اتقان العمل للشيخ احمد أبو عيد







أو





بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين واشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين واشهد أن محمدا عبد الله ورسوله
وبعد
العناصـر
أولاً: مفهوم الإتقان
ثانياً:فضل العمل في الاسلام ووجوب اتقانه
ثالثاً: صور الإتقان
رابعاً:الجودة وإتقان العمل عند الأنبياء
خامساً: عوامل جودة المنتج الوطني وأثرها في نهضة الأمة
سادساً:نتائج غياب الإتقان عن حياة المسلمين
الموضـوع

أولاً: مفهوم الإتقان
والإتقان أيها الإخوة هو: الإتيان بالشيء على أكمل حالاته، وهو مأخوذ من قولهم تقن أرضه إذا ساق إليها الماء الخاثر بالطين لتصلح للزراعة.
وهو الإتيان بالأعمال على الوجه المطلوب، وعلى الوجه الذي يكسب به الإنسان ثقة الآخرين في شراء سلعته وصناعته. ويعني أيضًا: إحكام الأمور.
والإتقان عند أهل العلم أن تؤدي العمل على أكمل وجه، الإتقان في التعليم، الإتقان في التجارة، والوظيفة، والمنصب، والمتجر، والمزرعة....

ثانياً:فضل العمل في الاسلام ووجوب اتقانه
1-وجوب العمل والإنتاج والسعي للرزق حتى قيام الساعة
 قال تعالي: { هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ } ( الملك: 15)
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليغرسها فله بذلك أجر" [ السلسلة الصحيحة - الألباني ]
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم:"مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ"[البخاري]

ألم تر أن الله أوحى لمريم *** وهزّى إليك الجذع يسّاقط الرّطب.
ولو شاء أحنى الجذع من غير هزِّه *** إليها ولكن كل شيء له سبب

لذلك كان سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يهتم بالعمل والإنتاج والترغيب فيه فيقول: ما من موضع يأتيني الموت فيه أحب إلىَّ من موطن أتسوق فيه لأهلي أبيع وأشتري، وكان إذا رأي فتى أعجبه حاله سأل عنه: هل له من حرفة ؟ فإن قيل : لا. سقط من عينيه .وكان إذا مدح بحضرته أحد سأل عنه : هل له من عمل؟ فإن قيل : نعم .قال : إنه يستحق المدح . وإن قالوا : لا. قال : ليس بذاك . وكان يوصي الفقراء والأغنياء معاً بأن يتعلموا المهنة ويقول تبريرا لذلك:- فإنه يوشك أن يحتاج أحدكم إلى مهنة، وإن كان من الأغنياء.
وقال ايضا " إن الله خلق الأيدي لتعمل فإن لم تجد في الطاعة عملا وجدت في المعصية أعمالا "
2-اتخاذ المهنة للكسب مهما كانت دنيئة فهي خير من المسألة
 فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:" لَأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَتَصَدَّقَ مِنْهُ فَيَسْتَغْنِيَ بِهِ عَنْ النَّاسِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلًا أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ ذَلِكَ فَإِنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا أَفْضَلُ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ" (الترمذي وحسنه)
يُروى في ذلكَ أن رجلاً من الأنصارِ أتى النبيَ صلى الله عليه وسلم يسألُه، فقال: «أما في بيتك شيءٌ؟» قال: بلى، حِلسٌ نلبسُ بعضَه، ونبسُط بعضَه، وقَعبٌ نَشربُ فيه الماءَ، قال: «ائتني بهما»، قالَ: فأتاه بهما، فأخذَهما رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بيده، وقالَ: «من يشتري هذين؟» قالَ رجلٌ: أنا آخذهما بدرهمٍ، قالَ: «من يزيدُ على درهمٍ؟» -مرتينِ أو ثلاثاً-، قالَ رجلٌ: أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه، وأخذ الدرهمين، وأعطاهما الأنصاري وقالَ: «اشتر بأحدهما طعاماً فأنبذه إلى أهلك، واشتر بالآخرِ قَدوماً فأتني به»، فأتاه به، فشدَّ فيه صلى الله عليه وسلم عوداً بيده، ثم قالَ: «اذهب فاحتطِب وبع، ولا أرينَّكَ خمسةَ عشرَ يوماً»، فذهبَ الرجلُ يَحتطبُ ويبيعُ، فجاءَ وقد أصابَ عشرةَ دراهمٍ، فاشترى ببعضِها ثوباً وببعضِها طعاماً، فقالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:  «هذا خيرٌ لك من أن تجيءَ المسألةُ نكتةً في وجهكَ يومَ القيامةِ، إن المسألةَ لا تصلحُ إلا لثلاثةٍ، لذي فقرٍ مُدقِعٍ، أو لذي غُرمٍ مُفظِعٍ، أو لذي دَمٍ مُوجعٍ» (رواه أبو داودَ والترمذيِّ وحسنَّه).
فالرسول صلى الله عليه وسلم لقن هذا الرجل درساً لا ينساه ، وبهذا سد الرسول صلى الله عليه وسلم باباً من أبواب الكسل والتواكل، فلو أن الرسول أعطاه من الصدقة لفتح بذلك الباب على مصراعيه للكسالى والمتواكلين، ولأصبحت هذه مهنتهم كما هي مهنة الكثيرين في هذا العصر، وما يرى – من أمثال هؤلاء – في الموصلات والشوارع والطرقات لأقوى دليل على ذلك، لهذا كله حرم الإسلام البطالة والكسل والركود لأن ذلك يؤدي إلى انحطاط في جميع مجالات الحياة، فإنه يؤدي إلى هبوط الإنتاج، وتخلف الأمة، وانتشار الفوضي، وكثرة المتواكلين، إضافة إلى المذاق الغير الطبيعي للقمة العيش وخاصة إذا حصل عليها الكسول من عرق جبين غيره، فينبغي على الفرد أن يعمل ليأكل من  إنتاجه وكسب يده لأنه أفضل أنواع الكسب
 فقد أخرج البخاري عن المقدام بن معدي كرب قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ما أكل أحدٌ طعامًا قطّ خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإنّ نبي الله داود كان
يأكل من عمل يده".
3-جعل الله تعالي الضرب والسعي في الأرض جهاداً في سبيل الله
قال تعالي:{ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّه وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } ) المزمل: 20) قال الإمام القرطبي - رحمه الله - في تفسيره لهذه الآية: "سوى الله تعالي في هذه الآية بين درجة المجاهدين والمكتسبين المال الحلال ، فكان هذا دليلاً على أن كسب المال بمنزلة الجهاد لأنه جمعه مع الجهاد في سبيل الله"
وهذا ما أكده الرسول r - لأصحابه. فعَنْ كَعْبِ بن عُجْرَةَ، قَالَ: " مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ، فَرَأَى أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جِلْدِهِ وَنَشَاطِهِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: لَوْ كَانَ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى وَلَدِهِ صِغَارًا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ يُعِفُّهَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ رِيَاءً وَمُفَاخَرَةً فَهُوَ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ". [ صحيح الترغيب والترهيب - الألباني ] ، كما قال صلى الله عليه وسلم لسيدنا سعد: " إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ" (البخاري)
4-العمل عبادة في غير وقت العبادة
لأن كثيراً من الناس يتركون الصلاة بحجة العمل عبادة، لذلك وقَّتَ الله الصلاة بوقت فقال تعالى:{ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} (النساء: 103 )، وأمرك أن تترك تجارتك وعملك وتهرع إلى الصلاة، لأن هذا الوقت ملك لله ويحرم فيه بيع أو شراء أو عمل:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ }( الجمعة : 9 – 11 )
قال الإمام ابن كثير في تفسيره :"لَمَّا حَجَر الله عليهم في التصرف بعد النداء بيعاً وشراءً وأمرهم بالاجتماع، أذن لهم بعد الفراغ في الانتشار في الأرض والابتغاء من فضل الله، كما كان عرَاك بن مالك رضي الله عنه إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد، فقال: اللهم إني أجبتُ دعوتَك، وصليتُ فريضتك، وانتشرت كما أمرتني، فارزقني من فضلك، وأنت خير الرازقين، لهذا اتفق العلماء رضي الله عنهم على تحريم البيع بعد النداء الثاني. واختلفوا: هل يصح إذا تعاطاه متعاط أم لا؟ على
قولين، وظاهر الآية عدم الصحة كما هو مقرر في موضعه، والله أعلم." أ.ه
 وكان أحد الصالحين يعمل حداداً فإذا سمع الأذان لا ينزل المطرقة على السندان حتى يستجيب لنداء الله، لأن المؤذن يقول: الله أكبر، أي أكبر مما في يدك.
وقد عاتب الله بعض الصحابة لما انشغلوا بالتجارة وتركوا سماع الخطبة، فروي أن النبي صلى الله عليه وسلم بينما هو يخطب في الناس، إذ قدم المدينة عيرٌ تحمل تجارة، فلما سمع الناس بها، وهم في المسجد، انفضوا من المسجد، وتركوا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب استعجالاً لما لا ينبغي أن يستعجل له، فأنزل الله: { وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}، فلا ينبغي للعبد أن ينشغل بالدنيا وما فيها ويترك العبادة، لأن الله سخر كل هذه المخلوقات الكونية لخدمة الإنسان ليستعين بها على طاعة الله لا لتشغله عن عبادته!!!!
فالدين يجعل كل عمل أو إنتاج يقوم به الإنسان عبادة، ما دام يلتزم فيه بما يرضي الله رب العالمين، فالتجارة مثلاً عبادة، إذا بعد الإنسان في أثناء مزاولتها عن الغش والكذب والاستغلال والربا، وكذلك سائر الأعمال الدنيوية الأخرى ما دام الإنسان يبتعد في أثناء مزاولتها عن مساوئ الأخلاق، وهذا حافز للإنسان على إتقان عمله وتحسين سلوكه في الحياة، وتقوية صلته بالله، لأن الدين يروى في سلوك المتدينين به، وهو الذي يعد الإنسان ويجعله صالحاً للسير في الحياة على صراط الله المستقيم، مما يجعله أهلاً لكي يكون خليفة الله في الأرض، فيؤدي رسالته لتعمير الأرض بمنتجه الوطني؛ وإقامة شريعة الله فيها
عباد الله: هذه رسالة أحببت أن أبلغها لإخواني وآبائي الذين يعملون في حقولهم وزراعاتهم وتجاراتهم ومصانعهم – حبّا لهم وإشفاقاً عليهم - أن لا تشغلهم عن ربهم، اللهم إني قد بلَّغت اللهم فاشهد يا رب العالمين.
5-خلق خلقه بإتقان وحُسْن خِلْقَة
 قال تعالى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} [النمل: 88]. فكل شيءٍ في هذا الوجود يسير على وجه من الإتقان؛ لأنه صدر عن الله تعالى، وفي تلك الآية إشارة إلى عبيد الله بأن يتخلقوا بخلق الله في خلقه وصفته في الخلق والصناعة.
وقال تعالى : ” لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ” (التين ، آية : 4)
وقال تعالى :” صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ” (النمل ، آية : 88)

6-حب الله لمتقن عمله
عن عائشة  رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه " صحيح الجامع
إذا عمل المرء المكلَّف مرة *** عملا فإن العيب ألا يحسنه
فقد ذكر المختار أن إلهنا *** يحب لعبد خافه أن يتقنه

7-إتقان العمل إختبار وبلاء :
قَالَ تعالى: {إِنَّا جَعَلنَا مَا عَلَى الأَرضِ زِينَةً لَهَا لِنَبلُوَهُم أَيُّهُم أَحسَنُ عَمَلاً. )
وَقَالَ تعالى : الَّذِي خَلَقَ المَوتَ وَالحَيَاةَ لِيَبلُوَكُم أَيُّكُم أَحسَنُ عَمَلاً} [الكهف:7].
وقال تعالى : ( وقل أعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنين)

8- نهى عن الإهمال وأعتبرة فساد فى الارض :
قَالَ جل وعلا: {وَأَحسِنْ كَمَا أَحسَنَ اللهُ إِلَيكَ وَلا تَبغِ الفَسَادَ في الأَرضِ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المُفسِدِينَ} [القصص:77].
وَقَالَ تعالى: {وَلا تُفسِدُوا في الأَرضِ بَعدَ إِصلاحِهَا وَادعُوهُ خَوفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحسِنِينَ} [الأعراف:56] َ
قَالَ عز وجل: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعجِبُكَ قَولُهُ في الحَيَاةِ الدُّنيَا وَيُشهِدُ اللهَ عَلَى مَا في قَلبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الخِصَامِ . وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى في الأَرضِ لِيُفسِدَ فِيهَا وَيُهلِكَ الحَرثَ وَالنَّسلَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الفَسَادَ} [البقرة:205-204].

ثالثاً: صور الإتقان:
1- أمر النبيّ صلى الله عليه وسلّم بالإتقان حتى عند ذبح البهائم
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» رواه مسلم في صحيحه. فإذا كان الإتقان عند ذبح البهيمة مطلوبًا، فإن طلبه أشدّ -وأكثر طلبًا- عند القيام بأيّ عمل دينيًّا كان أو معنويًّا..

2-  أمر النبي صلى الله عليه وسلّم بالإتقان عند كفن الميت إذا مات
 فقد ورد في صحيح مسلم رحمه الله- «إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيُحَسِّنْ كَفَنَهُ»
 فإذا كان الإتقان مطلوبًا عند كفن الميت، وعند دفنه في قبره -كما سبق في قول النبيّ: سووا لحد هذا- فإن طلب الإتقان في غيره أولى وأعظم.

3-وَكُلّ شرائع وشعائر الإسلام قد أمرت الشريعة فيها بالإتقان، على النحو التالي:
أ-الوضوء: فها هو صلى الله عليه وسلّم بعد أن شرح هيئة الوضوء لأصحابه يخبرهم قائلاً: «هكَذَا الْوُضُوءُ فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ -أَوْ ظَلَمَ وَأَسَاءَ-» وهو حديث حسن صحيح رواه أبو داود في سننه.
ب-الأذان: فلا يؤذِّن إلا الأندى صوتًا؛ ففي مسند الإمام أحمد، وفي سنن الدار قطني في حديث مشروعية الأذان: أنّ عَبْداللَّهِ بْن زَيْد أُرِيَ الْأَذَانَ فِي الْمَنَامِ , فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ , فَقَالَ: «أَلْقِهِ عَلَى بِلالٍ», فَأَلْقَاهُ عَلَى بِلَالٍ, فَأَذَّنَ بِلَالٌ, قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَنَا رَأَيْتُهُ وَأَنَا كُنْتُ أُرِيدُهُ, قَالَ: «فَأَقِمْ أَنْتَ». وفي ذلك دلالة واضحة على احترام أهل الكفاءة المتقنة في مجالات التعبد... فكيف بمجالات الحياة العامة.

ج-الصلاة فلا يؤمّ الناس إلا الأتقن قراءة للقرآن، ففي الحديث الصحيح الذي رواه ابن ماجة، يقول النبي صلى الله عليه وسلّم لنفرٍ أسلموا حديثًا: "يَؤُمُّكُم أقرَؤُكم" وفي هذا دليل على احترام الإنسان المتقن قراءة وصلاةً وإن كان صبيًّا صغيرًا. وهذا الذي أسرع في صلاته ولم يتقنها أمره النبي بإعادتها مرة أخرى، وقال له: كما عند البخاري في صحيحه وعند مسلم أيضًا: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ المَسْجِدَ فَدَخَلَ رَجُلٌ، فَصَلَّى، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَرَدَّ وَقَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»، فَرَجَعَ يُصَلِّي كَمَا صَلَّى، ثُمَّ جَاءَ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» ثَلاَثًا، فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ، فَعَلِّمْنِي، فَقَالَ: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاَةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلاَتِكَ كُلِّهَا» فها هو رسول الله يعلمه إتقان العبادة وحسن أدائها.
دـتعلم القرآن
فإن الإتقان مهم جداً فقد قال -عليه الصلاة والسلام- : ((الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ)) رواه البخاري ومسلم .
4-الإتقان في مجالات الحكم والقضاء والرياسة
 ففي الحديث الصحيح عند البخاري: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» وهذا يسمّى: الإتقان في الفصل بين الناس والمساواة بينهم عند القضاء وعدم محاباة طرف على آخر لأي حسابات أو مجاملات.
وعلى هذا فإننا نلحظ -حتى لا نطيل في الاستدلال- أنّ الإتقان يدخل في كل مجالات الحياة، الدينية والدنيوية، التعبدية والحياتية، في القول والفعل، في الحركة والسكنة، وهذا هو الإسلام.
إن الإتقان في المفهوم الإسلامي ليس هدفاً سلوكياً فحسب، بل هو ظاهرة حضارية تؤدي إلى الرقي والتطور، وعليه تقوم الحضارات، ويعمر الكون.
فالموظف ،والتاجر،والمعلم،والطبيب،والعامل،والمدير،والقاضي،ورجل الأمن،
والمسؤول،والسائق،والنجار،وعامل النظافة،والمهندسن يجب أن يتقنوا أعمالهم؛ فلا
غش ولا خداع، ولا إهمال ولا تقصير؛ لأن العمل في الإسلام عبادة، وهو إذاً أمانة، وقد حذر المولى -سبحانه وتعالى- من ذلك، فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ).

رابعاً:الجودة وإتقان العمل عند الأنبياء :
1- قبل أن يكلف الله سيدنا آدم  بعمارة الأرض
 علَّمه الأسماء كلها فسلط الضوء ـ له ولذريته ـ إلى أبرز نقاط القوة لديهم لعمارة الأرض وهو العقل قال تعالي " وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ....."
وأخبرهم بأبرز نقاط الضعف التي قد تعوقهم كالدنيا والشيطان قال تعالي (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ" فاطر
 ووضع أمامهم هدفاً مرحلياً هو عمارة الأرض بشرع الله  قال تعالي (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ.... سورة النور:
 ورئيساً استراتيجياً هو رضى الله والجنة قال تعالي (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ" سورة التوبة: 100).

2- سيدنا نوح حرص على بناء سفينة متينة الصنع، على أعلى درجات الجودة، وليتأكد من ضمان الجودة كان إعلامه ، قال تعالى: ” وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا ” أي بعناية الله  [هود: 37].
3- سيدنا إبراهيم تدرج في تعريف عبَدَة الكواكب بخالقهم
قال تعالى"َكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ..." سورة الأنعام: 76-79)، ويستفاد منها التخطيط إشراك المستفيدين في الوصول إلى المنتَج المطلوب بتدرج منطقي.
 4-حرص سيدنا لوط على جودة المجتمع ، وأرشَدَ قومه إلى الزواج بالصالحات، فالزواج أحسن من الشذوذ ” أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ، وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ ” [الشعراء:165-166]، لذا حثهم على الزواج من نساء أمته الصالحات ـ وهن  ـ ” وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ.. ” [هود: 78].

 5-سيدنا شعيب يدعو الناس إلى العناية بجودة المقاييس التجارية ” فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ” [الأعراف: 85].
 6- سيدنا موسى يعاتب بني إسرائيل حين طلبوا تغيير الطعام الجيد، واستبداله بطعام أقل جودة ” قَال أَتَسْتَبْدِلُونَ الذِي هُوَ أَدْنَى بِالذِي هُوَ خَيْرٌ ” [البقرة: 61].
7- كان النظام والتنظيم سمة رغم كثرتهم وتنوع أصنافهم
 لذا وصفهم القرآن بصفة واضحة في جنود سيدنا سليمان  بقوله: ” وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ” [النمل:17]، أي: يمشون مع سيدنا سليمان  على ترتيب ونظام، فلا يتقدم أحدهم عن منزلته ولا يتأخر ومعرفته بغياب الهدهد ، كما أن تفقُّد سيدنا سليمان  القيادة الناجحة المتابِعة لشؤون الأفراد ومراقبتهم.
8- أحد الفتية من أصحاب الكهف
 رغم الجوع الشديد إلا أنه لم يمنعه جوعه من التذكير بأولوية البحث عن أطيب الطعام وأجوده، فقال مخاطباً إخوته مبيناً أن الجودة أولاً ” فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ ” [الكهف: 19].
9- صاحب الجنتين
هداه الله إلى زراعة كل بستان بأجود طريقة ” وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا، كِلْتَا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلالهُمَا نَهَرًا ” [الكهف: 32-33]. فالنهر دائم الجريان في وسط البستان؛ للري المستمر، والنخل على الحواف؛ لصد الرياح والغبار، ومعروشات الأعناب تشكل سقفاً فوق الزرع؛ فتحجب ما زاد عن حده من أشعة الشمس وتحفظ الحد المطلوب من الرطوبة التي يحتاجها الزرع، حينئذ يُخرج كل بستان أفضل ثمره وزرعه.
10-الإتقان في التخطيط عند يوسف :
قال تعالى" قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه ...بكيدهن عليم ( 50 ) .
14- الإتقان عند داوود
 قال تعالى :(وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ ۖ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ ) الانبياء وقال له :{أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} (11) سورة سبأ
 تقي كل الجسد، ولا تضيق على لابسها،{وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} فالمسمار بحسب الحلقة، فلا تجعل المسامير دقاقاً فتفلت، ولا غلاظاً فتكسر الحلق، قدّر في السرد، اجعله على قدر الحاجة، هذه العملية الإتقانية في مسألة الصناعة اللازمة للجهاد، كانت من شأن داود -عليه السلام- ، وفي هذا درس عظيم لهذه الأمة .

خامساً:عوامل جودة المنتج الوطني وأثرها في نهضة الأمة
1-زيادة المراقبة لله تعالى في جميع الأعمال والتصرفات، واستحضار عظمته
 يقول الله تعالى مبيّنًا أنه عليم خبير، يسمع ويرى، ويعلم خافية الأعين ويراقب العبد، ومن ثمّ ينبغي للعبد أن يستحضر هذا المعنى فيجدّ ويجتهد في كل حركاته وأعماله،
قال سبحانه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المجادلة: 7]. وصدق الرسول الكريم حين قال -كما في الحديث المتفق عليهلما سأله جبريل عن الإحسان قال: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»..

2- الترتيب ومراعاة الأولويات في كل الأمور، والتوازن في الحياة العامّة والخاصّة: وقد ثبت أن النبي ضبط لهؤلاء النفر الثلاثة الذين وفدوا إلى بيته يسألون عن عبادته، وقالوا ما قالوا، حتى نصحهم وأمرهم بالتوازن والإتقان ومراعاة الأولويات، ولا ننسى –بالتأكيد- ما نصح به سلمان أبا الدرداء بقوله له: «إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صَدَقَ سَلْمَانُ»... [رواه البخاري في صحيحه].

3-استشعار المسؤولية عن الأمة في الدنيا واستشعار السؤال يوم القيامة أمام الله
 قال الله تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة: 105]. فالله هو الذي يرى، وهو الذي سيحاسب، وهو الذي سنقف بين يديه جميعًا فرادى لا معنا شيء من الدنيا مهما علت قيمته، ولن ينفعنا حينها أحد مهما كان؛ قال عزّ وجلّ: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} [الأنعام: 94]. ويقول أيضًا سبحانه: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ} [الصافات: 24] ويقول عزّ مِن قائل جلّ في عُلاه: {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مريم: 95] فلنستحضر كل هذه الآيات العظيمة، ولنستشعر حجم المسؤولية التي سنحاسب عليها يوم القيامة -نسأل الله تعالى أن يخفف عنا وأن يعفو عنا وعنكم جميعًا يا رب العالمين.

4- تذكّر قصص الصالحين المتقنين
كيف أن الله تعالى أكرمهم بعفوه وعطائه وعظيم ثوابه، اقرأ إن شئت وتأمّل في قصة الصديق يوم أن ذهب للمرأة العمياء ليكنس لها بيتها، ويطبخ لها، ويصلح من أمرها، وهي لا تعرفه... وهذا عمر الفاروق العظيم، الذي كان يحمل الطعام إلى امرأة لها أطفال في أقصى المدينة، فلما أكلت وأطفالها، قالت له: يرحمك الله، كنت أوْلى بهذا الأمر –تقصد الخلافة والإمارة- من عمر بن الخطاب، وهي لا تعرف أنّه أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب!!.. وهذه الفتاة الصالحة التي نصحت أمها بألا تخلط اللبن بالماء، حتى وإن كان الحاكم والإمام لا يراها وأمها؛ فيكفي أن الله يراها، وأتقنت عملها، فكافأها الله تعالى بأن أنبت من ذريتها خليفة عادلاً حكم الأرض بالخير وفعل الخير في الغير، فكان نتيجة إتقانها، وثمرة أمانتها -إنه عمر بن عبدالعزيز-!!. إن القراءة في مثل هذه النماذج لتجعلنا نستحث الهمّة للتخلق بأخلاقهم، فلنتشبه، فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم؛ إنّ التشبّه بالكرام فلاحُ!

5- القراءة عن عالم النحل والنمل والعنكبوت خاصـة
لننظر كيف تتقن مخلوقات الله تعالى عملها ووظائفها في الحياة، فخلية النحل لا يُمكّن
فيها إلا للعاملين المجدّين المُتقِنين، يقول د. عائض القرنيففي عالم النَّحْل "لطفُ اللهِ يسري، وخيرُه يجرِي، وعنايتُه تلاحقُ تلكم الحشرة الضئيلة المسكينة، تنطلقُ من خليّتها بتسخيرٍ من الباري، تلتمسُ رزقهَا، لا تقعُ إلا على الطيبِ النقيِّ الطاهرِ، تمصُّ الرحيقَ، تهيمُ بالورودِ، تعشقُ الزَّهْر، تعودُ محمَّلةً بشرابٍ مختلفٍ ألوانُه فيه شفاءٌ للناسِ، تعودُ إلى خليتِها لا إلى خَلِيَّة أُخرى، لا تضلُّ طريقَها، ولا تحارُ في سُبلِها"، وأمّا عَالِـم النّمل: ما أرْوع انضباطه وإتقانه لأعماله، بل وتجده يتفنن في تخزين غذائه بما يعطيه القدرة على مقاومة أعباء الحياة، والعنكبوت: يرسم وينسج خيوطه بإتقان وبفنّ رائع للغاية... إنّ الإنسان وهو المخلُوق المكرّم من ربه تعالى، ينبغِي أن يكون أكرم خلُقًا وقيمًا من المخلوقات الأخرى؛ فقيمتنا ليست في الإنسانية فقط؛ بل فيما نحسنه من أعمال ومهام؛ فكما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: «وقيمة كل امرئ ما كان يحسنه».
6-دوْر المؤَسّسات التربويّة والتعليميّة والرسمية
في تنشئة أجيال الأمة على الإتقان نظريا وتطبيقيًّا، وذلك بزرع الرغبة في قلوبهم نحو الإتقان، والعمل على تكريم ومكافأة المتقنين، مكافأة مادية أو معنوية، كما كان يفعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع أصحابه الكرام، ولا يكون هذا إلا إذا كان الناصح والمربي قدوة في هذا السلوك، ورحم الله من قال: إذا كنت إمامي فكن أمامي!! وكيف يستقيم الظل والعوْد أعْوج!! ولا بُدّ من وضع خطط واضحة ذات أهداف واضحة يتم تجنيد كل وسائل المجتمع لخدمة ذلك.
7- ان ينال كل عامل حقه فقط
عَن أَبي حُمَيدٍ السَّاعِدِيِّ – رَضِيَ اللهُ عَنهُ – قَالَ: اِستَعمَلَ النَّبيُّ – صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ – رَجُلاً مِنَ الأَزْدِ يُقَالُ لَهُ ابنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا مَا لَكُم وَهَذَا أُهدِيَ إِلَيَّ. قَالَ: فَقَامَ رَسُولُ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ – فَحَمِدَ اللهَ وَأَثنَى عَلَيهِ ثم قَالَ: أَمَّا بَعدُ، فَإِنِّي أَستَعمِلُ الرَّجُلَ مِنكُم عَلَى العَمَلِ مِمَّا وَلاَّني اللهُ، فَيَأتِي فَيَقُولُ: هَذَا مَا لَكُم وَهَذَا هَدِيَّةٌ أُهدِيَت لِي! أَفَلا جَلَسَ في بَيتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ حَتى تَأتِيَهُ هَدِيَّتُهُ إِن كَانَ صَادِقًا؟! وَاللهِ لا يَأخُذُ أَحَدٌ مِنكُم شَيئًا بِغَيرِ حَقِّهِ إِلاَّ لَقِيَ اللهَ يَحمِلُهُ يَومَ القِيَامَةِ، فَلا أَعرِفَنَّ أَحَدًا مِنكُم لَقِيَ اللهَ يَحمِلُ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، وَلا بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ أَو شَاةً تَيعَرُ ” ثم رَفَعَ يَدَيهِ حَتى رُئِيَ بَيَاضُ إِبِطِيهِ يَقُولُ: ” اللَّهُمَّ هَل بَلَّغتُ؟ ” رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ.

8-البعد عن الظلم والغش وتوسيد الامر الى غير اهله والاحتكار والرشوة والواسطة وحرمان العمال من حقوقهم والاساءة اليهم وبيع السلع المعيوبة ..ز

حال الامة الان
إنّ أمم الأرض قد وعت الدرس، فبعد فشل كثير من الأمم وتأخرها، أيقنت أن المكان والمكانة، والقيمة والقامة للعاملين المجدّين المتقنين، وصارت الصناعة المتقنة هي صاحبة البيع والشراء، والسحب والإقبال..
أما سألنا أنفسنا لماذا يُقبل الناس –إذا أرادوا شراء سلعة مّا- على صناعة بلد معين؟
أما سألنا أنفسنا: لماذا تقدمت اليابان وتميزت صناعاتها، رغم أنها مُزّقت وضُربت بالنووي؟
أما نظرنا من حولنا: أين واقع الأمّة من الصناعات المشهود لها بالإتقان، في أيّ مجال؟
إننا بحاجة ماسة إلى أن نراجع أنفسنا اليوم في مهامنا ووظائفنا وحرفنا وأعمالنا؛ نراجع لنترقّى ونتقدّم؛ فلا مكان ولا مكانة لإنسان تافه -يعيش عالة على غيره- بين الأمم المتقدمة -اللهم إلا التسوّل والخدمة والتبعية والاستعباد- وهذا مما لا يليق بحال من الأحوال بخير أمّة أخرجت للناسفأتقن عملَك؛ -أخي المسلم- فإن الناقد بصير، فإن عملت العمل لنفسك عاد الخير عليك، وإن كان عائدًا على غيرك؛ فقد أشعت خيرك على غيرِك، وإن رآك غيرُك تتقن عملك يعلّم النّاس الإتقان والعودة إلى الدين الذي علّمك وعوّدك ذلك.

سادساً: نتائج غياب الإتقان عن حياة المسلمين
لا شك أيها الإخوة أنّ غياب هذه القيمة عن حياة أبناء الأُمّـة يجرّ ويلات كثيرة، تعود بالأثر السلبي والسيئ على الأفراد والمجتمعات، بل قل: على الإسلام نفسه، وهو بريء بالتأكيد من تقصير المسلمين. ومن بين آثار غياب الإتقان عن حياة المسلمين ما يلي:
1-الإساءة إلى الدين وتشويه صورته
 وتسويق صورة سيئة عن المسلمين وبلاد المسلمين وإنتاج المسلمين، فتصير الصناعة الخاصة بنا رديئة، ومن ثمّ يساء إلى الدين الذي ننتمي إليه، ولا شك أن مسؤولون عن جزء كبير من هذا التسويق السيئ للإسلام.
2-تأخر النصر والتمكين:
 فالنصر يا إخوة لا يتنزّل على الكسالى والخاملين، ولا يتنزّل على المُفَرِّطين؛ بل لا يتنزل إلا على العاملين المصلحين المُجِدِّين المُجيدين المحسنين، وصدق الله إذ يقول: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47] ومن أوائل صفات المؤمنين أنهم يعملون الصالحات، قال سبحانه: {وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 57] والتفريط في العمل ظلم وإساءة.
3-تسلّط أعداء الأُمّة على الأُمّة وأبنائها:
 فانظر -رحمني الله وإياك- إلى حال الغرب الآن، وكيف وصلوا إلى ما وصلوا إليه -بعد أن كانوا يتعلمون من الأمّة وعلمائها يومًا من الأيام، ولكن استطاعوا أن ينهضوا ويطوّروا وينتجوااستطاعوا أن يستغلوا الطاقات، ويوظفوها ويتقنوا أعمالهم بعد غفلة وفشل منهم، وصدق شيخنا الغزالي –رحمه الله- حين قال: «الناس رجلان: رجل نام في النوم، وآخر استيقظ في الظلام»... وبالمناسبة فإنّ تسلّط الأعداء على الاقتصاد أعطاهم قوة في التسلّط على القرارات السياسية والاجتماعية والأخلاقية والإعلامية والتجارية.
4- التخلّف الحضاري وغياب التقدّم للمسلمين
 ومن ثم التبعية للغير، والسير في ركاب الآخرين من الفائقين المتميزين.
5-انتشار الفوضى، وفقدان النظام، ومن ثم شيوع الظلم والاستبداد وضياع الحقوق.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك علي سيدنا محمد
إعداد الشيخ :احمد أبو عيد

التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات