الأسرة بين تحديات العصر وهدي الإسلام د/ أحمد محمد أبو عيد
إنَّ الحمدَ للهِ، نحمدُهُ ونستعينُهُ ونستغفرُهُ، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102] ، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1] ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا • يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71]
أمَّا بعدُ:
فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ اللهِ، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ مُحدثاتُها، وكلَّ مُحدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلَّ ضلالةٍ في النارِ.
العناصر
أولًا: مكانة الأسرة في الإسلام ثانيًا: تحديات العصر التي تهدد الأسرة
ثانيًا: تحديات العصر التي تهدد الأسرة
الموضوع
أيُّها المسلمونَ، أيُّها الآباءُ والأمهاتُ، أيُّها الأبناءُ والبناتُ: موضوعُنا اليومَ موضوعٌ يمسُّ كلَّ بيتٍ، ويطرقُ كلَّ بابٍ، ويدخلُ كلَّ غرفةٍ، ويُقلقُ كلَّ قلبٍ... إنَّهُ الحديثُ عن الأسرةِ — تلكَ اللَّبِنةِ الأولى التي يُبنى عليها صرحُ المجتمعِ، والحصنِ الحصينِ الذي يحتمي به الإنسانُ من عواصفِ الحياةِ، والمدرسةِ الأولى التي يتعلمُ فيها الطفلُ أوَّلَ حرفٍ من أبجديةِ الحياةِ.
نعم، الأسرةُ التي أرادَها اللهُ أن تكونَ سكنًا ومودَّةً ورحمةً، صارت في كثيرٍ من بيوتِنا اليومَ ساحةَ حربٍ، وميدانَ صراعٍ، ومحطةَ شقاءٍ!
فما الذي تغيَّر؟ وما الذي حدثَ؟ ومن المسؤول؟ وكيف ننجو بسفينتِنا قبلَ أن تغرقَ؟
أولًا: مكانة الأسرة في الإسلام
الأسرة أساس الكون: أيُّها الأحبَّةُ في اللهِ: إنَّ الأسرةَ ليست عقدًا مدنيًّا على ورقةٍ، ولا شراكةً اقتصاديةً بين طرفَيْن، ولا صفقةً تجاريةً يحسبُ فيها كلُّ طرفٍ أرباحَهُ وخسائرَهُ. بل الأسرةُ في الإسلامِ آيةٌ من آياتِ اللهِ الكبرى التي يتفكرُ فيها أولو الألبابِ.
قال تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21]
تأمَّلوا — رحمكم الله — كيف جعلَ اللهُ الزواجَ آيةً من آياتِهِ، كآيةِ الليلِ والنهارِ، وكآيةِ السماواتِ والأرضِ! ثم انظروا إلى الثلاثيةِ العظيمةِ التي بُنيَ عليها البيتُ المسلمُ:
- السَّكَنُ: وهو الطُّمأنينةُ والاستقرارُ النفسيُّ
- المودَّةُ: وهي الحبُّ الفعليُّ المتبادلُ
- الرَّحمةُ: وهي اللِّينُ والعطفُ والتسامحُ
فإذا فُقِدَ السَّكَنُ صارَ البيتُ سجنًا، وإذا غابتِ المودَّةُ صارَ البيتُ جدرانًا صامتةً، وإذا ارتحلتِ الرَّحمةُ صارَ البيتُ ساحةَ قتالٍ.
أول أسرة في التاريخ: لقد كانت الأسرةُ أوَّلَ مؤسسةٍ أقامَها اللهُ في هذا الوجودِ، فحينَ خلقَ اللهُ آدمَ عليه السلام لم يتركْهُ وحيدًا، بل خلقَ له حواءَ لتكونَ له أُنسًا وسكنًا: قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: 189]
وهذا يدلُّنا على أنَّ الأسرةَ ليست اختراعًا بشريًّا، ولا عادةً اجتماعيةً قابلةً للإلغاءِ أو التعديلِ بحسبِ أهواءِ البشرِ، بل هي سُنَّةٌ إلهيةٌ كونيةٌ لا يستقيمُ الوجودُ بدونِها.
النبي ﷺ والأسرة: لقد كانَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم — وهو أعظمُ البشرِ قاطبةً — يُوليِ الأسرةَ اهتمامًا بالغًا. فحينَ سُئلت عائشةُ رضي الله عنها: ما كانَ النبيُّ ﷺ يصنعُ في بيتِهِ؟ قالت: كانَ يكونُ في مِهْنةِ أهلِهِ — تعني خدمةَ أهلِهِ — فإذا حضرتِ الصلاةُ خرجَ إلى الصلاةِ. [رواه البخاري]
هذا هو سيِّدُ الخلقِ، وإمامُ المرسلينَ، وقائدُ الأمَّةِ، يخدمُ أهلَهُ بيدِهِ! يَخيطُ ثوبَهُ، ويَخصِفُ نعلَهُ، ويَحلبُ شاتَهُ!
وقالَ صلى الله عليه وسلم: "خيرُكُم خيرُكُم لأهلِهِ، وأنا خيرُكُم لأهلي." [رواه الترمذي وابن ماجه]
فانظروا كيف جعلَ ﷺ معيارَ الخيريةِ ليسَ بكثرةِ المالِ ولا بعلوِّ المنصبِ ولا بسعةِ الجاهِ، بل بحُسنِ المعاملةِ في البيتِ!
ثانيًا: تحديات العصر التي تهدد الأسرة
التحدي الأول: الغزو الفكري والثقافي: أيُّها المسلمونَ: إنَّنا نعيشُ في زمنٍ تُحاصَرُ فيه الأسرةُ المسلمةُ من كلِّ جانبٍ. غزوٌ فكريٌّ منظَّمٌ يستهدفُ هدمَ القيمِ والثوابتِ، ويسعى لتفكيكِ الأسرةِ من الداخلِ.
قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: 109]
ومِن أخطرِ ما يُروَّجُ لهُ اليومَ: مفهومُ "الحريةِ المطلقةِ" التي لا تعرفُ حدودًا ولا ضوابطَ. يقولون للمرأةِ: أنتِ حُرَّةٌ! لا سلطةَ لأحدٍ عليكِ! ويقولون للشابِّ: عِشْ حياتَكَ كما تُريدُ! ويقولون للفتاةِ: جسدُكِ مُلكُكِ، تتصرفينَ فيهِ كما تشائينَ!
وهذا كلُّهُ حقٌّ أُريدَ بهِ باطلٌ. نعم، الإسلامُ كرَّمَ المرأةَ وأعطاها حقوقَها كاملةً، لكنَّ الحريةَ في الإسلامِ ليست فوضى، بل هي حريةٌ مسؤولةٌ منضبطةٌ بضوابطِ الشرعِ.
قال تعالى: ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: 120]
واقعٌ نعيشُهُ: كم من فتاةٍ مسلمةٍ سمعت هذه الشعاراتِ فتمردت على أبيها وأمِّها، وخرجت من بيتِها، ثم عادت — إن عادت — مكسورةَ الجناحِ، ذليلةَ النفسِ، نادمةً أشدَّ الندمِ! وكم من شابٍّ سمعَ هذه الأفكارَ فتخلَّى عن مسؤولياتِهِ تجاهَ أسرتِهِ، وعاشَ لنفسِهِ فقط، فضاعَ وضيَّعَ!
التحدي الثاني: وسائل التواصل الاجتماعي والشاشات: وهذا — واللهِ — من أعظمِ التحدياتِ وأخطرِها.
لقد دخلَ الهاتفُ المحمولُ كلَّ بيتٍ، وصارَ في يدِ كلِّ صغيرٍ وكبيرٍ. وصارت الشاشاتُ هي المربِّيَ الحقيقيَّ لأبنائِنا بدلًا منَّا!
واقعٌ مؤلمٌ: ادخلوا أيَّ بيتٍ اليومَ وانظروا: الأبُ في زاويةٍ منشغلٌ بهاتفِهِ، والأمُّ في زاويةٍ أخرى تتصفحُ مواقعَ التواصلِ، والأبناءُ كلُّ واحدٍ منهم في غرفتِهِ مع شاشتِهِ. خمسةُ أشخاصٍ تحتَ سقفٍ واحدٍ، لكنَّهم في خمسةِ عوالمَ مختلفةٍ!
أينَ الجلسةُ العائليةُ التي كنَّا نعرفُها؟ أينَ السمرُ والحوارُ والضحكُ؟ أينَ الأبُ الذي كانَ يجلسُ مع أبنائِهِ يُحدِّثُهُم ويسمعُ منهم؟ أينَ الأمُّ التي كانت تجمعُ أبناءَها حولَها وتحكي لهم قصصَ الأنبياءِ والصالحينَ؟
واقعٌ آخرُ نعيشُهُ: امرأةٌ اكتشفت أنَّ زوجَها يتحدثُ مع نساءٍ أجنبياتٍ عبرَ الإنترنت، ورجلٌ اكتشفَ أنَّ زوجتَهُ تبثُّ أسرارَ بيتِها لصديقاتِها في مجموعاتِ الدردشةِ، وأبٌ اكتشفَ أنَّ ابنَهُ المراهقَ يشاهدُ ما لا يُرضي اللهَ على هاتفِهِ في ظلامِ الليلِ.
قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: 19]
وقالَ ﷺ: "كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ." [متفق عليه]
فأينَ رعايتُنا لأبنائِنا ونحنُ نتركُهُم فريسةً سهلةً لكلِّ ذئبٍ إلكترونيٍّ يتربَّصُ بهم؟!
التحدي الثالث: ضعف الوازع الديني وغياب التربية الإيمانية: إنَّ كثيرًا من البيوتِ اليومَ — للأسفِ الشديدِ — خلت من ذكرِ اللهِ. لا قرآنَ يُتلى، ولا أذكارَ تُقالُ، ولا صلاةَ تُقامُ جماعةً في البيتِ، ولا درسَ علمٍ يُسمعُ.
بيوتٌ تسمعُ فيها الموسيقى صباحَ مساءَ، وتُشاهَدُ فيها الأفلامُ والمسلسلاتُ ليلَ نهارَ، لكنَّكَ لا تسمعُ فيها آيةً من كتابِ اللهِ إلا نادرًا!
قالَ ﷺ: "لا تجعلوا بُيوتَكُمْ مقابرَ، إنَّ الشيطانَ يَنْفِرُ مِنَ البيتِ الذي تُقرأُ فيهِ سورةُ البقرةِ." [رواه مسلم]
فسمَّى النبيُّ ﷺ البيتَ الذي لا يُقرأُ فيه القرآنُ مقبرةً! وكم من بيوتِنا اليومَ هي مقابرُ بهذا المعنى — لا حياةَ فيها ولا روحَ ولا نورَ!
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ﴾ [طه: 124]
واقعٌ نعيشُهُ: كم من أبٍ لا يعرفُ أبناؤُهُ متى يُصلِّي ومتى يُفطرُ! كم من أمٍّ لم تجلسْ مع ابنتِها يومًا لتُعلِّمَها سورةً من القرآنِ! ثم نتعجبُ: لماذا أبناؤُنا بعيدونَ عن اللهِ؟ لماذا لا يحترمونَنا؟ لماذا لا يسمعونَ كلامَنا؟!
والجوابُ بسيطٌ: مَن لم يزرعْ لم يحصدْ!
التحدي الرابع: المادية والانشغال بالدنيا: من أعظمِ ما ابتُليت به الأسرةُ المعاصرةُ: التَّكالبُ على الدنيا والانشغالُ بجمعِ المالِ عن تربيةِ الأبناءِ.
أبٌ يعملُ من الصباحِ إلى الليلِ، وربما كانَ له عملان أو ثلاثةٌ، يقولُ: أنا أعملُ من أجلِهِم! أنا أجمعُ المالَ لمستقبلِهِم! وهو لا يدري أنَّ أبناءَهُ لا يحتاجونَ مالَهُ بقدرِ ما يحتاجونَ وقتَهُ وحضورَهُ وقربَهُ.
واقعٌ مؤلمٌ: جاءَ رجلٌ إلى أحدِ المشايخِ يشكو عقوقَ ابنِهِ، فسألَهُ الشيخُ: متى آخرَ مرةٍ جلستَ مع ابنِكَ وتحدثتَ إليهِ؟ فسكتَ الرجلُ طويلًا ثم قالَ: لا أذكرُ! فقالَ له الشيخُ: أنتَ عققتَهُ قبلَ أن يعقَّكَ!
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: 9]
وقالَ ﷺ: "يا أيها الناسُ! إنَّ الدنيا خَضِرَةٌ حُلوةٌ، وإنَّ اللهَ مُستخلِفُكُم فيها فينظرُ كيفَ تعملونَ." [رواه مسلم]
التحدي الخامس: ارتفاع نسب الطلاق: أيُّها الإخوةُ والأخواتُ: إنَّ الأرقامَ التي نسمعُها عن نسبِ الطلاقِ في بلادِنا الإسلاميةِ تُفزعُ القلبَ وتُدمي العينَ. في بعضِ البلدانِ العربيةِ تصلُ نسبةُ الطلاقِ إلى أكثرَ من ثلاثينَ أو أربعينَ بالمئةِ! بل في بعضِها تتجاوزُ الخمسينَ بالمئةِ!
وكثيرٌ من حالاتِ الطلاقِ تحدثُ في السنواتِ الأولى من الزواجِ، مما يدلُّ على خللٍ كبيرٍ في البناءِ من الأساسِ.
وقد قالَ ﷺ: "أبغضُ الحلالِ إلى اللهِ تعالى الطلاقُ." [رواه أبو داود وابن ماجه]
واقعٌ نعيشُهُ: شابٌّ تزوَّجَ وبعدَ ثلاثةِ أشهرٍ طلَّقَ! لماذا؟ يقول: لم نتفاهمْ! وفتاةٌ طلبت الخلعَ بعدَ سنةٍ! لماذا؟ تقول: لم يكنْ كما تخيَّلتُهُ! وكأنَّ الزواجَ فيلمٌ رومانسيٌّ ينتهي بكلمةِ "النهاية"!
أينَ الصبرُ؟ أينَ التحمُّلُ؟ أينَ المودةُ والرحمةُ؟
قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19]
التحدي السادس: تدخل الأهل والأقارب: ومن البلاءِ الذي يُفسدُ كثيرًا من البيوتِ: تدخُّلُ الأهلِ في شؤونِ الزوجينِ بما لا يحقُّ لهم.
واقعٌ نعيشُهُ: أمٌّ تُحرِّضُ ابنَها على زوجتِهِ كلَّ يومٍ: "هذه لا تصلحُ لكَ! هذه لا تطبخُ جيدًا! هذه لا تنظِّفُ كما ينبغي! طلِّقْها وسأزوِّجُكَ خيرًا منها!" وأبٌ يُحرِّضُ ابنتَهُ: "لا تسمعي كلامَهُ! أنتِ ابنةُ فلانٍ! عودي إلى بيتِ أبيكِ!" وصديقةُ سوءٍ تقولُ لصاحبتِها: "زوجُكِ لا يستحقُّكِ! انظري إلى زوجِ فلانةٍ كيف يُعامِلُها!"
وكلُّ هؤلاءِ يهدمونَ ولا يبنونَ، ويُفسدونَ ولا يُصلحونَ.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: 35]
فالقرآنُ أمرَ بالإصلاحِ لا بالتخريبِ، وبالتوفيقِ لا بالتفريقِ.
التحدي السابع: المقارنات القاتلة: ومن آفاتِ العصرِ التي تنخرُ في جسدِ الأسرةِ: المقارناتُ — مقارنةُ الزوجِ بأزواجِ الأخرياتِ، ومقارنةُ الزوجةِ بزوجاتِ الآخرينَ، ومقارنةُ البيتِ ببيوتِ الجيرانِ.
وقد تفاقمَ هذا الأمرُ بسببِ وسائلِ التواصلِ، حيثُ يعرضُ الناسُ أجملَ لحظاتِهِم فقط — السفراتُ والهداياتُ والمطاعمُ والملابسُ — فتظنُّ المرأةُ أنَّ كلَّ الناسِ يعيشونَ في نعيمٍ إلا هيَ، ويظنُّ الرجلُ أنَّ كلَّ النساءِ أفضلُ من زوجتِهِ!
وقد نهانا النبيُّ ﷺ عن ذلكَ فقالَ: "انظُروا إلى مَن أسفلَ منكُم، ولا تنظروا إلى مَن هوَ فوقَكُم، فهوَ أجدَرُ ألَّا تَزدَروا نعمةَ اللهِ عليكُم." [متفق عليه]
قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [طه: 131]
ثالثًا: واجبات الأسرة المسلمة في مواجهة التحديات
الواجب الأول: إقامة البيت على تقوى الله: أيُّها المسلمونَ: إنَّ أوَّلَ خطوةٍ في بناءِ الأسرةِ السعيدةِ هي أن يُبنى البيتُ على أساسٍ متينٍ من تقوى اللهِ وطاعتِهِ.
قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: 109]
وتقوى اللهِ في البيتِ تعني:
- أن يكونَ البيتُ عامرًا بذكرِ اللهِ وتلاوةِ القرآنِ
- أن تُؤدَّى الصلواتُ في أوقاتِها
- أن يكونَ الحلالُ هو مصدرَ الرزقِ
- أن تكونَ أحكامُ الشرعِ هي الحاكمةَ في كلِّ خلافٍ
قال ﷺ: "إذا دخلَ الرجلُ بيتَهُ فذكرَ اللهَ عندَ دخولِهِ وعندَ طعامِهِ، قالَ الشيطانُ: لا مبيتَ لكُم ولا عشاءَ. وإذا دخلَ فلم يذكرِ اللهَ عندَ دخولِهِ قالَ الشيطانُ: أدركتُمُ المبيتَ. وإذا لم يذكرِ اللهَ عندَ طعامِهِ قالَ: أدركتُمُ المبيتَ والعشاءَ." [رواه مسلم]
فالبيتُ الذي يُذكرُ فيه اللهُ يطرُدُ الشيطانَ، والبيتُ الذي يُنسى فيه ذكرُ اللهِ يدخلُهُ الشيطانُ فيُفسِدُ بينَ أهلِهِ!
الواجب الثاني: حُسن اختيار شريك الحياة: ومن أعظمِ أسبابِ استقرارِ الأسرةِ: حُسنُ الاختيارِ من البدايةِ.
قالَ ﷺ: "تُنكحُ المرأةُ لأربعٍ: لمالِها ولحسَبِها ولجمالِها ولدينِها، فاظفَرْ بذاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يداكَ." [متفق عليه]
وقالَ ﷺ: "إذا أتاكُم مَن تَرضَوْنَ خُلُقَهُ ودينَهُ فزوِّجوهُ، إلَّا تفعلوا تكنْ فتنةٌ في الأرضِ وفسادٌ عريضٌ." [رواه الترمذي]
واقعٌ نعيشُهُ: أبٌ رفضَ شابًّا صالحًا خلوقًا لأنَّهُ فقيرٌ، وزوَّجَ ابنتَهُ رجلًا غنيًّا لا يعرفُ اللهَ، فماذا كانت النتيجةُ؟ دموعٌ وندمٌ وطلاقٌ! وأمٌّ أصرَّت أن تُزوِّجَ ابنَها فتاةً جميلةً من عائلةٍ ثريةٍ لكنها بعيدةٌ عن الدِّينِ، فماذا حدثَ؟ صراعاتٌ ومشاكلُ لا تنتهي!
الدِّينُ أولًا، ثم ما بعدَهُ. هذا هو المعيارُ النبويُّ الذي لا يخيبُ أبدًا.
الواجب الثالث: المودة والرحمة بين الزوجين: أيُّها الأزواجُ والزوجاتُ: إنَّ الحياةَ الزوجيةَ ليست حلبةَ مصارعةٍ يفوزُ فيها الأقوى، بل هي شراكةٌ قائمةٌ على الحبِّ والاحترامِ والتفاهمِ. قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: 187]
تأمَّلوا هذا التشبيهَ العجيبَ: اللباسُ! واللباسُ يسترُ ويُدفئُ ويُجمِّلُ ويحمي. فالزوجُ لباسٌ لزوجتِهِ — يسترُها ويحميها ويُدفئُها — والزوجةُ لباسٌ لزوجِها — تسترُهُ وتحميهِ وتُدفئُهُ. فهل يليقُ باللباسِ أن يكشفَ بدلًا من أن يسترَ؟!
من روائع السيرة النبوية:
- كانَ النبيُّ ﷺ يشربُ من الموضعِ الذي تشربُ منه عائشةُ رضي الله عنها من الإناءِ، ويأكلُ من الموضعِ الذي تأكلُ منه.
- وكانَ يُسابقُها في المشيِ، فسابقَها مرةً فسبقتْهُ، ثم سابقَها بعدَ ذلك فسبقَها، فقالَ: "هذه بتلكَ." [رواه أبو داود]
- وكانَ يُناديها بأحبِّ الأسماءِ: "يا عائشُ"
- وقالَ لها يومًا: "إنِّي لأعلمُ إذا كنتِ عنِّي راضيةً وإذا كنتِ عليَّ غضبى. فقالت: مِن أينَ تعرفُ ذلكَ؟ قالَ: أمَّا إذا كنتِ عنِّي راضيةً فإنَّكِ تقولينَ: لا وربِّ محمدٍ! وإذا كنتِ عليَّ غضبى قلتِ: لا وربِّ إبراهيمَ! قالت: أجل، واللهِ يا رسولَ اللهِ ما أهجرُ إلا اسمَكَ." [متفق عليه]
فانظروا إلى هذا الحبِّ الراقي، وهذا الفهمِ العميقِ، وهذه المداعبةِ اللطيفةِ!
واقعٌ نعيشُهُ: كم من زوجٍ لم يقُلْ لزوجتِهِ كلمةَ حبٍّ منذ سنينَ! وكم من زوجةٍ لم تُثنِ على زوجِها يومًا! وكم من بيوتٍ ماتَ فيها الحبُّ وبقيَ الجسدُ فقط — زواجٌ على الورقِ، لكنَّهُ في الحقيقةِ انفصالٌ عاطفيٌّ كاملٌ!
الواجب الرابع: حقوق الزوج على زوجته: قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: 34]
والقِوامةُ ليست تسلُّطًا ولا استبدادًا، بل هي مسؤوليةٌ وأمانةٌ وحمايةٌ وقيادةٌ حكيمةٌ — كقائدِ السفينةِ الذي يقودُها إلى برِّ الأمانِ، لا كالسجَّانِ الذي يُقيِّدُ السُّجناءَ.
وقالَ ﷺ: "لو كنتُ آمرًا أحدًا أن يسجدَ لأحدٍ لأمرتُ المرأةَ أن تسجدَ لزوجِها." [رواه الترمذي]
وهذا لبيانِ عِظَمِ حقِّ الزوجِ، لا للتَّعالي والتَّكبُّرِ.
ومن حقوقِ الزوجِ:
- أن تحفظَهُ في نفسِها ومالِهِ وبيتِهِ
- أن تُطيعَهُ في المعروفِ
- أن لا تُدخِلَ بيتَهُ مَن يكرهُ
- أن تشكرَهُ ولا تكفرَ عشيرتَهُ
قال ﷺ: "أُرِيتُ النَّارَ فإذا أكثرُ أهلِها النِّساءُ، يكفُرنَ. قيلَ: أيكفُرنَ باللهِ؟ قالَ: يكفُرنَ العشيرَ، ويكفُرنَ الإحسانَ. لو أحسنتَ إلى إحداهُنَّ الدَّهرَ كُلَّهُ، ثمَّ رأت منكَ شيئًا قالت: ما رأيتُ منكَ خيرًا قطُّ." [متفق عليه]
الواجب الخامس: حقوق الزوجة على زوجها: كما أنَّ للزوجِ حقوقًا، فإنَّ للزوجةِ حقوقًا عظيمةً أيضًا.
قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228]
ومن حقوقِها:
- النفقةُ: قال ﷺ: "ولهنَّ عليكُم رزقُهنَّ وكسوتُهنَّ بالمعروفِ." [رواه مسلم]
- حُسنُ المعاملةِ: قال ﷺ: "استوصوا بالنِّساءِ خيرًا." [متفق عليه]
- عدمُ الضربِ والإهانةِ: قال ﷺ: "لا يَجلِدُ أحدُكم امرأتَهُ جَلْدَ العبدِ ثمَّ يُجامِعُها في آخرِ اليومِ." [متفق عليه]
- العدلُ: إذا كانَ له أكثرُ من زوجةٍ
- الاحترامُ والتقديرُ: قال عمرُ بن الخطابِ رضي الله عنه: "كُنَّا في الجاهليةِ لا نعدُّ النساءَ شيئًا، فلمَّا جاءَ الإسلامُ وذكرَهُنَّ اللهُ رأينا لهنَّ بذلكَ علينا حقًّا."
واقعٌ مؤلمٌ: كم من رجلٍ يُعاملُ زوجتَهُ كخادمةٍ لا كشريكةِ حياةٍ! يأمرُها وينهاها ويصرخُ في وجهِها ويُهينُها أمامَ أبنائِها! وكم من رجلٍ يبخلُ على أهلِهِ وهو يُنفقُ على أصدقائِهِ بسخاءٍ! وكم من رجلٍ يمدحُ طبخَ أمِّهِ أمامَ زوجتِهِ ولا يذكرُ لها كلمةَ شكرٍ واحدةً!
يقول النبيُّ ﷺ: "لا يَفرَكْ مؤمنٌ مؤمنةً؛ إن كَرِهَ منها خُلُقًا رَضِيَ منها آخرَ." [رواه مسلم]
أي لا تُبغضْها لعيبٍ واحدٍ وتنسى عشراتِ المحاسنِ!
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
%%%%%%%%
جمع وترتيب د/ أحمد محمد أبو عيد


0 التعليقات