال: على مناخرهم إلا حصائدُ ألسنتهم؟!).رواه الترمذي .
وقال صلي الله عليه وسلم (إِنَّ العبد ليتكلّم بالكلمة مِنْ رضوان الله لا يُلْقِي لها بالاً، يرفعه الله بها في الجنة, وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سَخَط الله لا يُلْقِي لها بالاً، يهوي بها في جهنم)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والترمذي في سننه, ومالك في الموطأ]
فالكلمة إذن ليست شيئاً يمكن أن يُلفظ فيُهمل، أو يُودع في عالم النسيان، كلا، بل هي ذات شأن جليل، سلب، أو إيجاب، ولها تبعة دنيوية وأخروية، فإنها مسجلة ومكتوبة لن تضيع أبدا. فالكلمة أمانة ضخمة في دين الله تعالي وأننا مسئولون بين يدي الله عن هذه الأمانة العظيمة، فليتق الله كل منا ولنعلم أن كل كلمة نتلفظ بها قد سُطِّرت علينا }عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ ۖ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (52){ [طه].
وقال تعالي }إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ(10) كِرَامًا كَاتِبِينَ(11){ [الانفطار].

العنصر الثاني : حقيقة الإشاعات والهدف منها :ـ 
الإشاعات : جمع إشاعة, والإشاعة في اللغة: أصلها من الشيوع والانتشار, ثم استعملت فى الأخبار التى تنتشر من غير تثبت (المعجم الوسيط).
وفي الاصطلاح: النبأ الهادف الذي يكون مصدره مجهولاً.
والشائعة هي: الأفكار التي يتناقلها الناس دون أن تكون مستندة إلى مصدر موثوق به يشهد بصحتها.
والشائعة : هي الترويج لخبر مختلق لا أساس له من الواقع، أو هي المبالغة في سرد خبر يحتوي على جزء ضئيل من الحقيقة.
وهي سريعة الانتشار ذات طابع استفزازي أو هادئ حسب طبيعة ذلك النبأ”.
والمقصود من الإشاعات فى الغالب الأعم: التأثير السلبى فى النفوس, والعمل على نشر الاضطراب, وعدم الثقة فى قلوب الأفراد والمجتمعات ، وخلق حالةٍ من الفوضي والبلبلة والحيرة والتشتت والقلق .

العنصر الثالث :أسباب انتشار الشائعات وداوفعها:ـ
إن انتشار الشائعة بين أفراد المجتمع له دوافع كثيرة، وهذه الدوافع قد تكون دوافع نفسية وسياسية واجتماعية واقتصادية، وتتعرض الشائعة في أثناء التداول إلى التحريف والتبديل والتغيير والزيادة والنقص.
ولنذكر أهم أسباب انتشار الشائعة وهذا على سبيل المثال لا الحصر من تلك الأسباب….
السبب الأول: اتباع الهوى الهوى.
والمقصود بالهوى هوى النفس الأَمَّارة بالسوء إلا ما رحم ربي، فصاحب الهوى يعمل على نشر ما يوافق هَوَى نفسِه، ولو كان على حساب إلحاق الضرر بغيره، فهو لا يهمه إلا مصلحة نفسه فقط، وإشباع غريزته السيئة، ولا يهمه ما يحصل بعد ذلك من خطر على البشر، ولهذا أنكر الله جل وعلا على من هذا صنيعه، فقال تبارك وتعالى: } أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ (23){الجاثية].
وقال جل وعلا: } وَلَا تَتَّبِعِ الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ)26) { [ص].
فمَن يعمل على نشر الشائعة دون النظر في العواقب إنما يعمل ذلك لموافقة هوى نفسه، ولا يخفى علينا خبر هوى النفس الأَمَّارة بالسوء.
السبب الثاني: الجهل.
ونعني الجهل بعواقب الأمور، فمن أراد أن يقدم على عمل لا بد أن يكون عنده بُعْدُ نظرٍ ليعلم ما يمكن أن يُؤدِّيَ إليه هذا العمل من المفاسد؛ إذ لا يليق به أن يقتصر على فهمه القاصر، فقد يظن الإنسان أن ما ينشره من الأكاذيب والأقاويل حقائق مُسَلَّمة لا تقبل الجدل، لكن في الحقيقة هي أكاذيب مُلَفَّقة، فالجهل بعواقب الأمور من أهم دوافع انتشار الشائعات في المجتمع، وأحيانا قد يؤدي به جهله إلى أن يطلق الشائعة من باب الْمُزاح والدعابة، إن أولئك الذين يطلقون الشائعات على سبيل المزاح والدعابة لا تلبس شائعاتهم أن تتلقفها الآذان الصاغية المحبة للفساد والإفساد بين الناس، ثم سرعان ما تنتشر انتشار النار في الهشيم، تسابق الريح من هنا وهناك حتى تعم الآفاق، ومَن كانت هذه حاله وهذه مهنته ولا يتمعر وجهه من الخوض في الباطل يكون من الذين خلعوا ربقة الحياء من أعناقهم؛ لأن كل همه إثارة المشاكل وخلق القلاقل بين الناس.

السبب الثالث: النفاق:
إن النفاق سبب من أسباب الإرجاف، قال جل وعلا في الآية} لَئِن لَّمْ يَنتَهِ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلًا (60){ [الأحزاب].
والنفاق مرض القلب، وهو سبب الويلات والنكبات، فما من فتنة إلا وكان للمنافقين يد فيها، وما حادثة الإفك من ذلك ببعيد، وهي خير شاهد على ذلك، وقد وصف الله المنافقين بالعداوة للمؤمنين، ومن يرد إلحاق الأذى ونشر الفوضى فهو عدو لله ولرسوله وللمؤمنين، كما قال جل وعلا عن حالهم:} هُمُ العَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ(4){ ﴾ [المنافقون] فهم أهل إرجاف وكذب وبهتان، يُخْفُون ما لا يُبْدُون، والحقيقة أن هذه الشائعات المغرضة إنما تصدر ممن لا خلاق له.
السبب الرابع: الفراغ.
إنَّ الفراغ القاتل يؤدي بلا شك إلى ترويج الشائعات بطرق ووسائل مختلفة، ومن هذه الطرق وسائل الاتصال الحديثة كالإنترنت والجوال ويكون ذلك بغرض التسلية والتهكم، ولذلك شواهد كثيرة من الشائعات تنقل عن طريق البلوتوث، وتنقل عن طريق مواقع الدردشة في الإنترنت وهذه المواقع ما هي إلا ويلات على البشر، وخاصة الشباب منهم الذين جعلوها مسرحًا لآرائهم وأفكارهم الهدامة، فهم يتناقلون فيها القيل والقال، والزور والبهتان، وخدش الحياء، لا شك أن هذا سوء استخدام للفراغ الذي هو نعمة من الله جل وعلا ومِنَّة مَنَّ اللَّهُ بها على الإنسان، وكما جاء في الحديث الشريف الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم:}نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ {
ولا يخفى علينا أن تجريح الآخرين ونشر معايبهم في تلك الوسائل يُعَدُّ أيضًا من الغيبة المحرمة؛ لأن الغيبة هي ذكرك أخاك بما يكره، فمن ينقل هذه الأقاويل الملفقة عن طريق تلك الوسائل ويذكر معايب أخيه فهذا من الغيبة المحرمة، والله جل وعلا يقول: } وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا(12){ ﴾ [الحجرات] ويزداد خطرها وإثمها إذا تحولت هذه الغيبة إلى شائعة وانتشرت بين الناس على وجه التشهير والفضيحة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
السبب الخامس: الرغبة في حب الظهور.
إن حب الظهور مرض نفسي، وهو من الحيل العقلية التي يلجأ إليها ضعاف النفوس من أجل إبراز أنفسهم على حساب الآخرين، يعني يعمل الواحد منهم على إبراز نفسه بنشر هذه الشائعات وإن كان فيها ضرر على غيره نتيجة لِمَا يعانيه من الفشل في حياته العامة، مُعْتَقِدًا أن ذلك يُعوِّض ما يشعر به من نقص، ولا شك أن هذا اعتقاد غير صحيح، ومسلك باطل، فرحم الله امْرَءًا عرَف قَدْر نفسه.
السبب السادس: الشعور بالكراهية للآخرين.
إن الشعور بالكراهية للآخرين وخاصة مَن لهم نفوذ ومكانة في المجتمع سبب في زرع الشائعات ، فيعمل مُرَوِّج الشائعة على نشرها من باب الكراهية والبغضاء لذلك الإنسان ذي النفوذ حتى يسيء إلى سمعته بين الناس، وذلك لِمَا يَرَى عليه من نِعَم الله من المكانة والمنزلة، وهذا يعد من باب الحسد على هذه النعمة، فيأخذ في ترويجع الشائعات الكاذبات عنه حتى يسيء إلى سمعته، ويكون هذا أحيانا من باب الانتقام لنفسه بإلحاق الضرر بأخيه.
وخلاصة القول أن هذه الأسباب يجمعها سبب واحد، وهو ضعف الوازع الديني، فإن الإيمان متى وَقَر في قلب العبد فإنه لا يرضى بأذية لأخيه المسلم، فالإيمان يُرَبِّي صاحبه على الأخلاق الفاضلة، أما إذا خف ميزان الإيمان في قلب العبد ،فعندئذ يصبح العبد عرضة لكل ما مِن شأنه الإساءة والإفساد، ومن ذلك الإفساد والإساءة تلقف الشائعات ونشرها، فلا شك أنَّ ضعف الوازع الديني هو رأس الأمر كله في نشر هذه الشائعات الكاذبة.

العنصر الثالث : خطر الشائعات علي الفرد والمجتمع:ـ
الشائعات من أخطر الحروب المعنوية، والأوبئة النفسية، بل من أشد الأسلحة تدميراً، وأعظمها وقعاً وتأثيراً، وليس من المبالغة في شيء إذا عُدَّت ظاهرةً اجتماعية عالمية، لها خطورتها البالغة على المجتمعات البشرية، وأنه يجب الوقوف ضدها ، والتكاتف للقضاء على أسبابها وبواعثها، حتى لا تقضي على الروح المعنوية في الأمة، التي هي عِماد نجاح الأفراد، وأساس أمن واستقرار المجتمعات، وركيزة بناء الشعوب والحضارات.
الإشائعات خطرها عظيم ولها آثارها السلبية على الفرد والمجتمع والأمة فكم أشعلت من حروب، وكم أهلكت من قرى، وكم أبادت من جيوش وكم أوغرت من غل وحقد في الصدور، وكم خربت من بيوت ، وكم دمرت من مجتمعات ، و هدمت من أسر، و فرقت بين أحبة.
وكم أهدرت من أموال، و ضيعت من أوقات.
وكم أحزنت من قلوب، و أولعت من أفئدة، و أورثت من حسرة.
و كم أقلقت من أبرياء، وكم حطمت من عظماء وأشعلت نار الفتنة بين الأصفياء.
و كم نالت من علماء وعظماء؟! وكم هدّمت الشائعة من وشائج؟! وتسبّبت في جرائم؟!
وكم أثارت فتناً وبلايا، وحروباً ورزايا، وأذكت نار حروب عالمية، ، وإن الحرب أوّلها كلام، ورب مقالة شرّ أشعلت فتنا، لأن حاقداً ضخّمها ونفخ فيها.
الشائعات ألغام معنوية، وقنابل نفسية، ورصاصات طائشة، تصيب أصحابها في مقتل، وتفعل في عرضها ما لا يفعله العدوّ بمخابراته وطابوره الخامس.
فالشائعات والأراجيف تعتبر من أخطر الأسلحة الفتاكة والمدمرة للمجتمعات والأشخاص بل قد تكون مِعْوَل هدم للدين من الداخل أو الخارج، والضرر بالإسلام والمسلمين
فما بالكم الآن وقد تطورت وسائل الإتصال المباشر ستصبح الإشاعة أكثر رواجًا وأبلغ تأثيرا.
وإن الصراع بين الحق والباطل مستمر حتى يرث الله الأرض ومن عليها, والباطل لا يفتر أبدا فى استخدام كل وسيلة تعوق الحق عن مواصلة طريقه, وتحقيق أهدافه لتعبيد الأرض لله رب العالمين, ومن ثم فإنه يستخدم الإشاعات ويحسن صناعتها ليصد الناس عن الحق وأهله, أو ليفرق جمعه, أو ليغير صدورهم تجاه بعضهم, أو ليشيع الفاحشة فى مجتمعة.
ومن خطر الإشاعات ما يلى:
1- تعمي عن الحق وعن الصراط المستقيم.
قال تعالي }فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(50){ (القصص).
2- أن ضررها أشد من ضرر القتل.
فالإشاعات من أهم الوسائل المؤدية إلى الفتنة والوقيعة بين الناس ويقول الله تعالى (وَالْفِتْنَةُ أَشَدّ مِنَ الْقَتْلِ)، (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِوإنما كانت الفتنة أشد من القتل لأن القتل يقع على نفس واحدة لها حرمة مصانة أما بالفتنة فيهدم بنيان الحرمة ليس لفرد وإنما لمجتمع بأسره.
فالشائعة يطلقها الجبناء ،ويصدقها الأغبياء الذين لا يستخدمون عقولهم ، ويستفيد منها الأذكياء .
3-أنها تعمل على شق الصف المسلم.
إن نشر الإشاعات سلاح خطير يفتك بالأمة ويفرّق أهلها، ويسيء ظن بعضهم ببعض، ويفضي إلى عدم الثقة بينهم
قال تعالي }لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ(47){ (التوبة).
يقول ابن كثير في تفسيره : بين الله تعالى وجه كراهيته لخروجهم مع المؤمنين فقال: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالاأي: لأنهم جبناء مخذولون، (وَلأوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَأي: ولأسرعوا السير والمشي بينكم بالنميمة والبغضاء والفتنة، (وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْأي: مطيعون لهم ومستحسنون لحديثهم وكلامهم، يستنصحونهم وإن كانوا لا يعلمون حالهم، فيؤدي هذا إلى وقوع شر بين المؤمنين وفساد كبير.
وقال مجاهد، وزيد بن أسلم، وابن جرير: (وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْأي: عيون يسمعون لهم الأخبار وينقلونها إليهم. وهذا لا يبقى له اختصاص بخروجهم معهم، بل هذا عام في جميع الأحوال، والمعنى الأول أظهر في المناسبة.
4- سبيل الفاسدين والمفسدين.
قال تعالي }إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19){ (النور)
وقال تعالي }وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ(205){ (البقرة) فالمفسدون يحبون أن تشيع الفاحشة في المؤمنين وذلك عن طريق إفشاء الإشاعات الهدامة للقيم والأخلاق الحميدة داخل المجتمع..
5- إهدار الدماء وتضيع الحدود ، واشعال الحروب، وانتشار البدع والخرافات.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ يَوْمٌ لا يَدْرِي الْقَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ وَلا الْمَقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ فَقِيلَ كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ قَالَ الْهَرْجُ الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ ) (فالإشاعات الكاذبة التي صنعت ضد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، ما كانت آثارها السيئة على المجتمع في ذلك الوقت فحسب، بل على الأمة حتى وقتنا هذا، تجمع أخلاط من المنافقين ودهماء الناس وجهلتهم، وأصبحت لهم شوكة وقتل على إثرها خليفة المسلمين بعد حصاره في بيته, وقطع الماء عنه، بل كانت آثار هذه الفتنة أن قامت حروب بين الصحابة الكرام، كمعركة الجمل, وصفين، من كان يتصور أن الإشاعة تفعل كل هذا، بل خرجت على إثرها الخوارج، وتزندقت الشيعة، وترتب عليها ظهور المرجئة, والقدرية الأولى، ثم انتشرت البدع بكثرة، وظهرت فتن وبدع وقلاقل كثيرة، ما تزال الأمة الإسلامية تعاني من آثارها إلى اليوم..
6ـ الشائعات سلاح خطير يستهدف أهل الإيمان :ـ
سلاح الشائعات لم يوجه إلا لأهل الإيمان وعلي رأسهم الأنبياء والصالحون ،
لم يسلم من الشائعات الأنبياء والصالحون منذ فجر التأريخ والشائعات تنشب مخالبها في جسد العالم كله، فهذا المسيح عليه السلام تشكك الشائعات المغرضة فيه وفي أمة الصديقة: قال تعالي} يٰأُ أخت هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْء وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً(28){ [مريم].
وهذا سيدنا نوح عليه السلام يقال له مجنون ” قال تعالى: }كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ(9){ [القمر]
وأما عن سيدنا هود عليه السلام اتَّهَمه قومُه بالسفاهة والكذب قال الله تعالى حكاية عنهم: }إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكَاذِبِينَ(66){ [الأعراف] حتى وصل بهم الأمر إلى أن اتهموه في عقله عياذا بالله يقول الله جل وعلا حكاية عنهم أيضًا:}إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ(54){ [هود].
وسيدنا يوسف عليه السلام نموذج من نماذج الطهر والنقاء ضد الشائعات المغرضة التي تمس العرض والشرف، قال تعالى:}كَذالِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوء وَٱلْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24){ [يوسف].
ولقد كان أعظم وأخطر سلاح يستخدمه فرعون في حربه ضد سيدنا موسي عليه السلام كان الشائعة حيث قال عن موسى عليه السلام” }﴿ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (35){ [الشعراء.
ولازال أعداء الإسلام إلى اليوم يستخدمون هذا السلاح لحرب الإسلام والمسلمين .
أما النبي صلى الله عليه وسلم ،فقد رُميت دعوته المباركة بالشائعات منذ بزوغها، فرُمي بالسحر والجنون والكذب والكهانة، وتفنن الكفار والمنافقون الذين مردوا على النفاق في صنع الأراجيف الكاذبة، والاتهامات الباطلة ضد دعوته ،
ولعل من أشهرها قصة الإفك المبين، تلك الحادثة التي كشفت عن شناعة الشائعات، وهي تتناول بيت النبوة الطاهرة، وتتعرّض لعرض أكرم الخلق على الله ، وعرض الصديق والصديقة رضي الله عنهم أجمعين .
وتشغل هذه الشائعة المسلمين بالمدينة شهراً كاملاً حتى انزل الله براءة الصديقة بنت الصديق ،قال تعالى: } إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(23){ [النور].
ولهذا حكم العلماء على سابّ الصحابة بالفسوق وسابّ عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها بالكفر لأنه ينكر آية البراءة لها في القرآن .
وأيضا استغلال الكفار والمنافقين لحادث موت رسول الله ، حين أخذوا يشنون الحرب النفسية ضد المسلمين عن طريق الشائعات المغرضة، زاعمين أن الإسلام قد انتهى، ولن تقوم له قائمة حتى أثّر ذلك على بعض الصحابة رضي الله عنهم، وظل الناس في اضطراب حتى هيّأ الله الصديق أبا بكر رضي الله عنه فحسم الموقف بتذكير الأمة بقول الحق تبارك وتعالى:}وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ(144){[آل عمران].
العنصر الرابع : موقف المسلم من الشائعات :ـ
إذا أردت أن تعرف مقدار الوعي فى أمة من الأمم, فتأمل أثر الإشاعات فيها, فإذا رأيتها تصدق كل ما يقال لها, فإنها أمة مازالت الغفلة متفشية فيها؛ ذلك لأن أسرع الأمم استجابة للإشاعات والأراجيف هى الأمم الساذجة التى لا قدرة لها على نقد الأخبار وتمحيص الأنباء, وأما إذا رأيت أمة من الأمم تتثبت من الأخبار التى تصل إليها, ولا تصدق منها إلا ما تأكدت صحته, فاعلم أنها أمة رشيدة يكثر فيها العقلاء ويقل فيها السفهاء, يكثر فيها الذين طهرت نفوسهم, واستقامت أفكارهم, واتسعت عقولهم؛ لأنهم يعملون بقول الله تعالى:}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ(6){ (الحجرات)
وأخرج الإمام مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع)،
لذلك يجب علي المسلم أن يتعامل مع الشائعات والأخبار التي ترد إلي سمعه بأمانة ومسئولية وعليه ما يلي :ــ
1 – وجوب التثبت من الأخبار والإشاعات عند انتشارها في المجتمع:
قال تعالي}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ(6){ (الحجرات).
جاء في التفسير المنير للزحيلي أي يا أيها الذين صدقوا باللَّه تعالى ورسوله صلّى اللَّه عليه وسلّم، إن أتاكم فاجر لا يبالي بالكذب بخبر فيه إضرار بأحد، فتبينوا الحقيقة، وتثبتوا من الأمر، ولا تتعجلوا بالحكم حتى تتبصروا في الأمر والخبر لتتضح الحقيقة وتظهر، خشية أن تصيبوا قوما بالأذى، وتلحقوا بهم ضررا لا يستحقونه، وأنتم جاهلون حالهم، فتصيروا على ما حكمتم عليهم بالخطإ نادمين على ذلك، مغتمين له، متمنين عدم وقوعه.
وفي تنكير كلمتي (فاسِقٌ) و(بِنَبَإٍ) دلالة على العموم في الفساق والأنباء، كأنه قال: أيّ فاسق جاءكم بأي نبأ، فتوقفوا وتطلبوا بيان الأمر وانكشاف الحقيقة، ولا تعتمدوا قول الفاسق، لأن من لا يتحامى جنس الفسوق لا يتحامى الكذب الذي هو نوع منه.
ويقول ابن كثير في تفسيره يأمر الله تعالى بالتثبت في خبر الفاسق ليُحتَاطَ له، لئلا يحكم بقوله فيكون في نفس الأمركاذبًا أو مخطئًا، فيكون الحاكم بقوله قد اقتفى وراءه، وقد نهى الله عن اتباع سبيل المفسدين.
وقدقالها سيدنا سليمان عليه السلام لحامل الأخبار إليه وهو الهدهد رغم أنه من الحاشية عندما جاء بنبإ ملكة سبأ قال تعالي } أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ۩(26) قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (28){ النمل .
لم يسلم نبي الله سليمان بكلام الهدهد ولكن تثبت من الخبر بكل دقة وأمانة . فما أحوجنا بأن نربي أنفسنا وأولادنا علي هذا مبدأ التثبت .
2- عدم ترديد الإشاعة وعدم الخوض مع الخائضين:
وذلك لأن ترديدها هو انتشار لها ومساهمة في ترويحها من حيث ندري أو لا ندري وفي ذلك مساعدة المغرضين بقصد أو يغير قصد وإن ترديد الإشاعة هو أشد إفكا وإثما من الكذب، والمعلوم أن الكلام السيئ كالنار فإنه يزداد بالانتقال والانتشار، فان الإشاعة تروج وتكبر إذا وُجِدَتْ ألسنة وشفاه ترددها، وآذان تصغي إليها، ونفوس مريضة حاقدة تتقبلها وتصدقها!!
هذا وقد نهى ديننا الإسلامي العظيم عن نقل الكلام من غير بينة ولا دليل، فإذا لم تتمكن من معرفة صحة الخبر أو كذبه فإنه يتوجب علينا طرحه جانبا، ولا نعيره أي اهتمام ولا نتحدث به قال تعالى: }وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(68){)(الأنعام)،
وقال تعالي }إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ(15){ (النور) وعن أبي هريرة رضي الله عنه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم } من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت{ متفق عليه .
وإن القاعدة الفقهية تقول (ما يحرم قوله يحرم سماعه).
3ـ رد الأمر إلى أهل الاختصاص:ـ
وهذه قاعدة عامة في كل الأخبار التي لها أثرها الواقعي، كما قال تعالى: }وإذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ولَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ وإلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إلاَّ قَلِيلاً(83){ (النساء).
جاء في التفسير المنير للزحيلي قد يبلغ الخبر عن أحوال الأمن (السلم) والخوف (الحرب) من مصادر غير موثوقة إلى الجهلة أو المنافقين أو ضعفة المسلمين الذين لا خبرة لهم بالقضايا العامة، فيبادرون إلى إذاعته ونشره وترويجه بين الناس، وهذا أمر منكر يضر بالمصلحة العامة.
لذا يجب أن يترك الحديث في الشؤون العامة إلى قائد المسلمين وهو الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم، أو إلى أولي الأمر وهم أهل الرأي والحل والعقد ورجال الشورى في الأمة، فهم أولى الناس وأدراهم بالكلام فيها، فهم الذين يتمكنون من استنباط الأخبار الصحيحة، واستخراج ما يلزم تدبيره وقوله بفطنتهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايدها.
4ـ التماسك الاجتماعي بين أفراد المجتمع:ـ
هذا التماسك الذي يقوم على الإيمان والتقوى وغرس الثقة المتبادلة وحسن الظن فيما بين الجماهير لقوله عز وجل }إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(10){(الحجرات).
فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم :} المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ثم شبك أصابعه {. متفق عليه.
فحينما يكون المجتمع متماسكا فلا مجال لتسريب الإشاعات بين الناس، لأنها لا تنتشر، كما هو ملاحظ إلا في المجتمعات المتفككة والمتنازعة والمتخلفة.
5ـ أن يقدم المسلم حسن الظن بأخيه المسلم:ـ
قال الله تعالى: }لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُواْ هَـٰذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ (12){[النور]. والشائعات مبنية على سوء الظن بالمسلمين، والله عز وجل يقول:}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ(12){ )[الحجرات].
وقد أخرج الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا”.
العنصر الخامس: حكم الإسلام في الشائعة ومروّجها:ـ
الإشاعات جريمة ضد أمن المجتمع، وصاحبها مجرم في حق دينه ومجتمعه، مثيرٌ للاضطراب والفوضى، وقد يكون شراً من مروّج المخدرات، فكلاهما يستهدف الإنسان، لكن الاستهداف المعنوي أخطر وأعتى.
فالإسلام يحرم إشاعة أسرار المسلمين وأمورهم الداخلية مما يمس أمنهم واستقرارهم، حتى لا يعلم الأعداء مواضع الضعف فيهم فيستغلوها، أو قوتهم فيتحصنوا منهم.
والإسلام أيضا يحرم إشاعة ما يمس أعراض الناس وأسرارهم الخاصة، قال الله تعالى:}إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ(19){ [النور].
هذا هو الحكم الأخروي، وبالنسبة للحكم المترتب على الشائعة الكاذبة فهو حد القذف إن توفرت شروطه، وإلا فالتعزير. قال تعالى:}وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (4){ [النور]..
وقال تعالى: }وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً(58){[الأحزاب]
فمروج الشائعة يستحق من الله تعالي العذاب الأليم في الدنيا والآخرة، قال تعالي }إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(19){(النور).
جاء في التفسير المنير للزحيلي هذا أدب ثالث لمن سمع شيئا من الكلام السيء، معناه: إن الذين يشيعون الفاحشة عن قصد وإرادة ومحبة لها، وإن الذين يرغبون في إشاعة الفواحش وانتشار أخبار الزنى في أوساط المؤمنين، لهم عذاب مؤلم في الدنيا وهو حد القذف، وفي الآخرة بعذاب النار، واللّه يعلم حقائق الأمور، ولا يخفى عليه شيء، ويعلم ما في القلوب من الأسرار، فردوا الأمر إليه ترشدوا، وأنتم بسبب نقص العلم والإحاطة بالأشياء والاعتماد على القرائن والأمارات لا تعملون تلك الحقائق.
وأخرج الإمام أحمد عن ثوبان عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال: «لا تؤذوا عباد اللّه ولا تعيروهم، ولا تطلبوا عوراتهم، فإنه من طلب عورة أخيه المسلم، طلب اللّه عورته حتى يفضحه في بيته».
وقال صلي الله عليه وسلم «بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ زَعَموا» رواه أبو داود .
فهو يسمع أيَّ خبر خيرًا كان أو شَرًّا، أو فيه مصلحة للمسلمين أو للأفراد أو فيه مضرة، وينقل هذا الخبر بدون التأكد، وبدون التريث، وبدون أن ينظر هل في نشر هذا الخبر مصلحة للمسلمين أم فيه مضرة؟
فإذا كان فيه مصلحة نسعى إلى نشره، وإذا كان فيه مضرة ويجر إلى فتنة وفساد فيتوقف الإنسان، ولقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم الذي يتحدث ويكذب في حديثه بأن فيه خصلة من خصال النفاق قال صلى الله عليه وسلم: }آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَااؤْتُمِنَ خَانَ{ أخرجه البخاري، ومسلم.
ولقد ضرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عبد اللّه بن أبي وحسان ابن ثابت ومسطح ابن أثاثة، وقعد صفوان لحسان فضربه ضربة بالسيف وكف بصره.
وهذا التأديب التربوي له مغزاه العميق، فإن شيوع الفاحشة في مجتمع يجرئ الناس على الإقدام عليها، ويجعلهم يستسهلون الوقوع فيها. والآية تدل على أن مجرد حب إشاعة الفاحشة كاف في إلحاق العذاب، فالذين يشيعونها فعلا أشد جرما وإثما وتعرضا للعقاب.
ولقد أطلق القرآن الكريم علي مروجوا الشائعات بالمرجفين
والإرجاف في اللغة: الاضطراب الشديد، ويطلق أيضا على الخوض في الأخبار السيئة وذكر الفتن؛ لأنه ينشأ عنه اضطراب بين الناس.
والإرجاف حرام، وتركه واجب؛ لما فيه من الإضرار بالمسلمين، وفاعله يستحق التعزير. قال تعالى:} لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَاَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّك بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَك فِيهَا إلا قَلِيلاً (60) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً (61){) [الأحزاب].
قال القرطبي: ” لَنُغْرِيَنَّك بِهِمْ : لسلطناك عليهم فتستأصلهم بالقتل”.وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ناساً من المنافقين يثبطون الناس عنه في غزوة تبوك، فبعث إليهم طلحة بن عبيد الله في نفر من أصحابه، وأمرهم أن يحرقوا عليهم البيت، ففعل طلحة ذلك.
فمروّج الشائعة عضو مسموم، يسري سريان النار في الهشيم، يتلوّن كالحرباء، وينفث سمومه كالحية الرقطاء، ديدنه الإفساد والهمز، وسلوكه الشر واللمز، وعادته الخبث والغمز
ومروّج الشائعة لئيم الطبع، دنيء الهمة، مريض النفس، منحرف التفكير، صفيق الوجه، عديم المروءة، ضعيف الديانة، يتقاطر خسَّة ودناءة، قد ترسّب الغلّ في أحشائه، فلا يستريح حتى يزبد ويُرغي، ويفسد ويؤذي، فتانٌ فتاكٌ، ساع في الأرض بالفساد، للبلاد والعباد.
الخاتمة :ـ
أيها المسلم الحبيب …اعلم أن الإنسان مسؤول أمام الله عز وجل ومحاسب عن كل صغير وجليل: } مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ(18){ [ق]، وقال تعالى: }إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15){ [النور].
فاحذر أن تكون مروجاً لأي شائعة، فإذا ما سمعت ـ بخبر ما سواءً سمعته في مجلس عام أو خاص، أو قرأته في مجلة أو جريدة،أو انترنت أو شاهده في قناة فضائية أو سمعته في إذاعة، وكان ما سمعته يتعلق بأي جهة أو شخص، وكان الذي سمعته لا يسُرّ، أو فيه تنقص أو تهمة، فلا تستعجل في تقبل الإشاعة دون استفهام أو اعتراض .
واحذر ترديد الإشاعة لأن في ترديدها زيادة انتشار لها مع إضفاء بعض بل كثير من الكذب عليها وكما قيل في المثل الروسي :(الكذبة كرة ثلجية تكبر كلما دحرجتها).
واحتفظ بالخبر لنفسك لا تنقله لغيرك، مع أن الذي ينبغي أن يبقى في نفسك هو عدم تصديق الخبر؛ لأن الأصل هو إحسان الظن بالمسلمين حتى يثبت بالبرهان والدليل والأدلة صدق هذا الاتهام؛ لأن القضية قضية دين والمسألة مسألة حسنات وسيئات.
فليحافظ كل منا على دينه ووطنه وأمته ، وليحافظ كل منا على حسناته، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وارض اللهم عن الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين


التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات