إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا للشيخ احمد أبو عيد












الحمد لله الأول الذي ليس له ابتداء، الأخر الذي ليس له انتهاء، الصمد الذي ليس له وزراء، الواحد الذي ليس له شركاء، تكلم بكلام قديم أزلي في الأزل، وتفرد بالعز الذي لم يزل، وتنزه عن النقائص والعلل، وتقدس عن الفتور والخلل، سبحانه قسم عطائه بين عباده، وأبرم قضائه فلا معارض، له في مراده، وسبقت عنايته وولايته لآهل وداده، وخصهم برعايته وكفايته وإسعاده.
واشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كل شيء قدير
سبحانه يقول بلسان الحال
تعصي وتجهر بالعصيان إعلانا
**
وأستر الذنب إنعاما وإحسانا
ولا أجازي مسيئا بالفعل ولا أجزي
**
الذي تاه عصيانا وعدوانا
ومن أتى تائبا بالذل منكسرا

**
نعطيه من فضلنا عفوا وغفرانا

 وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وشفيعنا محمد عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه
خير الانام حبيب الله شافعنا
**
غيث وعون له الإحسان والكرم
ما نال فخر المصطفى أحد من
**
الأنام له البرهان والحكم
ماذا أقول بوصفي في الرسول
**
وقد أثنى عليه إله واحد حكم
صلى عليه إله العرش ما طلعت شمس

**
وما لاح ثغر البرق يبتسم

وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه وتمسك بسنته واقتدى بهديه واتبعهم بإحسان إلى يوم الدين ونحن معهم يا أرحم الراحمين
العناصر
أولًا: الترغيب في مراقبة الله                       
ثانيًا: أنواع المراقبة وحال السلف في مراقبتهم لله
ثالثًا: نماذج لمن راقبوا الله في سرهم وعلانيتهم
رابعًا: الوسائل المعينة على مراقبة الله         
خامسًا: الترهيب من التخلي عن المراقبة
الموضوع
تعريفها: قال ابن القيّم: المراقبة دوام علم العبد وتيقّنه باطّلاع الحقّ سبحانه وتعالى على ظاهره وباطنه .
وقال المحاسبيّ: المراقبة: دوام علم القلب بعلم الله- عزّ وجلّ- في السّكون والحركة علما لازما مقترنا بصفاء اليقين. أمّا أوّل المراقبة فهو علم القلب بقرب الرّبّ عزّ وجلّ
أولًا: الترغيب في مراقبة الله
 من صفات الأنبياء: قال تعالى: " وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23)" يوسف
يخبر تعالى عن امرأة العزيز التي كان يوسف في بيتها بمصر، وقد أوصاها زوجها به وبإكرامه [ { وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا] عَنْ نَفْسِهِ } أي: حاولته على نفسه، ودعته إليها، وذلك أنها أحبته حبًا شديدًا لجماله وحسنه وبهائه، فحملها ذلك على أن تجملت له، وغلقت عليه الأبواب، ودعته إلى نفسها، { وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ } فامتنع من ذلك أشد الامتناع، و { قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي [أَحْسَنَ مَثْوَايَ] }  وكانوا يطلقون "الرب" على السيد والكبير، أي: إن بعلك ربي أحسن مثواي أي: منزلي وأحسن إلي، فلا أقابله بالفاحشة في أهله، { إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ } قال ذلك مجاهد، والسدي، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم ([1]).
 من صفات المتقين: قال تعالى: ( وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (48) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (49)) الأنبياء
 هداية الله لهم: قال تعالى: ( اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23)) الزمر.
 تبديل السيئات إلى حسنات:عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ -r- فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -r- « قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا تَحَدَّثَ عَبْدِى بِأَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ حَسَنَةً مَا لَمْ يَعْمَلْ فَإِذَا عَمِلَهَا فَأَنَا أَكْتُبُهَا بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا وَإِذَا تَحَدَّثَ بِأَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً فَأَنَا أَغْفِرُهَا لَهُ مَا لَمْ يَعْمَلْهَا فَإِذَا عَمِلَهَا فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ بِمِثْلِهَا »([2]).
 في ظل عرش الرحمن: عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ r، قَالَ: سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ: الإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللهِ، اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ" ([3]) فهذا الرجل الذي دعته المرأة لم ينأ عن سبيلها إلا بمراقبة ربه.
 الوصول إلى أعلى درجات الطاعة: سأل  سيدنا جبريل رسول الله r  قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الإِحْسَانُ قَالَ « أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنَّكَ إِنْ لاَ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ » ([4]).
عن أبي هُرَيْرَةَ t قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -r- يَقُولُ « قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلاَّ الصِّيَامَ هُوَ لِى وَأَنَا أَجْزِى بِهِ فَوَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخِلْفَةُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ » ([5]). فلا يدخله صيامه رياء.
 المغفرة والأجر الكبير: قال تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (12)" الملك.
 دخول الجنة: قال تعالى: "جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا y وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (8)" البينة.
وقال تعالى: "وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (31) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (34) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (35)" سورة ق.  { أُزْلِفَتِ } أدنيت وقربت من المتقين، { غَيْرَ بَعِيدٍ } وذلك يوم القيامة، وليس ببعيد؛ لأنه واقع لا محالة، وكل ما هو آت آت، { هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ } أي: رجاع تائب مقلع، { حفيظ } أي: يحفظ العهد فلا ينقضه ولا ينكثه، { مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ } أي: من خاف الله في سره حيث لا يراه أحد إلا الله { وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ } أي: ولقي الله يوم القيامة بقلب سليم منيب إليه خاضع لديه، { ادْخُلُوهَا } أي: الجنة { بِسَلامٍ } ، قال قتادة: سلموا من عذاب الله، وسلم عليهم ملائكة الله، وقوله: { ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ } أي: يخلدون في الجنة فلا يموتون أبدًا، ولا يظعنون أبدًا، ولا يبغون عنها حولا، وقوله: { لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا } أي: مهما اختاروا وجدوا من أي أصناف الملاذ طلبوا أحضر لهم، { وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ } كقوله تعالى: { لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } [ يونس: 26]: أنها النظر إلى وجه الله الكريم ([6])
 لا يخفى على الله شيء: قال تعالى: " أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (80)" الزخرف ، أي: سرهم وعلانيتهم، { بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ } أي: نحن نعلم ما هم عليه، والملائكة أيضا يكتبون أعمالهم، صغيرها وكبيرها ([7]).
قال تعالى: " { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)" ق
قال ابن كثير: يخبر تعالى عن قدرته على الإنسان بأنه خالقه، وعلمه محيط بجميع أموره، حتى إنه تعالى يعلم ما توسوس به نفوس بني آدم من الخير والشر، وقوله: { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } يعني: ملائكته تعالى أقربُ إلى الإنسان من حبل وريده، { مَا يَلْفِظُ } أي: ابن آدم { مِنْ قَوْلٍ } أي: ما يتكلم بكلمة  { إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } أي: إلا ولها من يراقبها معتد  لذلك يكتبها، لا يترك كلمة ولا حركة، كما قال تعالى: { وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ } [ الانفطار] ([8])
وقال حميد الطويل لسليمان بن علي: عظني. فقال: لئن كنت إذا عصيت خاليا ظننت أنَّه يراك لقد اجترأت على أمر عظيم، ولئن كنت تظن أنه لا يراك فلقد كفرت.
وقال ابن القيم رحمه الله: "وأرباب الطريق مجمعون على أن مراقبة الله تعالى في الخواطر سبب لحفظها في حركات الظواهر، فمن راقب الله في سره حفظه الله في حركاته في سره وعلانيته"
 من أسمائه تعالى: المهيمن: وهو الرقيب الحافظ لكل شيء، الخاضع لسلطانه كل شيء، فهو القائم على خلقه، الشهيد عليهم، {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} [سورة الرعد: 33]، {إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} [سورة آل عمران: 5].
ما شاء كان وما في الكون خافية
**
تخفى على علمه بدأً ومنقلباً
إنا إليه أنبنا خاشعين له
**
وجاعلين له من ذكره سبباً
فلا شيء في ملكه طوع إرادته
**
بمستطيع خروجاً أينما ذهباً
جل المهيمن رباً لا شريك له

**
وجل إن لم يهب شيئاً وإن وهباً

 من آثار مراقبة الله : فبالمراقبة يعبد الرحمن، ويبنى الإيمان، ويطرد الشيطان، وبالمراقبة يكون جمال الحياة وصلاح الدنيا وسعادة الناس، وبالمراقبة تصلح حياة الخلق مع الله وفيما بينهم، وتصلح ذواتهم، وبالمراقبة تمنع النفس هواها، وبالمراقبة تؤدى الواجبات والحقوق والأمانات، وبالمراقبة تذرف الدموع وتخشع القلوب وتسكب العبرات، وبالمراقبة يقام العدل والوئام، وتصان الحقوق وتحفظ الدماء والأعراض، وبالمراقبة يبر الأبناء آبائهم وتصل الأرحام، فهذه هي المراقبة.
ثانيًا: أنواع المراقبة وحال السلف في مراقبتهم لله
أنواع المراقبة
أ-المراقبة تكون قبل العمل: قبل أن تقدم على العمل ينبغي أن تسأل نفسك؛ هل لك فيه نية؟، ما ذا تريد بهذا العمل الذي تقوم به؟، حينما تريد أن تتصدق بصدقة هل هذه الصدقة تريد بها وجه الله أو أنك تجمع خسارة في الدنيا وعذاباً في الآخرة؟، إذا كان الإنسان ينفق من أجل أن يقال منفق، فيكون من أول من تسعر بهم النار يوم القيامة، هذا الإنسان الذي يريد أن يطلب العلم هل يريد أن يطلب هذا العلم من أجل أن يقال عالم، حينما يقوم الإنسان بمشروع من الأعمال الطيبة من إغاثة المنكوبين أو القيام على الفقراء والأرامل والأيتام، هذه أعمال جليلة، وتتطلب من الإنسان ألوان التضحيات، فينفق فيها وقته وجهده، ولربما لا يراه أهله إلا في قليل من الوقت، هل لك فيه نية، يسأل الإنسان حينما يريد أن يقدم على هذه الأعمال هل هو لله؟، هل للنفس فيه هوى؟، هل للشيطان فيه نزغة فيتثبت؟، فإن كان لله أمضاه، وإن كان لغيره صحح نيته وأخلص قصده وعمله، وفي هذا يقول الحسن البصري رحمه الله: "كان أحدهم إذا أراد أن يتصدق بصدقة نظر وتثبت، فإن كان لله أمضاه، ويقول: رحم الله عبداً وقف عند همه فإن كان لله مضى وإن كان لغيره تأخر".
ب- أثناء العمل:  يحتاج الإنسان إلى مراقبة لله عز وجل وهو يعمل، ونحن نصلي نراقب الله عز وجل في صلاتنا في ركوعنا وسجودنا وما نقوله فينا في صيامنا نراقب الله عز وجل لا نتكلم بكلام ينافي الصوم ولا نفعل فعلاً يخدشه، ونحن حينما نقوم بعمل من الأعمال الدعوية أو غير الأعمال الدعوية مما يحبه الله عز وجل ويرضاه أثناء العمل نصحح النية ونتابع فإن القلب كثير التقلب ولذلك قيل له الفؤاد والله أعلم لكثرة تفؤده وتوقده بالخواطر والأفكار والإرادات، يبدأ الإنسان بنية صحيحة ثم تجد قلبه يتقلب عليه، فيحتاج إلى ملاحظة دائمة أثناء العمل. الذي يتكلم يلاحظ نفسه عند الكلام، والذي يعمل يلاحظ نفسه عند العمل، والذي يكون حتى في أعماله المباحة يلاحظ ويراقب نفسه عند القيام بهذا العمل المباح. فالعبد أيها الأحبة إذا كان في طاعة يتفقد عمله هل جاء بأركانه وشروطه وواجباته وما أشبه ذلك. إذا كان في معصية ينزجر وينكف ويتذكر نظر الله عز وجل إليه.
ج-بعد العمل : هل أخلص لله فيه هل كان كاملا ام ناقصا هل هو نافع أم ضار............
رقيب على كل الوجود مهيمن
**
على الفلك الدوار نجماً وكوكبا
رقيب على كل النفوس وإن تلذ
**
بصمت ولم تجهر بسر تغيبا
رقيب تعالى مالك الملك مبصر

**
به كل شيء ظاهر أو محجبا

حال السلف مع المراقبة والمحاسبة
قال أبو حفص: إذا جلست للناس فكن واعظا لنفسك وقلبك ولا يغرنك اجتماعهم عليك فإنهم يراقبون ظاهرك والله رقيب على باطنك .
وقال محمد بن علي الترمذي : اجعل مراقبتك لمن لا تغيب عن نظره إليك وأجعل شكرك لمن لا تنقطع نعمة عنك وأجعل طاعتك لمن لا تستغنى عنه وأجعل خضوعك لمن لا تخرج عن ملكه وسلطانه .
وسئل ذو النون بم ينال العبد الجنة فقال بخمس استقامة ليس فيها روغان واجتهاد ليس معه سهو ومراقبة الله تعالى في السر والعلانية وانتظار الموت بالتأهب له ومحاسبة نفسك قبل أن تحاسب .
وقال سفيان الثوري: عليك بالمراقبة ممن لا تخفى عليه خافية وعليك بالرجاء ممن يملك الوفاء وعليك بالحذر ممن يملك العقوبة
وقال أنس بن مالك سمعت عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه يوما وقد خرج وخرجت معه حتى دخل حائطا(بستانا) فسمعته يقول وبيني وبينه جدار وهو في الحائط عمر بن الخطاب أمير المؤمنين بخ بخ والله لتتقين الله أو ليعذبنك .
وقال الحسن في قوله تعالى ولا أقسم بالنفس اللوامة قال لا يلقى المؤمن إلا يعاتب نفسه ماذا أردت بكلمتي ماذا أردت بأكلتي ماذا أردت بشربتي والفاجر يمضي قدما لا يعاتب نفسه .
وقال مالك بن دينار رحمه الله تعالى رحم الله عبدا قال لنفسه ألست صاحبة كذا ألست صاحبة كذا ثم ذمها ثم خطمها ثم ألزمها كتاب الله تعالى فكان له قائدا .
وقال إبراهيم التيمي مثلت نفسي في الجنة آكل من ثمارها وأشرب من أنهارها وأعانق أبكارها ثم مثلت نفسي في النار آكل من زقومها وأشرب من صديدها وأعالج سلاسلها وأغلالها فقلت لنفسي يا نفس أي شيء تريدين فقالت أريد أن أرد إلى الدنيا فأعمل صالحا قلت فأنت في الأمنية فاعملي .
كما نقل عن توبة ابن الصمة وكان محاسبا لنفسه فحسب يوما فإذا هو ابن ستين سنة فحسب أيامها فإذا هي أحد وعشرون ألف يوم وخمسمائة يوم فصرخ وقال يا ويلتي ألقى الملك بأحد وعشرين ألف ذنب فكيف وفي كل يوم عشرة آلاف ذنب .
وقال القاسم بن محمد :غدوت يوما وكنت إذا غدوت بدأت بعائشة رضي الله عنها أسلم عليها فغدوت يوما إليها فإذا هي تصلى صلاة الضحى وهي تقرأ فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم وتبكي وتدعو وتردد الآية فقمت حتى مللت وهي كما هي فلما رأيت ذلك ذهبت إلى السوق فقلت أفرغ من حاجتي ثم أرجع ففرغت من حاجتي ثم رجعت وهي كما هي تردد الآية وتبكي وتدعو .
وقيل للحسن ما بال المتهجدين أحسن الناس وجوها فقال لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم نورا من نوره .
ويقول  الدكتور مصطفى السباعي (إذا همّت نفسك بالمعصية فذكرها بالله، فإذا لم ترجع فذكرها بأخلاق الرجال، فإذا لم ترجع فذكرها بالفضيحة إذا علم بها الناس، فإذا لم ترجع فاعلم أنك تلك الساعة قد انقلبت إلى حيوان.)
يقول أحد تلامذة الإمام سفيان الثوري رحمه الله تعالى: كنت أتعجب من حياة الإمام! وكنت من عجبي به أتبعه في خلواته وجلواته، ثم رأيت منه عجباً، رأيت أنه يقف في اليوم مرات يخرج من جيبه رقعة فينظر إليها ثم يعيدها، يفعل ذلك في اليوم مرات، يقول: فازددت إصراراً في معرفة السر على الورقة، فما زلت خلف الإمام أتبعه، وألحظه في خلواته وجلواته حتى وقعت الورقة في يدي، فنظرت فيها فإذا مكتوب فيها… يا سفيان ! اذكر وقوفك بين يدي الله عز وجل، سبحان الله! سفيان الثوري رضي الله تعالى عنه علم أن هذه النفس تغفل، فأراد أن يؤدبها وأن يربيها، فكتب هذه العبارة في هذه الورقة، فكلما همت نفسه بمعصية أو غفلت، أخرجها فنظر إليها وقرأها فتذكر الآخرة، وتذكر وقوفه بين يدي الله عز وجل.
ثالثًا: نماذج لمن راقبوا الله في سرهم وعلانيتهم
 أصحاب الغار: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -r- أَنَّهُ قَالَ « بَيْنَمَا ثَلاَثَةُ نَفَرٍ يَتَمَشَّوْنَ أَخَذَهُمُ الْمَطَرُ فَأَوَوْا إِلَى غَارٍ فِى جَبَلٍ فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ انْظُرُوا أَعْمَالاً عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَةً لِلَّهِ فَادْعُوا اللَّهَ تَعَالَى بِهَا لَعَلَّ اللَّهَ يَفْرُجُهَا عَنْكُمْ. فَقَالَ أَحَدُهُمُ اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِى وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ وَامْرَأَتِى وَلِىَ صِبْيَةٌ صِغَارٌ أَرْعَى عَلَيْهِمْ فَإِذَا أَرَحْتُ عَلَيْهِمْ حَلَبْتُ فَبَدَأْتُ بِوَالِدَىَّ فَسَقَيْتُهُمَا قَبْلَ بَنِىَّ وَأَنَّهُ نَأَى بِى ذَاتَ يَوْمٍ الشَّجَرُ فَلَمْ آتِ حَتَّى أَمْسَيْتُ فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ فَجِئْتُ بِالْحِلاَبِ فَقُمْتُ عِنْدَ رُءُوسِهِمَا أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا مِنْ نَوْمِهِمَا وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْقِىَ الصِّبْيَةَ قَبْلَهُمَا وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَىَّ فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِى وَدَأْبَهُمْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّى فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ. فَفَرَجَ اللَّهُ مِنْهَا فُرْجَةً فَرَأَوْا مِنْهَا السَّمَاءَ. وَقَالَ الآخَرُ اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَتْ لِىَ ابْنَةُ عَمٍّ أَحْبَبْتُهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ وَطَلَبْتُ إِلَيْهَا نَفْسَهَا فَأَبَتْ حَتَّى آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ فَتَعِبْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مِائَةَ دِينَارٍ فَجِئْتُهَا بِهَا فَلَمَّا وَقَعْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا قَالَتْ يَا عَبْدَ اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ وَلاَ تَفْتَحِ الْخَاتَمَ إِلاَّ بِحَقِّهِ. فَقُمْتُ عَنْهَا فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّى فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا فُرْجَةً. فَفَرَجَ لَهُمْ. وَقَالَ الآخَرُ اللَّهُمَّ إِنِّى كُنْتُ اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقِ أَرُزٍّ فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ أَعْطِنِى حَقِّى. فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ فَرَقَهُ فَرَغِبَ عَنْهُ فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرِعَاءَهَا فَجَاءَنِى فَقَالَ اتَّقِ اللَّهَ وَلاَ تَظْلِمْنِى حَقِّى. قُلْتُ اذْهَبْ إِلَى تِلْكَ الْبَقَرِ وَرِعَائِهَا فَخُذْهَا. فَقَالَ اتَّقِ اللَّهَ وَلاَ تَسْتَهْزِئْ بِى . فَقُلْتُ إِنِّى لاَ أَسْتَهْزِئُ بِكَ خُذْ ذَلِكَ الْبَقَرَ وَرِعَاءَهَا. فَأَخَذَهُ فَذَهَبَ بِهِ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّى فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا مَا بَقِىَ. فَفَرَجَ اللَّهُ مَا بَقِىَ." ([9]).  والحلاب : الإناء الذي يحلب فيه اللبن ، ويتضاغون : يبكون ويصيحون. ، والفرق : مكيال يسع ستة عشر رطلا. 
 فما فعلوا ما فعلوه إلا خوفًا من الله ومراقبته لهم.
 بنت بائعة اللبن: لمَّا نهى عمر t في خلافته عن خلْطِ اللَّبن بالماء، وخرج ذات ليلةٍ في حواشي المدينة، وأسند ظهْرَهُ إلى جدارٍ ليرْتاح، فإذا بامرأةٍ تقول لابنتها: ألا تَمْذُقين اللَّبنَ بالماء؟ فقالت الجارية: كيف أمذُقُ وقد نَهى أميرُ المؤمنين عن المذق؟! فقالت الأم: فما يُدْرِي أميرَ المؤمنين؟ فقالت الجارية: إن كان عُمر لا يعلمُه فإلهُ عمر يعلَم، ما كنت لأفعله وقد نَهى عنه.
فوقعتْ مقالتُها من عمر t فلمَّا أصبح دعا عاصمًا ابنَه فوصفها له ومكانَها، وقال: اذهب يا بنَيَّ فتزوَّجْها، فتزوَّجها عاصمُ بن عُمر، فولدتْ له بنتًا فتزوَّجَها عبد العزيز بن مَرْوان بن الحَكَم، فأتتْ بِعُمر بن عبد العزيز t.
إنَّها ذرِّيَّة بعضُها من بعضٍ، ذرِّيَّة خيْرٍ لأمَّتِه وعقيدتِه، وإنَّها ثَمرةُ التَّمكين لهذا الدين في الأرض، ودفعة قويَّة لتوحيد شَمْلِ الأُمَّة الإسلاميَّة على تسخير ما وهبها الله من خوف وإخلاص لله - تعالى - في خِدْمة دينِها أوَّلاً، وفي السياقِ نفسِه توفيرُ إنتاجٍ غذائي يحدُّ من الأمراض القلبيَّة والجسديَّة، ومَن يُساعد على تقوية الإنتاج المحلِّي وتطويره.
 من ترك شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منْه: ذكر ابنُ الجوْزي - رحِمه الله - في "صفة الصفوة" قصَّة عجيبةً - واللهِ - تنمُّ عن عُمْق الخوْفِ من الله سبحانه وتعالى والأَوْلى - أخي الحبيب - أن تُكْتَب بماء العيون بدَلَ ماءِ الذَّهَب.
قال نافع: خرجت مع ابْنِ عُمر في بعض نواحي المدينة، ومعه أصحابٌ له، فوضعوا سُفرةً، فمرَّ بِهم راعٍ، فقال  له عبد الله: هلمَّ يا راعي، فأصِبْ من هذه السُّفرة.
 فقال:   إنِّي صائم، فقال له عبد الله: في مثلِ هذا اليومِ الشَّديد حرُّه، وأنت في هذه الشِّعاب في آثارِ هذِه الغنَم، وبين الجبال ترعى هذه الغنم، وأنت صائم!
فقال الراعي: أُبادر أيَّامي الخالية، فعجِب ابنُ عمر، وقال: هل لك أن تبيعَنا شاةً من غنمِك نجتَزِرُها، ونُطْعِمك من لَحمها ما تفطِرُ عليه، ونعطيك ثَمنَها؟ قال: إنَّها ليستْ لي، إنَّها لمولاي، قال: فما عسيْتَ أن يقول لكَ مولاك إن قُلْتَ: أكلها الذئب؟ فمضى الرَّاعي وهو رافعٌ   إصبعَه إلى السماء، وهو يقول: فأين الله؟ قال: فلمْ يزل ابنُ عُمر يقول: قال الراعي: فأين الله، فما عدا أن قدِم المدينةَ، فبعث إلى سيِّده فاشترى منه الرَّاعي والغنم، فأعتق الرَّاعيَ، ووهبَ له الغَنم ([10]).
 والد عبد الله بن المبارك: كان هناك رجل اسمه نوح ابن مريم كان ذي نعمة ومال وثراء وجاه، وفوق ذلك صاحب دين وخلق، وكان له ابنة غاية في الجمال، ذات منصب وجمال. وفوق ذلك صاحبة دين وخلق، وكان معه عبد اسمه مبارك، لا يملك من الدنيا قليلا ولا كثيرا ولكنه يملك الدين والخلق، ومن ملكهما فقد ملك كل شيء، أرسلَه سيده إلى بساتين له، وقال له اذهب إلى تلك البساتين واحفظ ثمرها وكن على خدمتها إلى أن آتيك.
مضى الرجل وبقي في البساتين لمدة شهرين، وجاءه سيده، جاء ليستجم في بساتينه، ليستريح في تلك البساتين، جلس تحت شجرة وقال يا مبارك، آتني بقطف من عنب، جاءه بقطف فإذا هو حامض، فقال آتني بقطف آخر إن هذا حامض، فأتاه بآخر فإذا هو حامض، قال آتني بآخر، فجاءه بالثالث فإذا هو حامض، كاد أن يستولي عليه الغضب، وقال يا مبارك أطلب منك قطف عنب قد نضج، وتأتني بقطف لم ينضج، ألا تعرف حلوه من حامضه ؟
قال : والله ما أرسلتني لأكله وإنما أرسلتني لأحفظه وأقوم على خدمته، والذي لا إله إلا هو ما ذقت منه عنبة واحدة، والذي لا إله إلا هو ما رقبتك ، ولا رقبت أحداً من الكائنات، ولكني راقبت الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، أعجب به، وأعجب بورعه وقال الآن أستشيرك، والمؤمنون نصحة، والمنافقون غششه، والمستشار مؤتمن، وقد تقدم لابنتي فلان وفلان من أصحاب الثراء والمال والجاه، فمن ترى أن أزوج هذه البنت ؟
فقال مبارك: لقد كان أهل الجاهلية يزوجون للأصل والحسب والنسب، واليهود يزوجون للمال، والنصارى للجمال، وعلى عهد رسول الله r، يزوجون للدين والخلق، وعلى عهدنا هذا للمال والجاه، والمرء مع من أحب، ومن تشبه بقوم فهو منهم، أي نصيحة وأي مشورة ؟ نظر وقدر وفكر وتملى فما وجد خيرا من مبارك، قال أنت حر لوجه الله (أعتقه أولا)، ثم قال لقد قلبت النظر فرأيت أنك خير من يتزوج بهذه البنت، قال أعرض عليها، فذهب وعرض على البنت وقال لها: إني قلبت ونظرت وحصل كذا وكذا، ورأيت أن تتزوجي بمبارك، قالت أترضاه لي ؟ قال نعم، قالت : فإني أرضاه مراقبة للذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فكان الزواج المبارك من مبارك، فما الثمرة وما النتيجة ؟ حملت هذه المرأة وولدت طفلا أسمياه عبد الله، لعل الكل يعرف هذا الرجل، إنه عبد الله ابن المبارك المحدث الزاهد العابد الذي ما من إنسان قلب صفحة من كتب التاريخ إلا ووجده حيا بسيرته وذكره الطيب.
إن ذلك ثمرة مراقبة الله عز وجل في كل شيء، أما والله لو راقبنا الله حق المراقبة لصلح الحال، واستقامة الأمور.
رابعًا: الوسائل المعينة على مراقبة الله
 التعرُّف على الله: فالإيمان بأسماء الله تعالى: الرقيب، والحفيظ، والعليم، والسميع، والبصير، والتعبد لله تعالى بمقتضاها يورث مراقبة الله تعالى. فالرقيب الذي يرصد أعمال عباده، والحفيظ الذي يحفظ عباده المؤمنين، ويحصي أعمال العباد، والعليم الذي لا تخفى عليه خافيةٌ من أمور عباده، والسميع المدرك للأصوات، والبصير الذي يرى كل شيء.
قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء/1]، وقال: (إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) [هود/57]، وقال: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [المجادلة/7]، وقال: (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الإسراء/1].
والإيمانُ بأنَّ الله تعالى سميع يمنع من أن يصدر عن المسلم كلام يسخط الله، إنَّ عائشة رضي الله عنها لمَّا جاءت المجادِلة إلى رسول الله r في غرفتها تشكو زوجها غاب عن سمعها كثير من كلامها، فلما نزلت السورة قالت: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ، لَقَدْ جَاءَتْ الْمُجَادِلَةُ إِلَى النَّبِيِّ r وَأَنَا فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ تَشْكُو زَوْجَهَا وَمَا أَسْمَعُ مَا تَقُولُ، فَأَنْزَلَ الله: }قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا..." ([11])
وإذا خلوت بريبـةٍ في ظلمة 

**
والنفس داعـية إلى الطغيان

فاستح من نظر الإله وقل لها 
**
إن الذي خلق  الظلام يراني


وقال آخر:
إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل 
**
خلوت ولكن قل عليَّ رقيب
ولا تحسبن الله   يغفُل ساعــة 
**
ولا أن ما تخفيـه  عنه يغيب
ألم ترَ أنَّ اليوم أسرعُ ذاهــبٍ

**
وأن غدا للناظــرين  قريب

وهذا شاب وقع أسيراً لشهوته رأى فتاة فراودها عن نفسها وقال لها: لا يرانا أحد؟ ومن يرانا في ظلام كهذا غير الكواكب؟! فقالت: وأين مكوكِبُها؟ فقام وتركها.
وقال رجل للجنيد: بم أستعين على غض البصر؟ فقال: بعلمك أن نظر الناظر إليك أسبق من نظرك إلى المنظور إليه([12]).  وقال رجل لوُهَيب بن الوَرْد رحمه الله : عظني ؟ قال : اتق أن يكون الله أهون الناظرين إليك .
  علم الله بكل شيء: قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [سورة البقرة الآية: 235]
أن تشعر أن الله مطلع على ما في نفسك، أي خاطر يأتيك، وأي حديث نفس داخلي يجري، الله عز وجل مطلع عليه، ويقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [سورة النساء الآية: 1]
رقيب على كل شيء، ونحن أحياناً نراقب ظاهر الإنسان، لكنه جل جلاله يراقب ظاهره وباطنه، أي: هذا الإنسان إذا بقي ساكتاً وساكناً مطلع على قلبه، إذا تحرك مطلع على حركته، إذا نطق مطلع على نطقه، إن كنت ساكتاً ساكناً مطلع على قلبك، إن تحركت يرى حركتك، إن نطقت يسمع كلامك، ما هي المعية العامة وما هي المعية الخاصة؟ : والآية الثالثة: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [سورة الحديد] ،في أشد حالاتك الخاصة هو معك، في أشد علاقاتك الحميمة هو معك، في خلوتك وفي جلوتك، في سرك وفي علانيتك، في حركاتك وفي سكناتك، هنا معكم بعلمه: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [سورة الحديد 4]
بعلمه، لأن المعية العامة تعني العلم، بينما المعية الخاصة تعني التوفيق والحفظ والتأييد والنصر.
 الخوف من الله وحده: إنَّ المديرَ في إدارته، والمهندِسَ في مكتبِه، والمبَرْمِج في برمَجته، والمدرِّس في مدرسته، والعامِلَ في معملِه، والشرطيَّ في مخفرِه، والقاضيَ في محكَمَتِه، والصحفيَّ في جريدته، والكاتبَ في كتاباته، عمومًا: كلّ مسؤولٍ من موقِع مهمَّته؛ كما قال النَّبيُّ - r -: ((ألا كلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّتِه، فالأميرُ الذي على النَّاس راعٍ،   وهو مسؤول عن رعيَّته، والرجُل راعٍ على أهل بيْتِه، وهو مسؤول عنْهم، والمرأةُ راعية على بيْتِ بعْلِها وولَدِه، وهي مسؤولةٌ عنهم، والعبد راعٍ على مال سيِّده، وهو مسؤولٌ عنه، ألا فكلُّكم راعٍ ومسؤولٌ عن رعيَّته))([13]) ، كلٌّ في عملِه، لوِ استحضروا مُراقبةَ الله وعظَمَتَه وجلالَه، وقُدرتَه سبحانه على أن يقتصَّ من عبْدِه الضَّعيف، من جرَّاء عملٍ يُؤْذي ويهدِّد أمْنَ بلدِه الاقتِصاديّ والاجتِماعي والسياسي، لتحقَّقتْ رفاهية البُلدان، وانتشر العدْل، وسادَ تكافُؤُ الفُرَص، وقلَّت البطالة التي تنهش في فلذات أكْباد أبناء هذه الأُمَّة.
يُخطئ مَن يظنُّ أنَّ القوانين وحدَها هي الزَّاجِرة والرَّادِعة لكلِّ المُخالفات، هل تَمكَّنتْ من قطْعِ الطَّريق على الرَّاشي والمُرْتشي؟! هل منعتِ الزَّانيَ من الزِّنا؟! هلْ منعتِ الفَساد الإداري (البيروقراطيَّة)؟! هل حدَّت من حوادث السَّير؟! هل منَعَتِ الغِشَّ في الأسواق والمؤسَّسات؟! هل قلَّصتْ من عدد الجرائم؟!
 تذكر أن الله يراك : وقد ورد أن امرأة راودها رجل عن نفسها فأبت فأكرهها، فأرادت أن تعظه بأعظم موعظة وهي مراقبة ربه، لأنه لم يجن هذه الجناية إلا لأنه لم يراقب الله ونسي أن الله يراه، وبعد الإجبار قالت له: أغلق جميع الأبواب، فأغلق جميع الأبواب المحسوسة التي بينه وبين الناس _ الأبواب البشرية _ ونسي أن الباب الذي بينه وبين الله مفتوح ومكشوف، فقالت له: هل أغلقت جميع الأبواب؟ قال: لم يبق باب إلا وأغلقته، فقالت له: بقي باب مفتوح لم تغلقه! قال: أي باب؟! قالت: بقي الباب الذي بيننا وبين الله مفتوح، ألا تخاف الله؟ . . فارتعد وخاف ووجل فتركها خوفًا من الله الذي يراه حيث ما كان، وتاب هذا الرجل واستقام حاله .
فينبغي أن نعلم يقينًا أن هذا الباب مفتوح إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ويجب أن تعلم أن ما يسترك من الله ظلام ولا سحاب ولا سقف ولا غطاء، أنت مكشوف لله عز وجل على الدوام، ألا تستحي من الله! لو كان أحدنا مع رجل صالح هل سيسمعه الكلام المحرم؟ ستقولون: لا، بل يترك الكلام المحرم من أجل هذا الرجل الصالح، وهل سيعمل السيئة مع الرجل الصالح؟ لا، لا يعلمها من أجل الرجل الصالح.
 العلم بشهادة الجوارح في الآخرة: قال تعالى: "حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا الله الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ الله لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ" [فصلت/20-24].  ، وقال تعالى: }الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ{ [يس/65].
 العلم بشهادة الأرض بما عُمِل فوقها من المعاصي: عن أَبي هريرة - t - ، قَالَ : قرأ رَسُول الله - r - : { يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا } [ الزلزلة : 4 ] ثُمَّ قَالَ : (( أتَدْرونَ مَا أخْبَارهَا )) ؟ قالوا : الله وَرَسُولُهُ أعْلَمُ . قَالَ : (( فإنَّ أخْبَارَهَا أنْ تَشْهَدَ عَلَى كُلّ عَبْدٍ أَوْ أمَةٍ بما عَمِلَ عَلَى ظَهْرِهَا تَقُولُ : عَملْتَ كَذَا وكَذَا في يَومِ كَذَا وكَذَا فَهذِهِ أخْبَارُهَا )) ([14])
 كل انسان سيخرج له كتابا يه كل اعماله: قال تعالى: وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [الإسراء:14].
  كثرة العبادة: فكلما أكثر الإنسان من الطاعات عسُر عليه أن يأتي المحرمات.
 الإيمان بأسماء الله وصفاته: حكى أنه كان لبعض المشايخ تلميذ شاب وكان يكرمه ويقدمه فقال له بعض أصحابه كيف تكرم هذا وهو شاب ونحن شيوخ فدعا بعدة طيور وناول كل واحد منهم طائرا وسكينا وقال ليذبح كل واحد منكم طائره في موضع لا يراه أحد ودفع إلى الشاب مثل ذلك وقال له كما قال لهم فرجع كل واحد بطائره مذبوحا ورجع الشاب والطائر حي في يده !!! فقال ما لك لم تذبح كما ذبح أصحابك ؟ فقال لم أجد موضعا لا يراني فيه أحد إذ الله مطلع على فى كل مكان فاستحسنوا منه هذه المراقبة وقالوا حق لك أن تكرم.
 ان من حفظ الله حفظه الله: عن ابنِ عباسٍ t ، قَالَ : كنت خلف النَّبيّ - r - يوماً ، فَقَالَ : (( يَا غُلامُ ، إنِّي أعلّمُكَ كَلِمَاتٍ : احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ ، إِذَا سَألْتَ فَاسأَلِ الله ، وإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ باللهِ ، وَاعْلَمْ : أنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إلاَّ بِشَيءٍ قَدْ كَتَبهُ اللهُ لَكَ ، وَإِن اجتَمَعُوا عَلَى أنْ يَضُرُّوكَ بِشَيءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إلاَّ بِشَيءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ ، رُفِعَتِ الأَقْلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحفُ )) ([15])
ومعنى حفظ الله: امتثال أوامره واجتناب نواهيه
 معرفة أخبار الصالحين: ذكر ابن كثير في تفسيره: قال: محمد بن إسحاق، عن السائب بن جبير، مولى ابن عباس - وكان قد أدرك أصحاب النبي r -قال: ما زلت أسمع حديث عمر أنه خرج ذات ليلة يطوف بالمدينة، وكان يفعل ذلك كثيرا؛ إذ مر بامرأة من نساء العرب مغلقة بابها وهي تقول:
تطاول هذا الليل وازورّ جانبه

**
وأرقني ألا ضجيعَ ألاعِبُهْ

ألاعبه طورًا وطورًا كأنما
**
بدا قمرًا في ظلمة الليل حاجبه

يسرّ به من كان يلهو بقربه

**
لطيف الحشا لا يحتويه أقاربه

فوالله لولا الله لا شيء غيره

**
لنقض من هذا السرير جوانبه

ولكنني أخشى رقيبًا موكلا

**
بأنفسنا لا يَفْتُر الدهرَ كاتبه

فقال عمر بن الخطاب t لحفصة رضى الله عنها: كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت: ستة أشهر. فقال: لا أحبس الجيش أكثر من هذا.
 تعاهد نفسك في ثلاث مواضع: إذا عملت فاذكر نظر الله عليك، وإذا تكلمت فانظر سمع الله منك، وإذا سكت فانظر علم الله فيك".
وفؤادي كلما عاتبته

**
في مدى الإجرام يبغي تعبي

لا أراه الدهر إلا لاهياً

**
في تماديه فقد برح بي
يا قرين السوء ما هذا الصبا

**
فني العمر كذا في اللعب

نفسي ما كنت ولا كان الهوى

**
راقبي الله وخافي وارهبي

خامسًا: الترهيب من التخلي عن المراقبة
  من صفات المنافقين: قال تعالى: "وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا" [النساء/107، 108]. ، والمعنى:  "يستترون من الناس خوفًا من اطلاعهم على أعمالهم السيئة، ولا يستترون من الله تعالى ولا يستحيون منه، وهو عزَّ شأنه معهم بعلمه، مطلع عليهم حين يدبِّرون -ليلا- ما لا يرضى من القول، وكان الله -تعالى- محيطًا بجميع أقوالهم وأفعالهم، لا يخفى عليه منها شيء"([16]).
كل معلوم ففي علمك كان

**
أنت محصيه زماناً ومكاناً

أنت سبحانك أدرى بالذي

**
فيه ذرات نقاط وكياناً


أنت محصيها وهاديها إلى

**
نشوة تسبيح قلباً ولساناً

نفسي ما كنت ولا كان الهوى

**
راقبي الله وخافي وارهبي

وقال آخر
إحاطة بجميع الغيب عن قدر
**
أحصى بها كل موجود ومفتقد
وكلهم باضطرار الفقر معترف
**
إلى فضائله في كل معتمد
العالم الشيءَ في تصريف حالته
**
ما عاد منه وما يمض فلم يعد
ويعلم السر من نجوى القلوب وما

**
يخفى عليه خفي جال في خلد

 تعريض الحسنات للضياع: فعن ثَوْبَانَ  t، عَنْ النَّبِيِّ r أَنَّهُ قَالَ: «لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا الله عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا». قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ الله صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا؛ أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ. قَالَ: «أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا» ([17]) ، وليس معنى ذلك أنّ من دعته نفسه إلى معصية جاهر بها فالمراد به: من كان انتهاك حرمات الله عادتَه ودأبه، فلا يخلو بنفسه إلا اجترأ على معصية الله .
 من آثار التخلي عن مراقبة الله: يعصى الله ويطاع الشيطان ويضعف الإيمان، وتنتهك الحرمات وتضيع الأمانات، ويحل الفساد والضياع والظلم والاعتداء، ويبغي المسلم على أخيه المسلم، فبدون مراقبة الله رأينا الإهمال يضرب كثير من الأعمال، ويدمر كثير من المؤسسات، وتهدر كثير من الأموال، ومتى ما ضاعت وتلاشت المراقبة من حياة الإنسان، وخلي منها القلب ضاع مصير هذا الإنسان، وضل عن الطريق، وتاه عن صراط الله المستقيم.
 أحوال الناس اليوم مع المراقبة: أما اليوم فقد تغيرت الأحوال، وانعكست المفاهيم، وقل الخوف من الله، وضعفت مراقبته في نفوس الناس، وانتشر بينهم الرياء والنفاق، والعمل للدنيا وحطامها، واتباع الأهواء والرغبات، وضعف الإخلاص لله، وفسدت النيات، ونسي كثيرٌ من الناس ربهم -إلا من عصم الله- في كل شئونهم وأحوالهم في العقائد والعبادات، والمعاملات والأخلاق، في الأقوال والأعمال، فأين الذين استهانوا بعقيدة التوحيد، وأفسدوا في الأرض بالبدع والخرافات، بعد إصلاحها بالإيمان وصحة العقيدة.
أين هم من مراقبة الله؟! لو صدقوا في مراقبته سبحانه لاستقاموا على عقيدة سلف هذه الأمة، أين الذين يراءون في أعمالهم، ويداهنون بأقوالهم وأفعالهم، ويتتبعون رضى الناس ورغباتهم؟!
أين هم من مراقبة الله القائل: أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [التوبة:13].
أين الذين آثروا حب الدرهم والدينار؟! فجدّوا للحصول عليهما بأي طريق؟! ولم يبالوا بمصدرها؟! فيظلمون ويخدعون! ويغشون ويرابون، ويبخسون المكاييل والموازين، ولا يتقون الله في بيعهم وشرائهم! ويتساهلون في أداء زكاة أموالهم؛ حتى كانوا سبباً في منع القطر من السماء بسوء أفعالهم!
أين هؤلاء من مراقبة الواحد الديان؟! أين الذين أطلقوا جوارحهم في الحرام؟! فألسنتهم تقع في المحرمات! في الغيبة والنميمة! والكذب والسب والشتم! ونسوا قول المصطفى عليه الصلاة والسلام: {وهل يَكُبُّ الناس في النار على وجوههم -أو قال- على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم } كما أطلقوا فروجهم وأيديهم وأرجلهم، وآذانهم، وجعلوها تواقع الحرام، ممارسةً وسماعاً، ونظراً وبطشاً ومشياً! أين هؤلاء من قوله تعالى: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النور:24]! وقوله: حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [فصلت:20]؟!
أنسوا أن الله سبحانه مستنطقٌ هذه الجوارح في يومٍ يجعل الولدان شيباً؟، أين الشباب المنغمس في أوحال الرذائل والمنكرات، فلا يعرفون الجماعات، ولا يؤدون الصلوات؟، أين هم من مراقبة الله؟ أغرهم ما هم فيه من صحةٍ وفتوة؟! أنسوا أن الموت يأتي بغتة، ولا يفرق بين صغير وكبير؟!
أين النساء اللاتي سرنَ في ركاب الجاهلية الأولى والأخرى، فلا يبالين بتعاليم الدين الحنيف، بل اتبعنَ أهواءهن، فوقعن فيما حرم الله عليهن؟!
أين هؤلاء كلهم من مراقبة الله؟! أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين:6]، فأفيقوا من غفلتكم أيها المسلمون، وأديموا مراقبة مولاكم، واستشعروا قرب آجالكم، وموقفكم أمام ربكم: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ [الحاقة:18].
ونسأل الله تعالى العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
إعداد: الشيخ احمد أبو عيد
0109 809 58 54
نسألكم الدعاء





([1]) تفسير ابن كثير  
([2]) صحيح مسلم
([3]) متفق عليه
([4])  صحيح مسلم
([5]) صحيح مسلم
([6]) تفسير ابن كثير
([7]) تفسير ابن كثير
([8]) تفسير ابن كثير
([9]) صحيح مسلم
([10]) صفة الصفوة
([11]) صحيح البخاري
([12]) إحياء علوم الدين للغزالي
([13]) صحيح مسلم
([14]) صحيح سنن الترمذي
([15]) صحيح سنن الترمذي
([16]) التفسير الميسر
([17]) صحيح سنن ابن ماجة

التعليقات
0 التعليقات